السودان.. الحدود والانفصال وخطاب الكراهية!
“المدرانت”
في الشهر الماضي، وبالتزامن مع ما يعرف في السودان باسم «أحداث توريت 1955» حدثت مساجلات لم تخل من عنف لفظي بين مناقشين من دولتي السودان وجنوب السودان.
سبب الاختلاف هو أن كلاً من الفريقين كان ينظر إلى هذه الأحداث وفق منظور مختلف، فبينما يراها السودانيون حدثاً مشيناً يتجاوز مجرد تمرد وحدة عسكرية إلى ارتكاب مجزرة عنصرية، لا يمكن تبريرها، ينظر إليها بالمقابل الجنوبيون على أساس أن ما حدث كان علامة على وعي مبكر، وأنه شكل الخطوة الأولى للنضال ضد النخبة الشمالية الحاكمة في الخرطوم، التي كانت تتفاوض على إعلان الاستقلال وشكل الدولة بمعزل عن المواطنين الجنوبيين. «النضال»، الذي بدأ في توريت، سوف تكون محصلته الحصول على حق تقرير المصير، ومن ثم إعلان الاستقلال وولادة دولة الجنوب في 2011.
في السياسة السودانية يستشهد بأحداث توريت للقول، إن مسألة جنوب السودان لم تتسبب فيها الحكومات السابقة ولم تبدأ، كما يقول البعض، نتيجة لتهميش دولة ما بعد الاستعمار للجنوبيين، ناهيك من أن يكون السبب فيها هذه الحكومة أو تلك. أحداث توريت تذكرنا بأن جذور الأمر تعود لما سبق إعلان الاستقلال بكثير، حيث تكشف تفاصيل الحادثة، التي يشار بها إلى تمرد «الفرقة الاستوائية»، وما ارتكبته من أعمال قتل على الهوية لم تفرق فيها بين المدنيين والعسكريين، عن حالة كامنة من الغضب لم تكن توريت سوى تمظهر لانفجارها.
هناك كثير مما يمكن أن يقال عن هذه الأحداث، لكن اللافت هنا هو المفارقة، التي تجعل من حدث دامٍ في منطقة مصدر فخر في منطقة أخرى في الرقعة الجغرافية ذاتها. هذه المفارقة لم يكن من الممكن فهمها في ظل الدولة الوطنية، أو القومية الواحدة، التي سبقت 2011، لكنها أضحت أكثر وضوحاً في فترة لاحقة، حينما اشتعل الحديث عن الحق في الانفصال. ثمة أسباب كثيرة تدفع للتركيز على هذا الحدث الإشكالي، ولنفهم ذلك فإنه يجب استحضار الحقيقة التي تقول، إن من أوائل مطالب الانفصال تكوين هوية مغايرة، ووضع رواية مناقضة للرواية الوحدوية السائدة.
هذه الرواية الجديدة مطلوب منها أن تعزز الغرض من الاستقلال، من خلال استنهاض البعد القومي والبناء على المظلومية العرقية، وعلى استحالة العيش المشترك مع «الآخرين». هذا يجعلنا نستوعب لماذا مجّدت النخبة الجنوبية المنضوية تحت مسمى «الحركة الشعبية لتحرير السودان»، التي كانت تقود لعقود معارك التمرد السياسية والعسكرية ضد الخرطوم، أحداث توريت لدرجة أنها جعلت منها حدثاً مركزياً يحتفل به كل عام تحت مسمى «يوم قدامى المحاربين».
قدر الرواية الانفصالية أن تكون معبأة بالكراهية، فمن أجل إقناع النخبة الجنوبية بأن الوحدة خيار سيئ كان يجب أن يظهر منفذو مجزرة توريت لا على أساس أنهم مجرمون غادرون، لكن على أنهم مناضلون وأبطال قاموا بما في وسعهم لمحاربة المستعمرين المحليين، أي الشماليين، الذين يخططون لإقصائهم وتهميشهم. العرب الشماليون في هذه الرواية هم عنصريون وأشرار ومتكبرون وتجار رقيق، وهي صفات كانت، وما تزال، مقنعة لملايين الجنوبيين، الذين يستعينون بها لتبرير اتجاههم للانفصال ولتعزيز الهوية الوطنية، كهوية نضال ضد مجموعات عرقية أرادت أن تتعامل مع شعبهم بطريقة أقرب للفصل العنصري.
هذا أمر مؤلم لكنه مفهوم، وإلا فكيف يمكن تبرير اللجوء إلى الانفصال إذا كان هناك حديث عن انسجام وتكامل وعلاقة ود بين الشعبين؟ في سبيل تغذية الكراهية سوف لن تتردد النخبة السياسية في اللجوء للتزوير والتلفيق مع القفز على حقائق واضحة على رأسها اختيار غالبية الفارين من الحرب من عامة الجنوبيين التوجه للشمال، الذي يخوض نظرياً حرباً عليهم. حقيقة أن الجنوبيين كانوا يفضلون النزوح الداخلي لا اللجوء لدول الجوار كانت تتعارض مع الفرضية، التي بني عليها كل شيء، والتي كانت تحكي عن وجود حرب على الهوية واستهداف بسبب العرق أو اللون.
قصة جون قرنق نفسه، القائد التاريخي للتمرد الجنوبي، كانت تتعارض مع السردية الانفصالية، فقد كان هو أيضاً جزءاً من نادي النخبة المثقفة، أي أنه مثال حي على أنه لم يكن هناك ما يمنع أي شخص من الترقي الاجتماعي، أو الحصول على منصب أو على أعلى الشهادات العلمية والمنح الدراسية بحكم التساوي في المواطنة. الفيصل في كل ذلك لم يكن محض الانتماء الجغرافي ولا التمييز العرقي، وإنما الاجتهاد والجدية في المنافسة، بل يخبرنا الواقع أنه في كثير من الأحيان يحصل العكس عبر تقديم كثير من المحفزات والتمييز الإيجابي، الذي يهدف لتشجيع القادمين من خلفيات يسيطر عليها الإحساس بالظلم والتهميش.
صوت خطاب الكراهية كان عالياً.. صحيح أنه كانت هناك أصوات مقابلة داعمة للوحدة مع الشمالييين، وغالبها كانت لأشخاص عاشوا ودرسوا في الشمال، الذي كونوا معه وشائج وارتباطات، إلا أن الصوت الكاره لم يكن ليعطي هؤلاء فرصة، بل كان كثيراً ما يحشرهم في زاوية محاولة الدفاع عن أنفسهم في مواجهة تهمة التبعية و»العبودية» للشماليين. هذا الاتهام المساوي للاتهام بالعمالة والخيانة كان يجعل صاحبه مجبراً على ترديد عبارات الكراهية والدفاع عن مواقف قد لا يكون مقتنعاً بها بالضرورة، حتى لا يتحمل الكلفة العالية للسير عكس حركة التيار.
ما بين خياري الوحدة الصعب والانفصال الحزين ظهرت مجموعة كانت تؤمن بأن الفدرالية أو الكونفدرالية، أي الاتحاد، الذي يوفر نوعاً من الاستقلال للكيانات المنضوية تحته، قد يشكل حلاً مرضياً. بدأ هؤلاء التنظير لنموذج أقرب لنظام الولايات المتحدة الأمريكية، الذي تحظى فيه الولايات باستقلال تشريعي، أو أقرب لنموذج الاتحاد الأوروبي، الذي تنضوي تحته دول مستقلة، لكنها متوافقة في الرأي حول السياسات العامة والأمن والدفاع والسياسة الخارجية. بدأت تجربة ذلك بالفعل قبيل الانفصال بعد أن أعطت المشاورات واتفاقية السلام الجنوب حق حكم إقليمه بشكل مستقل، مع المشاركة في حكم بقية الأقاليم السودانية، ما كان يتيح له أن ينفذ في إطار الولايات الجنوبية كل ما يريد من سياسات وتشريعات، وإن كانت متناقضة مع ما هو قائم في الخرطوم.
ما أفشل ذلك المسار، هو تفشي خطاب الكراهية وتنامي النزعة نحو الاستقلال الكامل. الجنوبيون رأوا أن لا شيء يعادل امتلاك دولة مستقلة، فيما كان كثير من الشماليين يرى أن تنفيذ نموذج الوحدة على الطريقة الأمريكية أو حتى الأوروبية غير ممكن، لأن الواقع مختلف، ولأنه في تلك الكيانات لا يريد أي أحد أن يقصي الآخر، أو أن ينتهز الفرصة للقضاء عليه، كما يحدث في القصة السودانية.
قصة «خلق الهوية» هذه لا ينفرد بها السودان، بل يمكن أن نجد عشرات الأمثلة، التي تكاد تتشابه في تفاصيلها مع المثال السوداني، كنموذج الانقسامات في القارة الهندية، وكنموذج فوضى الحدود في المنطقة المسماة بـ»الشرق الأوسط»، والتي تجعل بعض القوميين العرب يتنكرون للتاريخ المشترك بين الشعوب، وينظرون للعلاقة مع الأتراك مثلاً على أساس أنها مجرد علاقة مع مستعمر سابق. مثال آخر لافت هو العلاقة بين روسيا وأوكرانيا، اللتين اشتركتا في هوية متداخلة لقرون، لكن التي يراد لأبنائهما اليوم أن يقتنعوا بأنه لا يوجد ما يربط موسكو بكييف.



