الإقتصاد العربي في مرمى الأمن القومي!

خاص “المدارنت”..
وباء الإستهلاك الضروري وغير الضروري يعيث فساداً في جسد المجتمع العربي، فكان أمن المدفع والرغيف في خندق واحد ليصيب الأمن القومي بضربات اقتصادية قاتلة قد تحيله إلى جثة هامدة في السنوات العشر المقبلة، فهل تستقيم المعادلة بمراكمة الحرب والتسلح والثورات على حساب التنمية والغذاء، أم تُصاغ معادلة من نوع آخر: الحرب والغذاء معاً في لعبة البقاء…؟!
أمن الشعوب لا يقتصر فحسب على أمن الحدود فقد اتسع مفهوم الأمن ليشمل جوانب متنوعة، قد تبدأ برغيف الخبز، لأن من لا يملك خبزه، لا يملك حريته، وفي طبيعة الحال فإن أمن الوطن هو أمن المواطن، إذ لا قيمة لوطن يعيش أبناؤه تحت ظلال الجوع والإستبداد والخوف من المجهول، كما هي الحال، في لبنان.
في البدء، كان الإقتصاد حيزاً لكل حكومات العالم ولا يزال، وإن أول صرخة يطلقها الإنسان منذ نعومة أظفاره وليداً هي صرخة جوع، فالصراع حتمي حول الثروة والسلطة للإستئثار في الإقتصاد كركيزة أساسية لبناء المجتمعات.
وتظل الحقيقة واحدة، لا أمن لوطن يستورد حاجاته الإقتصادية، كما أنه لا حرية سياسية من دون الحرية الإجتماعية والإقتصادية، وإذا كان هذا الكلام التجريدي صالحاً للتطبيق على كل المجتمعات وفي كل الازمنة، فإنه ينطبق تماماً وخصوصاً في هذا العصر على الوطن العربي.
البعد الإقتصادي للأمن القومي العربي يثير عدداً من النقاط، على رأسها: مدى توافر المواد الغذائية والمعدنية والصناعية، وتأثير ذلك على الحالة الإقتصادية العامة للكيان السياسي العربي وقطاعات الإقتصاد الثلاثة (الزراعة، الصناعة، الخدمات) ولهذا فإن الحديث عن الإقتصاد العربي وعلاقته بالأمن القومي لا بد وأن ينطلق من حيث إمكانات العرب وقدراتهم الإقتصادية ومدى استغلالهم هذه الإمكانات بما يحقق اكتفاءهم الذاتي في قطاعات الإقتصاد الثلاثة تحقيقاً لمبدأ الأمن الغذائي القومي
ولعل ما حصل منذ ثلاثة عقود تقريباً في العراق بعد غزوها للكويت، وفرض حصار عالمي (وهو حقيقة مؤامرة صهيونية أميركية بربطانية إيرانية) لاحتلاله فيما بعد، تحت مفاوضات خسيسة عرفت ب (النفط مقابل الغذاء) تحت رعاية الأمم المتحدة كما تسمي نفسها.
والحقيقة أن واقع الإقتصاد العربب في الوقت الراهن (متخلف)، وفي هذا السياق لا يعود مستغرباً أن تحدث فجوة غذائية مخيفة وأن يسجل الميزان التجاري العربي للغذاء عجزاً مالياً بسبب الفوضى والسرقة والإختلاسات، ففي دراسة نشرتها منظمة (شاهد) العربية أن العجز في الحركة التجارية العربية العامة وصل إلى 20 مليار دولار عام 1987، وحينه أشارت الدراسة أن الرقم مرشح للإرتفاع إلى 44 مليار دولار،
لذلك فإن الواجب يقتضي زيادة الإعتماد على النفس في الأقطار العربية لتحقيق الإكتفاء الذاتي نوعاً ما.
إن الإقتصاد العربي كأحد مكونات الأمن القومي الشامل يحتاج إلى نظرة جديدة لا بد وأن تتناسب مع اعتباره أحد الركائز الأساسية للأمن القومي بمفهومه الأوسع ليعيد الميزان المختل إلى وضعه الصحيح، إن مشروعاً في التنمية العربية لا يأخذ في الحسبان أمن الحرب والرغيف معاً سيبقى مفتقراً إلى مصداقيته.



