مقالات

السودان والجزائر …

خاص “المدارنت” / د. عبد الناصر سكرية

تتجلى عظمة الانتفاضات الشعبية في السودان والجزائر، في انها انتفاضات عفوية فجّرتها ظروف القهر والفساد والاستبداد التي فرضها النظام الحاكم… الحركة الشعبية العفوية تخطت الاحزاب والقوى السياسية التي لا تشارك في السلطة، بل وتعترض عليها… في حين ان منطق الامور والحياة السياسية يقتضي ان تكون تلك القوى والاحزاب، هي التي تحرك الشعب وتقود حركته لتحقيق اهدافه.

هذا يدل على حجم المأساة التي يعيشها ابناء الشعب، وعلى حجم الانهيار في الجسم السياسي للنظام أولاً، ثم للاحزاب والقوى السياسية… المسؤول المباشر هو مصادرة الانظمة الحاكمة للحياة السياسية، مما جعل الاحزاب عاجزة عن النمو والتقدم… وهذه الميزة التي مكّنت الانتفاضة الشعبية من تحقيق انتصارات اولية على النظام الحاكم؛ واعني كونها عفوية؛ هي نفسها سوف تكون احد اسباب فشلها في استثمار تحركاتها لتحقيق اهداف وطنية.

إن القوى المحلية التي تشكل النظام الحاكم، ليست ألا امتدادا لقوى النظام العالمي الرأسمالي الاحتكاري المتوحش.. وهي التي تحميه وتدير لعبته من وراء ستار لضمان مصالحها الحيوية والاستراتيجية في هذين البلدين العربيين، الغنيين بالبترول والثروات المعدنية والطبيعية الهائلة… وبالتالي، فأنها لن تسمح بسقوط النظام القائم وقيام نظام وطني يهدد مصالحها؛ إلا إذا إرغمت على ذلك إرغاما ملحاً.

فهي لا شك تملك بدائل كثيرة ليست كلها عسكرية.. إن التركيز على سلطات انتقالية مدنية ليس نهاية المطاف، وليس ضمانا كافيا للانتصار الشعبي.

ان حجم  نفوذ اجهزة النظام وامتداد مصالحه، كذلك عمق وامتداد النفوذ الاجنبي وتشعب مصالحه؛ فضلا عن خبراتهما المتراكمة في كسر الحركات الشعبية وقهرها؛ تجعل من السهل عليهما معا؛ النظام المحلي والنظام الدولي الذي يحميه؛ الالتفاف على التحرك الشعبي وتفتيته، وحرفه عن مساره، او توظيفه واستثماره لصالحهما معا فيما اذا لم يتمكنا من كسره وتهديمه على رؤوس اصحابه.

لا يعني هذا حتمية انتصار النظام المحلي مدعوما بالنفوذ الاجنبي، لكنه يعني بالتأكيد صعوبة المواجهة وامكانية تعثرها، إذا لم تتوفر عوامل انتصارها.

أن عفوية التحرك مكّنته من الانتصار في بدايته.. وهي التي ستمنعه من تحقيق اهدافه اذا استمرت حتى نهايته.

ما لم تتوفر قيادة سياسية موحدة للحركة الشعبية، مسلحة برؤية وطنية وبرنامج وطني للتغيير، واضح الاهداف، محدد القسمات، مبرمج المراحل، مع الاحتفاظ بحالة تأهب ويقظة وإصرار. ومقدرة على النزول الى الشارع في أي وقت؛ فان القوى المعادية للحركة الشعبية ،ستكون قادرة على توظيف التحرك لمصلحتها، واكثر من هذا، ستكون قادرة على خداع الجماهير الشعبية واستيعاب نقمتها واعادة تدويرها لمصلحتها هي وليس لمصلحة التغيير الوطني.. ولها من الرؤوس والأجنحة والامتدادات المدنية، ثقافية واجتماعية وسياسية، فضلا عن اعلام تسويقي احترافي مرموق؛ ما يمكنها من خداع الجماهير مرات ومرات.. سيما في ظل غياب قيادات ورموز جامعة للحركة الشعبية، كما وغياب أي قاعدة ذات شان ونفوذ، تدعم الحركة الشعبية وتحميها من هجمات القوى المعادية المفترسة.

أن المعركة ضد انظمة القهر المحلية، هي في ذاتها معركة ضد النفوذ الاجنبي ونظام العولمة الرأسمالية الفاسد… الله غالب.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى