الرئيس الأسبق منصف المرزوقي يروي صراعه مع “البشاريين” في تونس!

“المدارنت”..
كشف الرئيس التونسي الأسبق محمد منصف المرزوقي (1945 – ) أن خسارته للرئاسة في انتخابات الرئاسة عام 2014 أمام منافسه اليميني الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي حدث بسبب اصطفاف القوى القومية واليسارية في جبهة واحدة ضده ، وتصويتها لصالح السبسي، بدل أن تدعمه وتصوت له، إنما حدث لسبب وحيد هو موقفه المعادي لنظام بشار الأسد الإجرامي، وتأييده القوي لثورة الشعب السوري، واتخاذه سلسلة مواقف وإجراءات تترجم هذا الموقف بوجهيه الإثنين، ولولا ذلك – حسب قوله – كان مؤهلا للفوز بدورة رئاسية ثانية، لأن الفارق في الأصوات بينه وبين منافسه السياسي البورقيبي مئات الأصوات فقط.
هذا السياسي المخضرم الذي اختارته مجلة التايم عام 2012 واحدا من أهم مائة شخصية مؤثرة في العالم، واختارته فورين بوليسي أحد أهم مائة مفكر عالمي لعامي 2012 – 2013 تحدث في جلسة خاصة مع عدد قليل من المعارضين السوريين التقوه قبل أيام قليلة عبر وسائل الاتصال الفضائي عن عمق معاناته المستمرة بسبب تواصل الحملة القاسية عليه حتى اليوم، ومعاقبته من قوى وأحزاب القوميين واليساريين المؤيدين لنظام الأسد، حتى بعد ما استفحلت وتعددت جرائمه الوحشية، وبلغت درجة خيالية يصعب تصورها من أي شخص عاقل.
وأطلق المفكر والطبيب والمناضل الحقوقي التونسي العريق الذي كان رئيس الرابطة التونسية لحقو الانسان، ثم أصبح أول رئيس لتونس بعد ثورة 2011 على هذه الأحزاب والقوى اليسارية والقومية اسم (البشاريين الأسديين). وقال إنهم جماعات متناقضة مع ذاتها خائنة لوعيها، فهي معادية للاستبداد في تونس، وشاركت في الثورة على نظام زين العابدين بن علي، وتعلم جيدا أن بشار الأسد مستبد ومتسلط ومتوحش، ولكنها تعتقد أنه يجب التسامح معه باعتباره ”مقاوما ” ضد اسرائيل والولايات المتحدة! ولا تقبل الثورة عليه، وتتهم من يتمرد عليه بالعمالة والخيانة، وكذلك من يدعم الثورة السورية ضده بنفس الإتهامات. وهذا ما أطلقوه عليه، بلا سبب آخر سوى وقوفه مع الشعب السوري في نضاله ضد الأسد وطلبا للحرية والديموقراطية.
وقال: يرى هؤلاء القومجية أن هناك مستبدين يجب أن تثور الشعوب عليهم، كابن علي، ومعمر، ومبارك، ومستبدين لا يجب الاقتراب منهم أبدا كبشار الأسد!
وهؤلاء يرفضون حتى مناقشتهم في موقفهم المستفز، ولذلك يزورون دمشق سنويا ويلتقون بشار ويمنحونه دعمهم اللا مشروط، ورغم أن موالاة بشار لاسرائيل افتضحت، وممانعته سقطت، بعد أن ضحى باستقلال وسيادة بلاده للدول الأجنبية، مقابل حمايته من السقوط، وهو ما لم يفعله أي دكتاتور عربي آخر.
وذكر الرئيس التونسي أن الموقف العدائي ضده بدأ منذ أن استضاف في العاصمة التونسية أول مؤتمر دولي لنصرة الشعب السوري في 24 فبراير 2012 ، وحضره ممثلون عن 70 دولة عربية وغربية وأفريقية وشرقية. و(كنت أدفع باتجاه الاتفاق على خطة للتدخل الدولي الفعال في سورية لحماية الشعب من حمام الدم الذي أخذ الأسد بتنفيذه ضد الحراك الشعبي المدني والمعارضين عموما. إذ اعتبر القوميون البشاريون ما قمت به انحرافا عن مبادىء وقيم الشعب التونسي القومية، وقرروا معاقبتي بكل الطرق، وهذا ما حصل عبر سيل من الدعاية المعادية لي، وصلت ذروتها في انتخابات 2014، حين صوتوا لصالح السبسي، ممثل تحالف اليمين والنظام القديم.. ويعلم الله كم قاسيت من حملاتهم وتلفيقاتهم ردا على مواقفي من الأسد).
وعن موقفه المناهض لنظام الاسد ذكر المرزوقي (بدأ نضالي ضده بعد مجزرة حماة عام 1982 ، ومن يومها أصدر نظام حافظ الأسد قرارا بمنعي من دخول سوريا. ولكني واصلت نضالي ضده عبر منظمات حقوق الانسان، وعبر تعاونه مع معارضين سوريين بارزين، كعبد العزيز الخير (المعتقل منذ 2012 ويرجح أنه قتل) وبرهان غليون وهيثم المناع). ووصف الثورة السورية بأنها (لم تكن من أجل اسقاط نظام الأسد الإجرامي فقط، إذ أن صمودها جعل منها ثورة من أجل حرية 400 مليون عربي، ولذلك أرادت الأنظمة المعادية لها دعم الأسد وتحويل سورية فزاعة وحالة مرعبة لتخويف شعوبهم من التمرد عليها، ولكنهم لم ينجحوا بل صمدت واستمرت).
ولم يستبعد الدكتور المرزوقي أن يسقط الأسد وأن يحاكم أمام محكمة دولية على جرائمه التي اقترفها، وتساءل (من كان يتوقع قبل سنتين أن يسقط عمر البشير ويحال الى القضاء، وأن يحاكم قريبا في محكمة الجنايات الدولية..؟) وأضاف (إن الزمن يتغير ، ولم يبق للطغاة حماية من الشرعية الدولية . وهذا التحول يعني أن التاريخ قد أصدر حكمه على هذا النمط من الحكام، وقد يتأخر تنفيذ هذا الحكم ، ولكنه قادم لا محالة).
وقال إنه (أول رئيس عربي اتخذ قرار قطع العلاقات مع النظام السوري في بداية 2012، وما زال القرار ساريا رغم محاولات الذين تولوا الرئاسة بعدي بإعادة العلاقات، ولكن المجلس النيابي ما زال يرفض إعادتها).
وكشف الرئيس الاسبق إنه (اصدرت أوامري للشرطة وأجهزة الدولة بفتح الأبواب أمام اللاجئين السوريين، ومعاملتهم بنفس الطريقة الأخوية الكريمة التي يعامل بها الليبيون في تونس. إلا أن الرئيس السبسي أصدر منذ الأيام الأولى لعهده توجيهات صارمة بمنع دخول السوريين بدون تأشيرة، وعندما علمت بذلك طلبت موعدا لمناقشته في القرار، إلا أنه رفض تحديد موعد لاستقبالي)!
وأكد أنه حذر أصدقاءه السوريين منذ وقت مبكر من عسكرة الثورة. وكشف (لقد اتخذت اجراءات حازمة لمنع سفر الشباب التونسي الى سورية للقتال، واتصلت مع الرئيس التركي (عبد الله غل) وطالبته بمنع دخول التوانسة الى سوريا، واعطت هذه الاجراءات بعض النتائج، قبل أن يختلف الأمر في الاعوام التالية). وقال إنه رغم ذلك اتهمه خصومه البشاريون الأسديون بأنه حرض التوانسة على القتال في سوريا، وأنهم لم يفوتوا فرصة، أو تهمة لتشويهه إلا واستغلوها.
وكشف المرزوقي أن دولا وأنظمة وحكاما عديدين من العرب اتهموه بتحريض الشعوب عليهم، ورفضوا التعامل معهم، ولكنه قال (أنا لا أحسب لهم حسابا، وأنا أنام ملء عيني مطمئنا في بيتي في تونس، بينما ينامون في قصورهم والرعب يتملكهم، ويمنعهم من النوم الهادىء، بسبب ما يقترفونه من جرائم، وهم يعلمون أن شعوبهم تكرههم، ومهددون بالثورة في أي لحظة كما جرى في الاعوام الماضية).
وقال (إن النظام العربي القديم لم يعد يصلح، ولا بد أن يتغير بالسلم أو بالقوة مهما طال الزمن، لأن شعوبنا لم تعد تقبل أن تحكم بالطرق البالية السابقة، ولا بد من تغيير يحقق ثلاثة مطالب:
الأول الانتقال الى حكم القانون والمؤسسات بدل الحكم الفردي المطلق.
والثاني الانتقال الى مجتمع تسوده قيم المواطنة والمساواة والعدالة بدل مجتمع الرعايا والعبودية.
والثالث الانتقال الى بناء فضاء عربي موحد لدول تحكمها شعوب حرة).
أما بالنسبة للحالة الراهنة في سوريا فطالب المرزوقي بمواصلة الكفاح (لأن سوريا فقدت استقلالها تحت ثلاثة احتلالات، روسية وايرانية واسرائيلية)، ورأى أن مأساة سوريا كبيرة ومؤلمة بسبب تخاذل العالم الديمقراطي عن التدخل وترك الشعب السوري يذبح ويستباح بأيدي جيوش وقوى أجنبية. ولكنه قال: (لا أشك أبدا بأنه سينتصر، ويستعيد دولته واستقلاله ويحقق مطالبه العادلة). ولذلك طالب السوريين ألا يجلدوا ذاتهم كثيرا لأن (ما تعرضتم له من ظلم وعدوان وتواطؤ دولي أكبر من قدرة أي شعب، ومن أي ثورة سلمية على المقاومة، إلا أن الثورة التي لم ولن تتوقف أبدا، وهذا هو معنى صمودها واستمرارها حتى الآن).
وجدد المرزوقي وصف الثورة السورية بالملحمة البطولية رغم مأساويتها وتراجيديتها.



