عربي ودولي

إنتهاكات “إسرائيلية” في الداخل السوري بعد سقوط الطاغية المخلوع بشار الأسد!

“المدارنت”
إن توثيق انتهاكات بحق المدنيين تشمل القتل والاحتجاز التعسفي وانتهاكات لسيادة الجمهورية العربية السورية (8 كانون الأول 2024 – 6 تشرين الأول 2026)

– نشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان اليوم توثيقًا للعمليات العسكرية الإسرائيلية والانتهاكات المصاحبة لها داخل الأراضي السورية في الفترة الممتدة من 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 حتى 6 تشرين الأول/أكتوبر 2026. وسجلت الشبكة ما لا يقل عن 453 عملية توغل بري، تركزت في محافظتي القنيطرة ودرعا، وبدرجة أقل في ريف دمشق، إضافة إلى مقتل ما لا يقل عن 69 شخصًا، وما لا يقل عن 162 حالة احتجاز تعسفي. وتمثل هذه الأرقام، التي جرى التحقق منها وفق منهجية الشبكة بالاستناد إلى قاعدة بياناتها الخاصة بالانتهاكات، والرصد الميداني، وشهادات الشهود، والمصادر المفتوحة والرسمية، حدًا أدنى موثقًا.

وتخلص الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أنَّ عمليات التوغل الموثقة، والوجود العسكري، والهجمات المتكررة تنتهك سيادة سوريا وسلامة أراضيها. وفي المناطق التي أقامت فيها القوات الإسرائيلية سيطرة فعلية، وتستطيع ممارسة هذه السيطرة، على أجزاء من الجنوب، ينطبق قانون الاحتلال ضمن الحدود الإقليمية لتلك السيطرة.

وانتقلت عمليات التوغل الموثقة من عمليات محدودة قرب خطوط الفصل إلى دخول متكرر إلى قرى وبلدات مأهولة بالسكان، ترافق مع ممارسات وانتهاكات بحق السكان المدنيين من بينها القتل والإصابة، وعمليات احتجاز، ومداهمات للمنازل، واعتداءات على العاملين في مجالات الإعلام والطب والعمل الإنساني، بمن فيهم طواقم الهلال الأحمر العربي السوري، إضافة إلى تسجيل عمليات قصف وإطلاق نار عشوائي، وغيرها من الممارسات التي وضحها التقرير في سياق عمليات التوغل البري والانتهاكات المرافقة لها.

وذكرت الشبكة في تقريرها أنَّ هذه الانتهاكات والممارسات ترافقت مع تصريحات وخطوات سياسية وعسكرية إسرائيلية عكست توجهًا نحو تكريس الوجود العسكري داخل الأراضي السورية، شملت تكرار دخول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، رفقة مسؤولين وضباط إسرائيليين آخرين إلى مواقع عسكرية أقامتها إسرائيل داخل سوريا بصورة غير مشروعة، وتعاقب التصريحات حول نية بقاء القوات الإسرائيلية في تلك المناطق واستمرار سيطرتها عليها.

ووثقت الشبكة مقتل ما لا يقل عن 69 شخصًا ضمن فئات قانونية منفصلة: مدنيون، من بينهم ثلاثة أطفال وثلاث نساء؛ وأشخاص قتلوا في سياق اشتباكات؛ وعناصر من قوات وزارتي الدفاع والداخلية قتلوا في غارات جوية. وضمن هذا الإجمالي، المصنف بحسب السياق الميداني بعد استبعاد حالات التكرار، وثّقت الشبكة مقتل شخص واحد جراء عمليات إطلاق نار مصدره أحد النقاط العسكرية المتمركزة فيها القوات الإسرائيلية في محافظة القنيطرة، إضافة إلى ما لا يقل عن 29 شخصًا خلال عمليات التوغل البري والقصف الجوي والأرضي المرتبط بها: 15 في درعا، و13 في ريف دمشق، وشخص واحد في القنيطرة. كما سجلت بصورة منفصلة مقتل ما لا يقل عن 39 شخصًا في غارات جوية: 25 في السويداء، و6 في ريف دمشق، و3 في دمشق، و3 في درعا، و2 في القنيطرة. وتتصل حصيلة السويداء بالهجمات التي وقعت في سياق التوترات التي شهدتها المحافظة خلال عام 2025، ولا يقدم التقرير سردًا تفصيليًا لكل واقعة من الوقائع التي أسهمت في هذه الحصيلة.

ومن بين 162 حالة احتجاز تعسفي موثقة، شملت 20 طفلًا وعاملًا إعلاميًا واحدًا، سجلت الشبكة الإفراج عن 127 شخصًا، في حين لا يزال مصير 35 آخرين مجهولًا لدى الشبكة ولدى ذوي الضحايا. وتوزعت حالات الاحتجاز بواقع 115 حالة في القنيطرة، و37 في درعا، و10 في ريف دمشق. ونُقل العديد من المحتجزين إلى مواقع أو نقاط عسكرية إسرائيلية، أو إلى الجولان السوري المحتل؛ وأفرج لاحقًا عن نسبة كبيرة منهم من دون توجيه أي اتهامات إليهم أو اتخاذ أي إجراءات قانونية بحقهم، في حين ظل وضع آخرين مجهولًا لفترات متفاوتة. وفي إحدى الحالات الموثقة، اعتُقل محمد مروان قريان من منزله في الدواية الكبيرة في ريف القنيطرة فجر 28 نيسان/أبريل 2025؛ ثم حصلت أسرته لاحقًا، عبر منظمة «هموكيد «على معلومات تفيد بأنَّه كان محتجزًا في سجن نفحة. وفي حالة أخرى، فُقد أثر شادي قاسم زينة، الذي لم يكن قد بلغ الثامنة عشرة بعد، في 29 تموز/يوليو 2025 بعد خروجه من منزله في كناكر في ريف دمشق؛ وأبلغ محتجز أُفرج عنه لاحقًا الأسرة بأنَّه كان محتجزًا مع شادي وأنَّه رآه في سجن عوفر. وقد ذكر التقرير إفادتين من ذويهما توثقان حادثتي اعتقالهما.

وقال فضل عبد الغني، المدير التنفيذي للشبكة السورية لحقوق الإنسان: ” ما تفعله إسرائيل في سوريا هو نمط متصاعد من التوغلات والاحتلال الفعلي لأجزاء من الأراضي السورية، والهجمات الجوية والأرضية، والاحتجازات، والإضرار بممتلكات المدنيين وسبل عيشهم. هذه الممارسات تمثل انتهاكًا خطيرًا لسيادة سوريا، وتفاقم حالة عدم الاستقرار في سوريا والمنطقة، وتغذي دوائر التوتر والعنف، بما يرفع من خطر الانزلاق إلى مواجهات أوسع في منطقة تعاني أصلًا من نزاعات متراكمة.

لا يجوز لإسرائيل أن تتذرع بمخاوف أمنية لتبرير فرض وقائع عسكرية داخل أراضي دولة أخرى أو تجاوز قواعد القانون الدولي. حماية الأمن لا تتحقق بانتهاك سيادة الدول، ولا بتوسيع الاحتلال، ولا بتعريض المدنيين للخطر. إنَّ استمرار هذه العمليات، في ظل غياب رد دولي فعّال، يكرس منطق فرض الأمر الواقع بالقوة ويقوض النظام القانوني الذي يحظر استخدام القوة ويحمي المدنيين أثناء النزاعات المسلحة”.

ووثقت الشبكة ما لا يقل عن 22 حادثة أثرت في مراكز ومنشآت مدنية حيوية، من بينها مدرسة ومسجد واحد. وشملت هذه الحوادث اقتحام مدرسة في قرية الحرية في ريف القنيطرة الشمالي وتخريبها في 15 حزيران/يونيو 2025، وإلحاق أضرار بمسجد الرحمن في بلدة بيت جن في ريف دمشق إثر قصف إسرائيلي أعقب عملية توغل في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2025. كما سجلت الشبكة هدم ما لا يقل عن 15 مسكنًا مدنيًا عقب توغل في قرية الحميدية في ريف القنيطرة، إضافة إلى أعمال تجريف واسعة النطاق في محمية جباتا الخشب الطبيعية في ريف القنيطرة الشمالي في 17 و18 تشرين الأول/أكتوبر 2025، ورش أراضٍ رعوية في القنيطرة في أواخر كانون الثاني/يناير 2026 بمادة لم تتمكن الشبكة من تحديد ماهيتها. وقد ذكر التقرير أيضًا أنَّه في 4 تشرين الأول/ أكتوبر رُصد استئناف القوات الإسرائيلية أعمال تجريف غربي قرية العشة وبلدة الرفيد وذلك عند ما يعرف بمشروع خط “سوفا 53”.

وبالتوازي مع عمليات التوغل، وثقت الشبكة مئات الغارات الجوية الإسرائيلية في محافظات دمشق وريف دمشق وحماة واللاذقية وحمص، وطرطوس، والسويداء، وإدلب. وشملت هذه الغارات نحو 16 ضربة استهدفت مطار حماة العسكري في 2 نيسان/أبريل 2025، وأسفرت عن تدمير ما لا يقل عن 10 طائرات، وضربة قرب القصر الرئاسي في دمشق في 2 أيار/مايو 2025 لم تسفر عن خسائر بشرية أو أضرار مادية تُذكر، وضربات استهدفت مبنى قيادة الأركان العامة في ساحة الأمويين وسط دمشق في 16 تموز/يوليو 2025، وأسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص، بينهم امرأة، وإصابة ما لا يقل عن 34 آخرين. كما وثقت الشبكة هجمات أرضية إسرائيلية باستخدام المدفعية والدبابات، من بينها مقتل مدني بقذيفة دبابة في منطقة الزعرورة في ريف القنيطرة الجنوبي في 3 نيسان/أبريل 2026. وقد رافقت هذا الوجود تصريحات إسرائيلية رسمية، من بينها تأكيد وزير الدفاع في 25 آب/أغسطس 2026 أنَّ القوات الإسرائيلية ستبقى منتشرة في مواقع داخل الأراضي السورية.

وقيّمت الشبكة السلوك الموثق في ضوء القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. وحيثما أُقيمت سيطرة فعلية وكان بالإمكان ممارستها، ينطبق قانون الاحتلال بموجب المادة 42 من لائحة لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وهو معيار أكدته محكمة العدل الدولية في فتواها بشأن الجدار الصادرة عام 2004، وفي حكمها الصادر عام 2005 في قضية الأنشطة المسلحة (جمهورية الكونغو الديمقراطية ضد أوغندا)، ويترتب عليه التزامات تقع على عاتق دولة الاحتلال. ويثير نقل الأشخاص المحميين من مناطق خاضعة للاحتلال مسائل بموجب المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر النقل القسري أو الإبعاد للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة، ويتطلب ذلك تقييمًا يستند إلى وقائع كل حالة على حدة. كما يظل تنفيذ العمليات خاضعًا لمبادئ التمييز والتناسب والاحتياط، في حين يوفر القانون الدولي لحقوق الإنسان حماية موازية في المناطق التي تنشأ فيها الولاية القضائية بفعل السيطرة الفعلية، بما في ذلك الحق في الحياة وحظر الاحتجاز التعسفي. وحيث يعقب حرمان شخص من حريته على يد موظفي الدولة رفض الاعتراف بالاحتجاز أو إخفاء مصير الشخص أو مكان وجوده، فقد تستوفي الحالة الفردية تعريف الاختفاء القسري بموجب المادة 2 من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري.

وفيما يتعلق باستخدام القوة، تخلص الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أنَّ النمط الموثق وقع من دون موافقة سورية أو تفويض من مجلس الأمن، وأنَّ الوقائع المتاحة لا تثبت وجود أساس كافٍ للاستناد إلى استثناء الدفاع عن النفس فيما يتعلق بهذا النمط الممتد من العمليات. ومن ثم، فإنَّ هذا السلوك لا يتوافق مع المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة، ولا مع مبدأ احترام السيادة والسلامة الإقليمية الذي أكد عليه قرار الجمعية العامة رقم 2625 (د-25) لعام 1970. وقد أكدت قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF) أنَّ وجود القوات الإسرائيلية وأنشطتها داخل منطقة الفصل يشكلان انتهاكًا لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وأضاف عبد الغني: ” ندعو إلى وقف الانتهاكات الإسرائيلية داخل سوريا، وإنهاء التوغلات والوجود العسكري غير المشروع، والإفراج عن المحتجزين تعسفيًا والكشف عن أماكن وجودهم وظروف احتجازهم. كما يتعين على مجلس الأمن والأمم المتحدة ألا يتعاملا مع هذا النمط باعتباره أمرًا واقعًا قابلًا للتطبيع؛ فاستمرار الإفلات من المساءلة لا يهدد السوريين وحدهم، بل يساهم في تأجيج الصراع وتقويض فرص الاستقرار والأمن في المنطقة بأسرها”.

وتطالب الشبكة السورية لحقوق الإنسان القوات الإسرائيلية بوقف جميع عمليات التوغل، وإنهاء وجودها في المواقع والنقاط العسكرية المنشأة حديثًا، بما في ذلك داخل منطقة الفصل، والإفراج عن جميع المدنيين المحتجزين تعسفيًا، والكشف عن أماكن وجود ومصير الأشخاص الذين لا يزال مصيرهم مجهولًا، والامتثال للالتزامات الواقعة على عاتق دولة الاحتلال. كما تطالب الحكومة السورية بتعزيز حماية المدنيين في القنيطرة ودرعا وريف دمشق، ومواصلة التوثيق وفقًا للمعايير الدولية، وطرح الانتهاكات أمام الأمم المتحدة ومجلس الأمن. وتدعو قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك إلى تعزيز الرصد والإبلاغ عن الحوادث التي تؤثر في المدنيين وترتيبات فض الاشتباك، كما تدعو الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى إدانة الانتهاكات الإسرائيلية وتأكيد احترام سيادة سوريا وحظر استخدام القوة المنصوص عليه في الميثاق، وحماية العاملين في المجال الإعلامي. كذلك تدعو الشبكة لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى إدراج هذه الانتهاكات ضمن تحقيقاتهما، والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف إلى الوفاء بالتزامها بموجب المادة الأولى المشتركة باحترام الاتفاقيات وضمان احترامها، وآليات المساءلة الدولية إلى حفظ الأدلة لاستخدامها في الإجراءات القضائية المستقبلية.

“الشبكة السورية لحقوق الانسان”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى