مقالات
“التغييريون” والنضج السياسيّ المطلوب

خاص “المدارنت”..
انجلى غبار الإنتخابات للمجلس النيابيّ عن مجموعات من الفائزين من خلفيّات فكريّة وسياسيّة متعدّدة. والبارز الذي لا يخطئه النظر هو أنّ الجديد الذي عكسته تركيبة المجلس المنتخب، تَمثَّل في الحضور المتزايد للقوى والشخصيات السيادية، ولمجموعة جديدة انضوت في كتلة تحمل مسمّى “التغيير”.
شكّل “التغييريون” كتلتهم، معلنين انتماءهم الى انتفاضة 17 تشرين 2019، وتبنّي شعاراتها في مكافحة الفساد، ومحاسبة الفاسدين، وإقامة الدولة السيّدة المستقلّة، دولة العدالة والقانون والمؤسسات.
لا شكّ في أنّ هذه الشعارات تحمل هموم الناس، وتعبّر عن مطالبهم، وصحيح أنّ جماعة “التغيير”، تملك الصوت المرتفع واللسان الطّلق، وفصاحة التعبير عن تلك الشعارات، بل تستطيع أن تحشد خلفها من يصيحون في الشوارع والساحات، هاتفين متّهمين مندّدين متوعّدين.
هذا كلّه صحيح؛ لكنّه، على أهميته، ليس بالأمر الأهمّ؛ فالأهمّ أن تكون المجموعة النيابيّة التي تدّعي حمل هموم الناس، والتعبير عن مطالبهم وتطلّعاتهم، قادرة على تحويل تلك المطالب والتطلّعات، من حقائق بالقوّة الى حقائق بالفعل، وفقًا للتعبير الفلسفيّ.
بيد أنّ هذا لا يكون، إلا بالتنسيق والتعاون مع القوى والشخصيات ذات التوجّهات المتقاربة، للخروج بمواقف واحدة في القضايا ذات الإهتمام المشترك.
حينذاك، تتحوّل تلك المجموعة القليلة إلى قوّة تغييريّة وازنة، وإن لم يحصل ذلك، سيبقى أولئك “التغييريون”، مجرّد ظاهرة صوتيّة تسمع لها جعجعة ولا ترى طحينا.
وفي تقديري، أنّ “السياديين” و”التغييريين”، يمكن أن يجتمعوا حول مواقف مشتركة حيال قضايا وطنيّة، وشؤون سياسيّة واقتصاديّة أساسيّة. ولعلّ أهمها راهنًا، الإتفاق على مواصفات رئيس للحكومة المقبلة، لاختياره على أساسها. وفي طليعة تلك المواصفات:
– أن يكون ذا توجّه سياديّ واضح؛ يرى في الدولة سيّدة قرارها الحرّ المستقلّ في شؤون الدفاع والأمن والسياسة والاقتصاد، من دون أن ينازعها في ذلك منازع.
– ألّا يخضع في تشكيل حكومته للمحاصصات والمساومات، والشروط المسبقة التي تمليها مصالح هذا السياسيّ أو ذاك.
– وأن تكون أولى أولوياته، معالجة الواقع الاقتصاديّ والماليّ المنهار، ووضع حدّ للتدهور الكبير في الأحوال المعيشية القاسية.
وهكذا، فإنّ جماعة التغيير لا بدّ أن تعي حجمها الحقيقيّ، وأن ترتقي في مواقفها من مستوى المراهقة الصبيانية إلى مصافّ الرشد السياسيّ، فتنسّق جهودها مع القوى المعارضة الأخرى، ليكون لها الثقل المطلوب في ميدان الفاعلية والتأثير، وإلّا، فلن تعدو كونها ضربًا من صخب إعلاميّ، هو أشبه بالقرقعة على تّنّك فارغ.



