مقالات

لماذا كرهت مادة الجغرافيا؟!

كتب د. أسامة حامد*/ فلسطين

“المدارنت”
لا أخفيكم سرًا، وعلى الرغم من تفوقي العلمي في معظم مراحل حياتي الدراسية، إلا أنني كنت دائمًا أستصعب هذه مادة الجغرافيا، التي أقل ما يمكن قوله عنها أنها جامدة وخالية من أي روح.

لا زلت أذكر أسئلة امتحاناتها الكتابية: ماذا يحدنا من الغرب والشرق والشمال والجنوب؟ أين تقع جبال الشراه؟ ما هي البلدان التي يمر بها النهر الفلاني؟ … إلخ. ومن شدة كرهي لهذه المادة الدراسية، كنت قد قمت بحذف مادة الجيولوجيا (المتعلقة بالجغرافيا) من اختياراتي في الثانوية العامة، كتعبير بسيط عن عدم اقتناعي بالمنهج التدريسي لهذه المادة.

ومما زاد صعوبة فهمي لهذه المادة هو الأسئلة الكثيرة التي كانت تراودني حولها: من الذي يحدد الجغرافيا؟ ومن هم سايكس وبيكو ليحددوا لنا جغرافيتنا؟ لماذا يتصارع البشر على الجغرافيا؟ وهل ممكن أن تتغير الجغرافيا نتيجة صراعات البشر؟ ولماذا الصراع المستمر على جغرافيا منطقتنا بالذات منذ أن خلق الله آدم؟ وما دخل الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي سابقًا والصين حاليًا في الصراع في منطقتنا؟ ولماذا اختارنا الله للعيش في هذه البقعة الملتهبة من الأرض؟.. الخ.

كل هذه الأسئلة كانت تتصارع في ذهني، خصوصًا عندما قررت العودة من الولايات المتحدة الأمريكية إلى الأردن. في ذلك الوقت، لا زلت أذكر ما قاله لي رئيس قسم الجراحة في المستشفى الذي كنت أعمل فيه (وهو أرمني لبناني): يا أسامة، أنت واحد مجنون، كيف تصل إلى هنا (يقصد أمريكا) ثم ترجع إلى منطقة الشرق الأوسط المليئة بالصراعات والحروب؟ بالنسبة له، فقد أخبرني سابقًا أنه يشعر أن أعظم إنجازاته في الحياة كانت الحصول على الجنسية الأمريكية له ولعائلته لتأمين مستقبلهم. كانت كلماته هذه تعود إلى ذهني في كل مرة أواجه فيها تحديات العمل والحياة، وأقول في نفسي: لماذا العمل والحياة في الأردن ومنطقة الشرق الأوسط صعبة جدًا مقارنة بالولايات المتحدة والخليج؟ لماذا بالرغم من تفوقي العلمي والعملي أواجه صعوبات كثيرة في حياتي مقارنة بزملائي في أماكن اخرى خارج الشرق الأوسط ؟

أسئلة كثيرة كانت تدور في ذهني، ولم أكن أجد لها الإجابة الشافية، حتى جاء أمر الله في ذلك اليوم العظيم، السابع من أكتوبر. كان ذلك اليوم أشبه بزلزال أصابني على المستوى الشخصي، زلزال غيّر كل تصوراتي ومفاهيمي عن الحياة. ومنذ ذلك اليوم، دأبت على البحث والتأمل والقراءة حتى وصلت إلى فهمي الجديد لمادة الجغرافيا التي كانت صعبة الفهم والهضم بالنسبة لي.

بدأت الحكاية من جملة قالها الأستاذ وضاح خنفر في إحدى محاضراته بعنوان (الأقصى قلب المواجهة، رابط المحاضرة في التعليقات)، عندما عرّف الجغرافيا بأنها (صنع الله في الأرض)، وأن التاريخ هو (صنع الإنسان في هذه الجغرافيا). أذكر أنني أعدت المقطع أكثر من مرة لأستوعب هذه المقولة التي علقت في ذهني، ولكن دون أن تغيّر شيئًا في داخلي تجاه هذه المادة الصعبة. ثم مضت الأيام، وكتب الله لي بعدها زيارة غزة ثلاث مرات على مدار عام كامل، استخدمني الله خلالها في تضميد جراح أهلها المظلومين.

في المرة الأولى زرتها عن طريق معبر رفح، وكان الطريق جدًا صعبًا ومؤثرًا، تخلله بعض التأملات في الجغرافيا في رحلة الدخول والخروج. وفي المرة الثانية والثالثة كانت الرحلة ربما أسهل عن طريق جسر الملك حسين مرورًا بالقدس والأراضي المحتلة، ولكن تخللها الكثير من التأملات والتدبر في هذه الجغرافيا الغريبة العجيبة، حتى انتهى بي المطاف في حضور بودكاست للدكتور أسامة الأشقر قبل أربعة أشهر بعنوان (ماذا لو هُدم المسجد الأقصى؟ – رابط البودكاست في التعليقات). كان هذا البودكاست بمثابة الصعقة الكهربائية الأخيرة في ذهني لكي أفهم مادة الجغرافيا التي طالما أرهقتني وأتعبتني.

في هذا “البودكاست”، يقوم الدكتور أسامة الأشقر بأخذك في رحلة في أعماق التاريخ منذ خلق الله الأرض، واختيار مكان البيت الحرام في مكة المكرمة، إلى اختيار مكان المسجد الأقصى بعده بأربعين سنة، ثم يأخذك بتفاصيل رحلة الإسراء الشريف من مكة إلى المسجد الأقصى، ثم إلى السماوات حتى يبلغ سدرة المنتهى، ثم العودة من نفس الطريق. تفاصيل مدهشة وبإسقاطات غاية في الروعة، بالرغم من علمي المسبق بمعظمها، إلا أنني عندما سمعتها منه وكأنني أسمعها لأول مرة في حياتي، واستطعت أخيرًا أن أستوعب مادة الجغرافيا وامتحانها على النحو الآتي:

1- أن الذي اختار مكان البيت الحرام في الأرض هو الله عز وجل خالق السماوات والأرض وخالق الأكوان، فقد قال الله تعالى في سورة آل عمران: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)، وجعل البركة فيه مقتصرة على ما هو داخل منطقة الحرم.

2- المكان المقدس الآخر الذي اختاره الله عز وجل على وجه هذه الأرض هو المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، وجعل البركة فيه حَوْلِيَّةٌ (أي أن البركة تصيب أي مكان أو عمل أو نية أو فكر حول المسجد الأقصى)، واختاره الله انطلاقًا لمعراج رسولنا الكريم من الأرض إلى السماوات، وكأنه يقول لنا إن باب السماء في الأرض هو المسجد الأقصى.

بناءً على ما سبق، فقد اختار الله هذه الجغرافيا الممتدة من مكة إلى القدس (محور مكة/ القدس)، وفضّلها على سائر بقاع الجغرافيا الأخرى على وجه الكرة الأرضية، وجعلها مهبط الأنبياء والرسل، وساحة صراع بين الحق والباطل منذ أن خلق الله الأرض إلى قيام الساعة.

3- إن اختيار الله لك ان تكون في هذه الجغرافيا المقدسة ، هو بالحقيقة اصطفاء لك عن غيرك من البشر ، و إن من عدله أن يُمدّك بكل ما تحتاجه من صفات وعلم وقدرات لتحمل هذه الأعباء وتنجح في امتحان مادة الجغرافيا الخاصة بك، وأن صعوبة الامتحان تعتمد على مدى قربك من هذه الجغرافيا، فكلما كنت أقرب كان الامتحان أكثر صعوبة ويحتاج إلى الكثير من التضحية مقابل الأجر العظيم الذي وعدك الله به.

4- لا شك أن أصعب امتحانات الجغرافيا كانت لرسولنا الكريم وصحبه رضوان الله عليهم، فقد قدّموا أسمى صور التضحية والإيمان حتى فتحوا لنا البلاد، وأوصلوا لنا هذا الدين العظيم.

5- وكما كانت اصعب امتحانات الجغرافيا في بداية أمر هذا الدين في مكة والمدينة ، فقد اخبرنا رسول الله ان بلاد الشام ستكون هي اصعب الامتحانات في زمن الفتن والملاحم،
قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (بَيْنما أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُ عَمُودَ الْكِتَابِ احْتُمِلَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ مَذْهُوبٌ بِهِ، فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي ، فَعُمِدَ بِهِ إِلَى الشَّامِ، أَلَا وَإِنَّ الْإِيمَانَ حِينَ تَقَعُ الْفِتَنُ بِالشَّامِ).

6- أكاد أجزم أن أهلنا في غزة، وبقية من أهلنا في القدس والضفة والداخل، وبقية قليلة جدًا من أهل بلاد الشام، هم من القلة القليلة الذين استوعبوا جيدًا مادة الجغرافيا الخاصة بهم وأهميتها، وأنهم قد نجحوا في امتحاناتهم بالرغم من درجة الصعوبة العالية وحجم التضحيات الكبيرة التي قدموها.

7- إن صمودك في هذه الجغرافيا الصعبة وعدم تركك لها ابتغاء عرض من أعراض الدنيا هو أول وأهم الخطوات للنجاح في امتحان مادة الجغرافيا الخاصة بك.

بناءً عليه فقد استطعت أخيراً أن أفهم مادة الجغرافيا، وأن استوعب سبب صعوبة امتحانها في غزة وفلسطين والأردن وسوريا ولبنان ومصر، هي جغرافيا مقدسة بارك الله فيها، ووجب على كل من وُجِدَ فيها ، أن يستحضر نيّة الرّباط لينال الأجر العظيم ، وأن يستعدّ ليكون من عباد الله أولي بأس شديد ليكون ممن يدخلون المسجد كما وعد ربنا في كتابه الكريم، فقد اجتهد أعداؤنا على خنق هذه الجغرافيا وجعلها تارةً طاردة لأبنائها المخلصين، وتارةً معذبة لهم، وتارةً أخرى مغيبة لهم في ظلمات السجون، وفي المقابل أخبر رسولنا الكريم الكثير الكثير من الأحاديث عن فضل بلاد الشام وجند الشام و بيت المقدس ورباط عسقلان، ليثبّت بها فؤاد المخلصين من أبناء الأمة ليصبروا على ما يلاقونه من صعوبة وضنك في العيش في هذه الجغرافيا المقدسة.

وأنت، هل استوعبت مادة الجغرافيا الخاصة بك؟ وهل نجحت في امتحانها؟

* طبيب من غزّة يعود إلى غزّة
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى