السلاح.. وأزمة الثقة!

“المدارنت”
حين دخل صدام حسين الكويت، ظنّ أنه يدخل أرضًا فقط.. كان يدخل، من حيث لا يدري نفقًا طويلًا من انعدام الثقة.
راهَن يومها على هتاف الجماهير، وعلى هدير الشارع، وعلى أولئك الذين يصفّقون لكل من يرفع صوته عاليًا، حتى لو قاد شعبه إلى الهاوية. ظنّ أن الهتاف يبني شرعية، وأن الحشود الغاضبة تصلح موازين القوة.
ونسي أن بين الناس من لا يصرخ.. بل يفكر. من لا يصفّق.. بل يزن الأمور بعقل.
ونسي قبل ذلك كلّه أن الجار إذا خاف منك مرة، لن ينام مطمئنًا إلى جوارك، ولو بعد مئة عام.
خرج من الكويت.. توقفت الحرب.. لكن الحرب الحقيقية كانت قد بدأت في القلوب. فما عاد أحد يثق بذلك النظام، وما عاد أحد يطمئن إلى رجل قد يرفع يده على جاره، ثم يطلب منه أن ينام بلا خوف.
بقي صدام في الحكم عقدًا بعد ذلك، يرفع شارات النصر، ويخطب في الناس عن الصمود، فيما ظل العراقي يقضي ليله على العتمة.. يقتات من وجعه، ويشيّع أبناءه إلى المقابر بصمتٍ مقهور.
فكم من حاكمٍ بقي واقفًا بعد سقوطه، وكم من نظامٍ انتهى قبل السقوط. اليوم تمضي إيران في الطريق نفسه.. تلوّح بالقوة.. تبعثر النار في الجهات.. وتظن أن من يرهب الناس يكسب احترامهم. وتتجاهل أن الرهبة ليست احترامًا.. وأن الخوف ليس ثقة.
الخطأ ذاته يرتكبه حملة السلاح في لبنان، أولئك الذين يظنون أن البندقية إذا علت، انحنت لها الرؤوس تقديرًا.
إلا أن الناس قد ينحنون خوفًا.. لكنهم لا يمكن أن يحبوا خوفًا، ولا أن يثقوا خوفًا.
فالثقة ليست أن تُبعد بندقيتك عن صدري حين تشاء..
الثقة أن أعرف أنك ما حملتها إلا لتحميني، وألا تلوّح بها فوق رأسي كلما اختلفنا. الثقة أن أشعر أن القويّ بيننا أكثرنا عدلًا، لا أكثرنا تهديدًا. وأن يكون السلاح في يد الحكيم منا، لا في يد الغضوب الانفعالي.
أن يكون صاحب القوة آخر من يبطش، لا أول من يتوعّد. لهذا لا يكفي أن تمتلك الدول سلاحًا حتى تبني أوطانًا.. فالناس لا يطمئنون إلى من لا يستطيع قتلهم..
بل إلى من يستطيع قتلهم، لكنه يختار ألّا يفعل. إن أكبر ما تخسره الأمم ليس الحروب.. بل الثقة. فإذا خسرها الحاكم، صارت كل انتصاراته هزائم مؤجلة.
وإذا خسرها المسلّح، صار سلاحه عبئًا عليه، وإن تراءى له مجدًا.



