مقالات
الحركات “الاسلاميّة” والخطأ القاتل..

خاص “المدارنت”..
نشأت أوّل حركة “اسلاميّة” منظّمة تحت عنوان “الاخوان المسلمون” في مصر عام 1928 وكان هدفها استعادة “الخلافة العثمانية”. من هذه الحركة وُلِدَت حركات كثيرة؛ امّا بالانشقاقات عن التنظيم او عن طريق التباينات التابعة لهذه الدولة او تلك.
قامت هذه الحركات، عبر ما سيقارب المئة عام على وجودها، في وجه كلّ من تسلّم مقاليد السلطة في الوطن العربيّ رافعةً شعارات تطبيق الشريعة الإسلامية، كواجهة لسعيها الدؤوب في محاربة الدولة الوطنيّة والقوميّة – بغضّ النظر عن مشروعها النهضويّ والتنموي و الوحديّ.
لم يكن لكلّ هذه الجماعات مشروعًا سياسيًّا واقتصاديًّا محددًّا، وانّما اقتصر أمرها على ترديد شعارات تطبيق الشريعة، بشكل عام، والحكم بما انزل الله.
ألحكم بالاسلام، عند العرب، هو من البديهيّات؛ باعتباره دينهم ومنهج حياتهم الذي وضعهُم على خارطة العالم جغرافيًّا وثقافيًّا وحضاريًّا. هو في يقظتهم ونومهم وفي كيفية مأكلهِم ومشربِهم وملبسِهم وسلامِهم وتفاعلهم مع أنفسِهم ومع الآخرين. الاسلام، باختصار شديد، هو نمط حياة العرب في كل صغيرة وكبيرة.
أمّا أن يُستَخدم هذا الاسلام العظيم لأخذ العرب الى الانضواء تحت سلطة أمَم أخرى فهذا لم يكن واردًا بعدما تخلّصوا من حكم الاتراك وظلمِهم وقمعِهم وطغيانِهم ووقعوا تحت حكم الفرنسيين والانكليز والايطاليّين.
قام العرب، بعد تقسيمهم في معاهدة سايكس/بيكو الى كيانات سياسيّة متعددة، بثورات وحركات تحرُّر في كلّ بقعة من بلادهم أدّت في نهاية الأمر الى تحرُّر العديد من البلاد واقامة سلطات وطنية، تحاول لملمة الأوضاع والانطلاق الى مشاريع دول ترفع شعار الوحدة العربيّة من ضمن أهدافها المعلنة.
كانت الحركة الأهمّ هي ثورة الضبّاط الأحرار في مصر، والتي تحوّلت فيما بعد الى حوافز لكل المناضلين العرب، الساعين الى وحدة أمّتهم ونهوضها ومواجهة العدوّ الصهيونيّ الذي اغتصب فلسطين بمساعدة بريطانيا واميركا ودول الغرب عموما.
اختلفت جماعة “الإخوان المسلمون” مع مشروع جمال عبد الناصر الوحدويّ، وأعلنت مواجهتها له على نفس قاعدة شعارات تطبيق الشريعة والحكم بما أنزل الله.
كان صدامها مع الثورة الناصريّة، العروبيّة الوحدويّة ذات الأبعاد الإسلامية الواضحة والمعلنة، أحد اخطائها الكبرى التي لا يمكن ان يجد عاقل مسوِّغًا موضوعيًّا لها. ذلك ما أدّى الى انشقاقها بين مؤيّد لزعامة جمال عبد الناصر، المصرية والعربيّة والإسلامية والعالميّة، وبين مُصِرٍّ على المواجهة بالاغتيالات، وإثارة الاضطرابات ومحاولات قلب نظام الحكم، والوصول الى السلطة عن طريق العنف.
انتهت الجماعة، في خلال فترة قصيرة، الى السجون او الانعزال عن الجماهير – نظرًا لشخصية جمال عبد الناصر المحبوبة من قبل الجماهير التي عشقته، وآمنت بمشروع الوحدة والعدالة الاجتماعيّة، الذي كان يجسِّدهُ قولًا وفعلا.
استمرّت الجماعة، وكلّ الفروع التي خرجت من تحت عباءتها، وغيرها العشرات من التنظيمات المسلّحة، في عدائها لجمال عبد الناصر، والمشروع القوميّ العربيّ الوحدويّ طوال حياته، التي قضاها في محاربة المشروع الصهيونيّ، وبناء قدرات مصر الاقتصاديّة والعلمية والأمنيّة، الى ان توفّاه الله وهو يحارب الأعداء، في 28 أيلول 1970.
لم تنسَ كلّ هذه الجماعات حربها مع الرجل، في حياته، فاستمرّت بعد مماته، بعشرات التنظيمات التكفيريّة كتنظيم التكفير والهجرة وطالبان وداعش والنصرة، وغيرها العشرات من التنظيمات المسلحة، المشبوهة التمويل والتسليح والمرجعيّات، حتّى يومنا هذا.
ما زاد في الطين بلّة، هو ظهور عشرات التنظيمات المذهبيّة الشيعيّة، التي تطرح مشروع ولاية الفقيه، الموازي لمشروع الخلافة عن التنظيمات السنّية، و تدين بولائها لايران؛ في الوقت الذي تحوّلت التنظيمات المتطرِّفة السُنِّية بولائها الى تركيا، ممّا جعل الاسلام يظهر وكانّه اداة في أيدي الجيران، للنهش في جسم العرب وارضهم و ثرواتهم.
يبقى ان نقول بأنّ الخطأ القاتل، لكلّ الجماعات التي تزعم حمل “المشروع الاسلاميّ” هو خلطها بين الدين كفضاء اخلاقيّ وانسانيّ وقِيَمِيّ لكل الشعوب، وفي كلّ الأزمان، وبين الكيانات السياسيّة المتنوّعة والمتعدِّدة لهذه الشعوب.
لكي يكون لهذه الجماعات موقع، على ساحة العمل السياسيّ الحقيقيّ، عليها إعادة القراءة في الفكر السياسيّ للاسلام، وتبنّي المشروع القوميّ العربيّ القائم على الدين بشكل واضح وعصريّ وهادف، والتخلّي عن فكرة الخلافة، التي ليست من الاسلام في شيء، ثمّ تتنافس مع القوى الاخرى في خندق الأمّة ذاته.
عند ذلك، تستقيم الامور ويكون الجميع منتمين الى شعبهم وأمّتهم، من دون اتهام بعضهم البعض بالتبعيّة لأجنبيّ تحت غطاء الدين او أيّ غطاء آخر.



