“الأضحى الفلسطيني” أمام جمرة العقبة الكبرى!

“المدارنت”
يعتبر رمي جمرة العقبة الكبرى من شعائر الحج الأساسية عند المسلمين وهو يجري في اليوم الأول من عيد الأضحى (يوم النحر) في اقتداء بالنبيّ إبراهيم، وسمّي موقع الحصيات السبع التي يرميها الحجاج بالعقبة لأنه كان ممرا ضيقا أو طريقا وعرا في الجبل.
ترتبط قصة العيد حسب التاريخ الإسلامي، بابتلاء أبي الأنبياء حين رأى رؤية يذبح فيها ابنه النبي إسماعيل (الذي يعتبر أبا عرب الشمال والحجاز ومنهم النبي محمد)، فامتثل الابن وبعد استعداد الأب للتضحية بابنه أرسل الله كبشا عظيما ليصبح الطقس سنّة معروفة يُضحّي خلالها المسلمون بأضحية ضمن طقوس الحجّ المقدسة.
عندما كان حجاج من كافة أنحاء العالم يؤدون هذا الطقس في مشعر منى من جهة مكة المكرمة كان 140 ألف فلسطيني يصلّون صلاة عيد الأضحى في المسجد الأقصى في مدينة القدس المحتلة في ما يمكن اعتباره ربطا إنسانيّا عميقا بين المدينتين والموقعين المقدسين، اعتبارا مما ذكره القرآن في الآية التي تقول: )سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنُريه من آياتنا إنه هو السميع البصير).
أما في غزة هاشم فغابت فرحة العيد للسنة الثالثة على التوالي في القطاع الذي دمرته الحرب الإسرائيلية على البشر والثقافة والحجر، فعجز أغلب سكانه عن شراء الأضاحي، أو حتى شراء الملابس الجديدة لأطفالهم، وابتعدت عن خيام النازحين، وهم غالبية أهل غزة، روائح الحلويات المعتادة، ومن أراد منهم الصلاة صلّى في ساحات مفتوحة ومصلّيات مؤقتة ومساجد مدمرة، واختلطت تكبيرات العيد بآلام الفقد والحزن على الضحايا.
خلال ما يسمى اتفاق الهدنة الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 تشرين أول / أكتوبر تابعت قوات الاحتلال قصفها واغتيالاتها لسكان القطاع فقتلت 871 فلسطينيا على الأقل، وأعاد وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس التذكير باجتماع هدفي الإبادة بالتطهير العرقي فتحدث عن «تنفيذ خطة الهجرة الطوعية» لسكان غزة، مهددا بأن «كل شيء سيحدث في وقته.
وفي مدينة الخليل، شددت القوات الإسرائيلية إجراءاتها الأمنية ضد المصلّين في الحرم الإبراهيمي، وأغلقت بوابات المسجد وأطلقت قنابل صوت في محيطه ما تسبب في حالة ذعر وسط تكبيرات العيد، واقتصار العدد على بضع مئات من المصلين.
تقدّم الحالتان صورتين متقاطعتين رمزيّا حيث تتشابك السرديّات والطقوس والتواريخ عبر الجغرافيتين المقدستين لدى الأديان السماوية الثلاثة الكبرى في العالم لكنها تقدّم، في الوقت نفسه، بيانا كاشفا عن الظلم الرهيب الواقع على الفلسطينيين في هذه المعادلات بحيث يتحوّل الشعب الفلسطيني نفسه، إلى الأضحية الكبرى على مذبح العالم، وتتحوّل أفعال حكومة إسرائيل، فعليا وليس رمزيا، إلى تجسيد هائل لعقبة كبرى تقف أمام البشرية والإنسانية بأجمعها.
نجحت القوى الكبرى التي تحكّمت بمصير العالم بعد الحرب العالمية الثانية في تحويل سكان فلسطين، هذه البقعة الجغرافية والتاريخية المقدّسة لدى المنتسبين لتلك الأديان السماوية الثلاثة إلى أضحية كبرى تحت دعاوى إنقاذ اليهود الأوروبيين الذين تعرّضوا لإبادة جماعية على يد النازيين في ألمانيا، وبذلك تتخلّص أوروبا من جريمتها بحق منتسبي دين إبراهيمي، بالتضحية بمنتسبي دين إبراهيمي آخر، ويتابع أحفاد النازية الأوروبيين، الذين تطهّروا من ذنوبهم بإنشاء إسرائيل، بدعم تواصل الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين!
يحمل الفلسطينيون اليوم؛ الجمرة المشتعلة لهذا الظلم التاريخي الفادح، واقفين، ومعهم البشرية، امام هذه العقبة الكبرى التي تشكّلها إسرائيل، بانتظار أن يخرجوا من هذا الابتلاء العظيم.



