التعليم العربي والنظام الاجتماعي.. (جدل العلاقة والتبادل)

خاص “المدارنت”..
اهتم المربون في السنوات الأخيرة اهتمامًا كبيرًا بمشكلة تكامل التعليم مع الحياة الاجتماعية، باعتبار التعليم جزءًا لا يتجزأ من النظام الاجتماعي السائد، وهذا يعني أن التعليم لا ينفصل عن المجتمع وفلسفته، بل لا بد أن يصبح التعليم عاملًا فعّالًا في بناء النظام الاجتماعي، فالتعليم السوري الحالي مثلاً لا ينفصل عن سياسات النظام السوري في المجتمع، ولا التعليم الصيني ينفصل عن سياسات النظام الشيوعي الصيني، ولا التعليم الأمريكي ينفصل عما تذهب إليه الفلسفة البرجماتية، وبذلك ينتفي السؤال الثنائي الذي يقول: هل يجب على التعليم أن يُسهم أو لا يُسهم في بناء المجتمع؟ فهذه الثنائية لا وجود لها في الواقع، إذ إن التعليم يُسهم بالفعل في هذا البناء، ولكن المشكلة التي تتطلب الحل هي: كيف يُسهم التعليم في البناء الاجتماعي؟
لعلنا إذا نظرنا إلى المجتمعات الجديدة نجد أن التعليم أسهم إسهامًا فعالًا في بنائها، فبناء تركيا الجديدة على يد أردوغان، أو ماليزيا على يد مهاتير محمد، أو سنغافورة على يد حليمة يعقوب لم يكن ليتم ويصل إلى نتائجه لو لم يكن التعليم وسيلته الفعّالة. والتعليم على هذا الأساس عليه أن يختار القوى العلمية والتكنولوجية والثقافية الجديدة، التي تحدث التغيير في النظام القديم، وتبحثها وتقدرها وتقوم بأعبائها ونتائجها، وأن تجعل من المدرسة الحليفة الأولى للوصول إلى هذه النتيجة. ومعنى هذا أن التعليم عامل مهم من عوامل التغير الاجتماعي.
مع ملحوظة أن المدرسة عندما تعكس التطور الاجتماعي في المجتمع، إنما تساعد عملية انتشار المخترعات الجديدة على أداء وظيفتها، فإذا كانت التغيرات التكنولوجية قد دخلت المجتمع الحديث، فإن انتشارها يحتاج إلى أن نعدّ للمصانع العمال المهرة والمهندسين اللازمين للقيادة، ثم نعدّ الأسرة للتغيرات الاجتماعية المصاحبة والناتجة عنها. والتعليم يقوم بهذه المهمة عن طريق المدرسة التي هي المؤسسة التربوية المقصودة.
وقد أصبح من المعروف أنه لكي نُغير نظام المجتمع كله يجب أن نُغير التعليم، وذلك ليكون تغييرًا حقيقيًا في النظام الاجتماعي والسياسي، ولذلك لا بد من انقلاب جذري في النظام التعليمي العربي، وصياغة ملامح لفلسفة تعليمية جديدة تؤمن بالتغيير وبمطالب مجتمع ما بعد الثورة، لأن صياغة المجتمع العربي الجديد لا تتم إلا بإعادة صياغة النظام التربوي وفلسفته وأهدافه، وليس المقصود هنا التعليم والتعلم فقط، بل رسم سياسة مؤسسات المجتمع وتحميلها مسؤوليات تنفيذها لبناء الإنسان العربي، وتنشئته تنشئة اجتماعية حضارية يُستبعد منها مفردات الاستبداد والتطرف والتعصب وتقديس الأشخاص.
من هنا يجب أن يكون هدف التعليم في المجتمعات العربية هو عملية تنشئة اجتماعية شاملة، فالتربية لا تستطيع أن تصنع المجتمع وتغيره، أو تُحدث فيه أثرًا بارزًا وسريعًا في بنيته، إلا إذا استطاعت أن تقهر العوامل الأخرى الكامنة في المجتمع التي تشدها إلى الخلف، وأن تكون على علم ودراية تامة بمشكلات المجتمع كلها.
والمستقرئ لواقع المجتمع العربي عموماً والسوري بشكل خاص، يُدرك أن له مطالب عديدة تتصل بضرورة التغيير الاجتماعي والثقافي والسياسي يجب أن تعمل المدرسة على تحقيقها، لأن العملية التربوية لا تقتصر على نقل المعلومات والمعارف إلى التلميذ، مع أن ذلك جزءًا مهمًا منها، ولكن العملية التربوية مادتها فرد في مجتمع، بكل ما يتضمنه مفهوم الفرد ومفهوم المجتمع، وبكل أبعادهما. لذلك تفرض التغييرات الاجتماعية مطالبها على المدرسة العربية في أكثر من صورة، أذكر منها:
قد يكون التغير في النظام المدرسي، أو في السياسة التعليمية بصفة عامة لمقابلة حاجة اجتماعية، أو حلًا لمشكلة اجتماعية أحس بها القائمون على المجتمع، وشعروا بأن البرنامج المدرسي يستطيع أن يُسهم في حلها. مثال ذلك: حاجة المجتمع العربي لإعداد معلمين لتعليم حقوق الإنسان وحرياته الأساسية بعد أن عانى المجتمعات العربية عقود طويلة من الاستبداد والدكتاتورية، فإذا استطاعت السياسة التعليمية أن تُحسن تقويم المطالب الاجتماعية للمجتمعات العربية عندها تصبح قادرة على تغيير البرامج التربوية بما يخدم مطالب المجتمع العربي الجديد.
قد يكون التغير التربوي نتيجة الإحساس بأن هناك قيمًا في المجتمع يجب المحافظة عليها، وأن هناك قيمًا أخرى جديدة لم تتحقق بعد، وأن هناك قيمًا تعمل المدرسة على تحقيقها، وتتعارض في أسسها مع ما يهدف إلى تحقيقه المجتمع الجديد من قيم واتجاهات جديدة.
مثال ذلك: حاجة المجتمعات العربية في هذه المرحلة الحاسمة إلى قيم الحرية والكرامة والديمقراطية التي يجب ترسيخها وتعزيزها في نفوس الأجيال وعقولهم، وبيان أن هناك قيمًا مثل العدالة الاجتماعية لم نستطع تحقيقها في سلوك الأفراد، فما زالت البيروقراطية مثلا مسيطرة على الوزارات المختلفة، وما زال النقد الذاتي بعيدًا عن مستوى التطبيق العملي، ولكي تستطيع المدرسة إدراك جوهر هذا التغيير ومداه يقع على عاتقها دراسة المجتمع في أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية، وأثر العملية التربوية في هذه الأبعاد.
وعلى هذا الأساس يجب أن يفهم القائمون على السياسة التعليمية المطالب الاجتماعية التي تفرض تحدياتها على المدرسة، وأن تتم مناقشتها وتقويمها كمدخل لعملية البناء الاجتماعي، ومن أجل أن يتحقق ذلك فهم بحاجة إلى علم بالمعارف التربوية السائدة، وبالمعارف الاجتماعية التربوية الجديدة التي لم تُنفذّ بعد في الميدان التربوي المهني في المدرسة، وكذلك معرفة ووعي بمشكلات المجتمع العربي، ولاسيما تلك التي تفرض تحدياتها على المدرسة، فضلاً عن معرفة القيم الأساسية في المجتمع وتقديرها، ولاسيما القيم الديمقراطية التي يحتاجها المجتمع العام ومجتمع المدرسة على حدً سواء.
بالإضافة إلى إنشاء مراكز للنشر الثقافي تهتم بثقافة البناء الاجتماعي، ومواجهة كل ما يقف في وجه التطوير، على أن يكون هدفها توعويًا وتنمويًا في آن واحد. توعويًا يتمثل في توعية المواطنين في كيفية المحافظة على هوياتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وتنمويًا من خلال الاستفادة من الثقافة في تنمية مهارات الفرد وصقلها بالمعارف اللازمة، لكي يكون قادرًا على فهم ثقافة مجتمعه، والتصدي لمحاولات عولمة الهُوية والحضارة والثقافة.
مع التأكيد أن سر تقدم أي مجتمعٍ من المجتمعات هو الإيمان العميق بأهمية الثقافة، عبر فهم الطرائق والأساليب التعليمية الناجحة التي تقودهم إلى المحافظة على هويتهم وعراقة مجتمعهم من التآكل والاندثار، وهذا لن يتم إلا بالتعاون المشترك بين جميع أفراد المجتمع الواحد، أفراداً وجماعات ودولة.



