الجولان المحتلة و”حزب الجمهورية”

خاص “المدارنت”
في ذكرى عدوان الخامس من حزيران 1967، قدم “حزب الجمهورية” في سوريا، وهو حزب (قيد التأسيس)، رؤيته لقضية الجولان السورية المحتلة، وجعلها في إطار الأسئلة التي تواجه الدولة السورية الجديدة.
ولا شك أن مبادرة الحزب في تناول هذه المسألة من خلال بيان صادر باسمه، وليس من خلال مقال لأحد مسؤوليه، يعطي هذا الطرح أهمية خاصة لأنه يأتي تعبيرا عن موقف الحزب، وآفاق رؤيته.
الحزب طرح رؤيته من خلال ثماني محاور افتتحها بالحديث عن “الجولان.. من الذاكرة إلى سؤال المستقبل”، واختتمها برؤية تؤكد خطورة أن يستبعد المجتمع من السياسة ومن السيطرة على قضاياه المصيرية، وكيف يختلف الوضع كثيرا بين أن تتجسد الوطنية في الولاء للسلطة وبين أن تكون الوطنية في خدمة الدولة، والمجتمع، والحرية، والقانون.
وبين المحور الأول والأخير حشد البيان، مجموعة من المفاهيم والقيم والأحكام تحتاج جميعها الى توقف وتدقيق، ويستطيع المتابع لمواقف هذا الحزب ان يلحظ بسهولة هذا الحشد.
ولأني من المهتمين بالحياة السياسية الجديدة في سوريا، والداعين إلى إطلاقها في أجواء من الوضوح والقانونية والحرية السياسية؛ فإنني أؤيد من دون تحفظ ولوج المجتمع السوري في مسار الحرية السياسية. وأؤيد تشجيع قوى المجتمع على تشكيل أحزابها، وحقها في أن ترعى مؤسسات المجتمع المختلفة كل من زاوية اختصاصه ومسؤوليته وتحمي هذه الحراك السياسي الحزبي، وذلك بتوفير ما يحتاجه ليكون بحق متحررا من كل الضغوط المادية والقانونية التي تعوق حركته، وقد تعمل هذه الضغوط في ظروف معينة على تشويه هذه الحراك أو تحرفه عن مساره الوطني.
وهنا أدعو كل المهتمين الى الوقوف أمام هذا البيان بالدراسة والتحليل، وبالفهم العميق، ليس لأن موضوعه “الجولان” مهم جدا للسوريين، وإنما أيضا لأن البيان برمته يصح اعتباره محددا لوجهة نظر الحزب في قضايا جوهرية تمس الأساس الذي يقوم عليه الوطن السوري برمته.
1/ إن من أهم ما طرحه البيان، وما يجب أن يكون محل اجماع وطني، يتلخص بضرورة أن تكون ممارسة السياسة الخارجية “والداخلية أيضًا بشفافية” تامة، بحيث يكون السوريون على إطلاع تام بما يرتب لوطنهم وقضاياه، فلا يجوز أن تمارس السياسة الخارجية التي تمس قضايا الوطن وسلامته واستقراره وتحالفاته بالسر، فلا يعلم الناس عنها شيئا، أو لا يعلمون عنها إلا ما يريده الحاكم. ففي ظل مثل هذه السياسة الاحتكارية تحول ملف الجولان “الى ملف تملكه السلطة وتحتكر تعريفه وحدود النقاش فيه”. وصارت المعرفة أسيرة تلك الاحتكارية.
2/ لا شك أن الجولان قضية كل السوريين، كل المجتمع السوري، بتصنيفاته وتجلياته، وبالتالي فإن الجولان بات محدد من محددات الهوية السورية، ولا شك بأن الجولان ليس مجرد قطعة أرض في خريطة سوريا، وإنما هي قبل ذللك وبعده قضية مواطنين هجروا قسرا أو بقوا تحت قهر الاحتلال.
3/ وفي خضم الحديث عن الوطنية السورية في المحور الخامس يشعر المتابع بأن هناك منطقة يلفها الضباب في تعريف سوريا، وتعريف السوريين وهويتهم، ومما يلفت الانتباه أن الحزب في طرحه وهو يتحدث عن الهوية الوطنية السورية الجامعة، لم يستطع أن يقدم تعريفا يمكن الاستناد إليه، وهنا يصبح كل حديث عن الوطنية السورية حديث يسبح في خضم ضبابية قاسية، ما هي هذه الوطنية السورية؟
في المحاور جميعها لم يتم التطرق الى الانتماء العربي، ولا العروبة، ولا الإسلام، ولا البعد التاريخي الجامع للسوريين مع جوارهم. حتى ولا كلمة عربي أو العرب.
وحين اصطدمت هذه الرؤية بالقضية الفلسطينية لم يكن ممكنا تجاوزها، وليس في استطاعة الحزب أن يتبنى موقفا قوميا منها، لذلك لجأ في بيانه إلى وضعها تحت قاعدة “تشابك المصائر، ووحدة المصالح وحقائق التاريخ والجغرافيا، فالدفاع عن المصالح السورية لا يتعارض بالتأكيد مع الانحياز الى القضايا العادلة في المنطقة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية”.
وهنا يخلص البيان من أن المشروع الوطني السوري، لا يمكن أن يقوم على القطيعة مع القضية الفلسطينية، وهو هنا يدعو الى إعادتها الى ما أسماه “فضاء السياسة بوصفها قضية حقوق إنسانية ووطنية فلسطينية بالدرجة الأولى”. أهذا هو معنى ما جاء في البيان من أن “فلسطين ليست قضية خارجية بالنسبة لسوريا”.
في ختام الفقرة السادسة يحاول البيان أن يعيد تعريف القضية الفلسطينية بشكل أكثر توازنا بالقول إنها “قضية شعب وحقوق وسيادة وحرية”، لكن أين مكانة سوريا من هذه القضية؟، هنا نسترجع ما جاء في المحور الخامس عن شعار “سوريا أولا”، وهذا شعار موبوء ومحملا تاريخيا بكل ما يجعله مدخلا للتفلت من كل التزام.
ما هي الهوية السورية الجامعة؟ وما مكانة فلسطين منها، أو فيها؟،
في كل الحديث الذي جاء به البيان لا يستطيع أحد أن يقول لنا ماهي ” الهوية السورية الجامعة”؟، ما هي محدداتها الموضوعية؟،
هل فلسطين مكون من مكونات “الهوية السورية الجامعة”ـ هل هذه الهوية محددة في إطار الدولة التي تخلقت بفعل “سايكس/ بيكو”، وحتى بفعل “سايكس ـ بيكو” فإن أجزاء من جغرافية ذلك التقسيم والتحديد بات يتبع تركيا.
هل نستطيع أن نتحدث عن “الهوية الوطنية السورية الجامعة” في إطار مفهوم بلاد الشام تاريخيا، أو مفهوم سوريا الكبرى في الطروحات المعاصرة؟
ثم قبل ذلك وبعدة، كيف تبني المجتمعات والجماعات الإنسانية هويتها التي تتيح لها أن كيانا سياسيا أو ثقافيا جامعا لها؟
هذا هو السؤال المركزي المفتقد والضائع في ثنايا هذا البيان، وهو افتقاد شديد الخطورة لأنه بالضرورة يعكس نفسه على بنية الحزب واستهدافاته، وعلى مواقفه السياسية والتحالفية.
4/ في حديث البيان عن ضرورة الموازنة بين الواقعية السياسية والتمسك بالحقوق يعرض البيان موقفا أوليا واضحا وكافيا في تقرير الموقف الوطني من قضية احتلال الجولان وقرارات الأمم المتحدة واتفاقية الفصل للعامل 1974، لكن يجعل ختام هذا الموقف حديثا “لا يعارض الاتفاقات الإبراهيمية ولكنه يربطها بتحرير الجولان”، ومثل هذا الموقف من اتفاقات بنيت على قاعدة المصلحة الإسرائيلية الأمريكية مثيرة للشبهة، وللشفقة أيضا، لأن هذا الموقف بعطي صك البراءة والنزاهة لأولئك الذين دخلوا الى فضاء تلك الاتفاقات/ وليس للأقاليم التي يحكموها احتكاك مباشر مع الكيان الإسرائيلي.
بشكل مختصر يبدو لي موقف الحزب المستخلص من هذا البيان يقدم بشأن فلسطين والكيان الصهيوني، موقفا أوليا أقل مما تضمنته اتفاقيات كامب ديفيد، بل إن مضمون تلك الاتفاقيات يصبح هدفا يسعى إليه أصحاب هذا الطرح.
في ختام وقفتنا على بيان حزب الجمهورية المشار إليه يمكن القول:
** هناك غياب كامل لمفهوم الهوية الوطنية السورية، مع كثرة تكرار المصطلح، وغياب لتحديدات هذه الهوية، ولما يتصل بذلك من التزامات على مستوى السياسات الوطنية والإقليمية، والقومية. وهنا يطرح السؤال: هل سوريا بلد عربي، هل وصفها بأنها” الجمهورية العربية السورية” وصف جاء على الحقيقة، أم أنه اعتمد تجاوزا ولأسباب خاصة أو مرحلية.
** هناك غياب كامل لمفهوم الأمن القومي العربي، وغياب كامل لمفهوم الالتزام العربي تجاه فلسطين، غياب كامل لمسؤولية سوريا الخاصة تجاه فلسطين “الشعب والأرض والقضية”، باعتبار فلسطين جزء من جغرافية بلاد الشام، أو إقليم سوريا الكبرى.
** هناك قبول بالانخراط في مسار التحالف مع “إسرائيل” والولايات المتحدة في إطار “الاتفاقات الإبراهيمية”، في نقض صريح وحاسم لرؤية المشروع الذي يمثله الكيان الصهيوني تجاه امتنا ومنطقتنا ووجودنا الحضاري التاريخي.
** أما ورد في البيان وفي غير موضع منه من ضرورة الشفافية واستعادة المجتمع للسياسة، وممارسة السياسات العامة بشفافية تتيح المتابعة والرقابة الشعبية، فهذا من إيجابيات البيان، وهو في عمومه يمكن اختصار بـ”ضرورة بناء حياة سياسية ديموقراطية تضمن أن يكون الحكم ومساراته نتاج الموقف الشعبي وتعبيرا عن مفهوم مجتمع المواطنة”. وهو ما يجب أن يجتمع عليه السوريون بكل تنويعاتهم وتجلياتهم العرقية، والدينية، والطائفية، والثقافية.



