الجائحة والتفكير الغيبي..!

خاص “المدارنت”..
عند سؤالك أحدهم: كيف الحال؟ فالجواب التلقائي السائد شعبيًّا، ولا مفرّ من حتميّته: “كل شي من الله يا محلاه”. وأصحاب المقولة هذه، ليسوا مسؤولين عن معنى كلامهم. نعم، أوليس الله خالق كلّ الوجود؟ وهو خالق كلّ ما مرّت به البشريّة من سلبيّات وايجابيات؟ الطاعون/ الجدري/ السارس/ انفلونزا الطيور… إلى عصرنا هذا، عصر سيطرة التكنولوجيا والثقافة البصريّة، وكلمة ثقافة هنا، مستخدمة كنمط عيش سائد ليس إلاّ.
لذا لا يمكننا الاكتفاء بمقولة: كل ما يأتي من الله ما أحلاه، فأين مسؤوليّة البشر ودورهم في الحفاظ على حياة مخلوقات الله. والحادثة بين الأعرابيّ ورسول الله توضح نمط تفكير البشر (دون أن نُعمّم).
وردَ الحديث عن الصحابي أنس بن مالك وعن غيره أيضًا، أنَّه أتى رجلٌ إلى رسول الله يطلبُ مشورته في أمر يخصُّ موضوع التوكُّل على الله، سائلًا إياه بين أن يُطلِقَ ناقته دون أن يقيِّدها ودونَ أن يربطها برباط يمنعها من التحرك والضياع ويتوكَّل على الله، ويقصِد بذلك أن التوكّل على الله تعالى يغني عن عَقْلِ الناقة أو ربطها، ولكنَّ رسول الله بيَّن له بثلاث كلمات مختصرات قاعدةً عظيمةً في الحياة، فقال له:
“بل اعقلها وتوكل”، ومعنى ذلك أن يربطَ ناقته ويوثقها ثمَّ يتوكًّل على الله، وهو حثٌّ على الأخذ بالأسباب، والتفكير والتصرّف وفق هذه الأسباب. وهذا الحدث مع النبي والأعرابي كان ليدحض فكرة سائدة أتناولها الآن، بأن كل ما يأتي من الله “يا محلاه”.
فالله لم يمنع البشر من استخدام عقلهم للبحث في الأسباب، ومعرفة حسن التصرّف والتدبير. وفي زمننا هذا، زمن العالم الافتراضي، حيث المشكلة ليست الحيرة في أمر ناقة، بل هناك جائحة “تسرح وتمرح”، وعقلِها أو ربطها يحتاج وعي فردي وجماعي. ومواجهة هكذا مرض، يتطلّب اتّباع العقل العلمي والطبّي. أضف إلى أنّ انتشار الجائحة سببه التواصل والتخالط بين البشر. ومن الصعب منع الناس عن التواصل فيما بينهم، وبحسب الثقافة الشعبية:” الجنّة بلا ناس ما بتنداس”.
وأذكر تمامًا، في بداية انتشار جائحة كورونا، وصلتني رسالة مصوّرة على هاتفي المحمول، وذلك عبر تطبيق “الواتساب”، مضمونها يعلن الرفض المطلق، إلى درجة الاستهزاء بوضع “الكمّامة” على الوجه، وقدّ كانت أحداث الفيديو المُصوّر تدور في حرم مكان مقدّس، يذهب الناس إليه بشكل دوريّ لأداء طقوس دينيّة واجبة عليهم. وما رأيته استهزاءً في الفيديو، كان مدعاة فخر واعتزاز لدى “بطل الفيديو”.
وهل هذه القطعة الصغيرة من القماش ستحمينا ونحن بين يدي الخالق نؤدّي واجبنا الديني؟ الله لم يخلق المرض، بل الناس تسبّبوا بإيجاده وذلك جرّاء طعامهم غير الصحّي أوّلاً ومن ثمّ استهتارهم بمستوى النظافة الشخصية والعامّة، وهذا ما فتح الباب على كوارث إنسانية. ولو ذهبنا بالمنحى العلمي، لرفضِ الناس للمسار الوقائي، فهذا يُظهرهم مُخطئين. ليست المُعتقدات خاطئة، وليست الطقوس والشعائر ساذجة. بل هناك خلل ناتج عن سوء أو عدم معرفة استخدام مهارة التفكير النقدي التي ترفع مستوى الوعي النقدي، ليقبع الناس في منطقة الراحة النفسية التي تضمحلّ تلقائيًّا عند اللجوء إلى التفكير.
الكورونا ليست مرضًا بل جائحة، ولن أدخل بتفصيل المسمّى الأدقّ علميًّا، بل يمكنني أن أؤكّد بأنّ طريقة تعامل الناس معه هي المرض الاجتماعي بعينه. فكيف يمكن أن نقنع الناس بأن الصلاة الجماعية مُضرّة بصحتهم؟ وكيف نمنع العامل المُياوم عن كسب رزقه ليومٍ ينتظره فيه أولاده عائدًا وحاملاً الطعام؟ لست بصدد طرح تغيير في معتقدات أحد، فالمعتقد موروث تاريخي، يطغى الأثر الجماعي فيه على الفردي، ومن هنا نستنتج تغييب العقل الفردي، الذي اثبت التاريخ من خلال العلماء بأنّه هو مفتاح التغيير المجتمعي. تتراكم الأبعاد الدينية والاجتماعيّة والمعيشيّة. لتشكّل طبقة كثيفة إنسانية تمنع الإنسان عن التفكير.
لا أطلب الآن من الناس مستحيلاً، يعجزون عن القيام به، وأنا أعلم بأنه المطلوب هو تغيير نمط تفكير، وهذا ليس سهلاً، لكنّ التباعد الاجتماعي، على الرغم من صعوبته وغرابته، هو المطلوب. ثم يسأل أحدهم: وهل تؤمن بالكورونا؟ وانا أجيب: الكورونا ليست “معتقد”، الكورونا جائحة، فلا تسمحوا بانتشارها كما النار في الهشيم. ولا بدّ أن “تِعقَلوا” وتتوكّلوا.




