مقالات

السيادة العراقية بحسب المليشيات الولائية!

“المدارنت”
أعلنت وزارة الدفاع الأميركية، في 30 الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول) أن الولايات المتحدة وشركاءها اختتموا رسمياً عملية “العزم الصلب” في العراق، بعد انسحاب القوات من قاعدة أربيل الجوية، حيث غادرت قوات التحالف الدولي وليس القوات الأميركية فقط الأراضي العراقية، وفقاً للتاريخ الذي تم الاتفاق عليه مع الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني عام 2024، فقد انسحبت قوات عدة دول، منها ألمانيا وفرنسا وتركيا، في العراق، بطريقة سلسة ومن دون حماية تذكر على عكس الانسحاب الأميركي الذي جرت جدولته وفق تقرير بيكر هاملتون عقب الخسارات العسكرية الفادحة وفضائح الجيش الأميركي في الفلوجة وسجن أبو غريب عام 2011 لتجبر القوات الأميركية الغازية بالخروج من العراق بحماية إيرانية استمرت عاماً باتجاه الكويت بحسب الجيش الأميركي؟

الطريف والسوريالية في المشهد العراقي، خصوصاً مشهد المليشيات الولائية، أن هذه المجاميع التي تشكلت في غالبيتها بفتوى “المرجع الإيراني” في النجف علي السيستاني مؤقتاً، ومن ثم حرفها ووظفها وعسكرها قائد الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، بأموال عراقية لتصبح نواة لبضعة مليشيات تدافع عن إيران والمصالح الإيرانية، وليس عن العراق وتستبدل من دون أي مشكلة وببساطة عجيبة مرجعيتها الدينية في النجف بالمرجعية الإيرانية للولي الفقيه الإيراني خامنئي، رغم الاختلاف الفقهي، طريف هذه المليشيات أنها جمعت بضعة مئات من العراقيين للقيام “بهوسات من الهرج والمرج”، وإطلاق هتافات ضد الحكومة وهي ترفع الأعلام الإيرانية!. تلا هذا صدور بيان من شخص مجهول سمّى نفسه أبو العساف، قال إنه الممثل الأعلى للشعب العراقي ولمطالبه، يهدّد ويتوعد فيه الحكومة العراقية، ويحقّر رئيس الوزراء علي الزيدي (يسميه كاشير الخروقات)، بإسقاطهما إذا لم يذعنوا لما يريده من سيطرة على الدولة؟!. وقد نشر المدعو أبو آلاء الولائي الأمين العام لمليشيات كتائب سيد الشهداء المقرّب من نوري المالكي، والذي غمز له الأخير بالحفاظ على السلاح في اجتماع قريب، تغريدة يهنئ فيها الشعب العراقي بيوم السيادة ويشكر المقاومين في جميع الفصائل الذين جاهدوا وضحوا في مواجهة الاحتلال الأميركي للعراق منذ عام 2003؟ حتى خروجه، ليكتمل هذا المشهد ببيان عن اجتماع الرئاسات يعلنون فيه اكتمال السيادة العراقية بخروج قوات التحالف؟ ويشيرون في هذه المناسبة إلى أن وجود السلاح خارج إطار الدولة لا يخضع لمكان ولا لتاريخ لحصره؟ لكن الوقائع على الأرض في العراق منذ الغزو إلى عام 2014 تكذب ترهات المليشيات وترهات الأحزاب الإطارية الطائفية الولائية، فمن استدعى قوات التحالف هو نوري المالكي، حينما كان رئيساً للوزراء خوفاً من سقوط العملية السياسية الأميركية بيد العراقيين الذين قاوموا الاحتلال والغزو، ومن خطف في وقتها الجنرال جون أبو زيد قائد القوات الأميركية في العراق والجنرال ديفيد بتروويس منفذ عمليات اختراق الحاضنة الشعبية للمقاومة، ومن حاول قتل الحاكم المدني بول بريمر الذي هرب عائداً إلى بلاده على إثرها، بينما كان “البنتاغون” يموّل المليشيات التي أتوا بها من الخارج وما بعدها إلى وقت قريب جداً، مثل منظمة بدر والمليشيات التي أسسها قاسم سليماني بعد فتوى السيستاني التي شاركت بشكل رمزي مع قوات التحالف عام 2017 في عملية تدمير وليس تحرير الموصل التي خُطط لأن تكون عملية القضاء على المقاومة العراقية الوطنية بمختلف تشكيلاتها وعلى الجيش الوطني السابق في الموصل ومدن المناطق الغربية التي أُبيدت مناطق كاملة منها ومنعت الحكومات سحب جثث القتلى لهذا اليوم، بينما امتلأت مدن مثل الفلوجة وسامراء والأنبار بمقابر قتلى الشباب والرجال الأبرياء من مدنيي هذه المناطق وما تزال مختلف السجون العراقية وأشهرها سجن الناصرية يعدم شهرياً بضعة مئات من السجناء الإداريين الأبرياء بعلم من المنظمات الدولية كما تفعل دولة الكيان الصهيوني بالشعب الفلسطيني. لقد جاء التحالف إلى العراق فقط لحماية عمليته السياسية الطائفية ولحماية المليشيات الولائية حراس المنطقة الخضراء وذراعها العسكري التي أسمنها الدعم الأمريكي وساهم في تغولها وتمددها ضد الشعب العراقي وتدمير الدولة العراقية بالتنسيق مع الحرس الإيراني ورئيسه المغتال قاسم سليماني.

عن أي سيادة تتكلم المليشيات ومن ورائها تردد أحزاب الإطار التنسيقي من دون اهتمام بكوارث العراق، والفيدرالي الأميركي هو من يحتفظ بريع مليارات البترودولار العراقي، ويرسل رواتب موظفي الدولة شهرياً لمنع إفلاس الخزانة العراقية؟ أي حادث يقع مع الإدارة الأميركية يوقف تسليم الدولار وهذا ما هدد به الرئيس ترامب قبل أيام. لكن ماذا فعلت حكومات العملية السياسية منذ تسلمها الحكم لإنقاذ البلد من المأزق المالي الذي يعيشه، هل بادر أي رئيس وزراء في أي حكومة منذ أكثر من عقدين إلى تفعيل خطة مالية أو اقتصادية لمعالجة الوضع المالي وأوضاع الخزانة العراقية وديون الدولة أم أن ما حصل هو العكس، حيث أُغرق العراق عمداً بالفساد، بدءاً من الرؤوس الكبيرة المحمية وشراء الذمم للعمل من “أجل إيران أولاً” باعتراف أصحاب العملية السياسية أنفسهم ؟ بل الأدهى هو أن كل حكومة ورئيس وزراء لا يتجرأ على المفاوضة بهذا الشأن لكنه يستقتل لإرضاء الولي الفقيه في طهران بتسخير كل ثروات العراق من عقود الطاقة الفلكية في الكهرباء وتصدير النفط الإيراني بأوراق عراقية وتحويل أمواله بكل الطرق من ضمنها التزوير وسرقة الدينار العراقي وتهريب الدولار إلى البنوك الإيرانية، بينما تغتال الأصوات العراقية التي ترتفع لتطالب بالخدمات الأساسية للشعب العراقي والفكاك عن التبعية لإيران كما حدث مع متظاهري ثورة تشرين الذين هتفوا: “إيران برّة برّة بغداد تبقى حرّة” عام 2019.

أين السيادة وأحزاب العملية السياسية لا تتمكن حتى من رد الإهانة التي تلقتها قبل أيام من وزير الخارجية السابق ورئيس مجلس الامن القومي علي ولايتي للإطار التنسيقي عندما وصفهم “بالإطار الفارغ”، هل هناك سيادة بعد كل هذه الإهانات التي يتلقاها الإطار الحاكم من أهم شخصية إيرانية في النظام؟ ماذا تسمي المليشيات هذه الإهانة والتدخل الصارخ من مسؤول حكومي إيراني رفيع لكل أحزاب العملية السياسية؟ هل هي تدخل في سيادة العراق؟ أم أن السيادة هي فقط مغادرة قوات دول التحالف؟ وقبل هذه الإهانة حضر محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني بنفسه إلى بغداد ليعطي أوامره بشأن مشكلة حصر السلاح، ويبعد رئيس الوزراء علي الزيدي عن مهامه ويعطي تعليماته لـ”الإطار التنسيقي” لهذه المرحلة لينقلب الجميع على تعهداته لرئيس الوزراء بحصر السلاح، من دون الكلام عن إسماعيل قاآني قائد الحرس الثوري الذي يدخل ويخرج من العراق، ويعطي أوامر تتناقض مع أوامر رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، ويفرض اتباعها وتنفيذها على المليشيات؟ ليس هذا فحسب، بل لم تتحرّك هذه المليشيات عندما منعت الولايات المتحدة ترشيح المالكي لولاية ثالثة، ولا اعتبرت تدخل توم برّاك في فرض شروط على الحكومة العراقية الجديدة ومنع دخول عناصر مليشياوية في تشكيلها، بل صمتت وكل أحزاب العملية السياسية وشخصياتها؟

منذ غزو العراق، أفتى المرجع الإيراني علي السيستاني بأن القوات الأميركية صديقة، وتصرّفت الحكومات المتتالية وفقاً لهذه الفتوى في علاقاتها بالاحتلال الأميركي، ولم تنقطع علاقات التواصل الحكومية والمليشياوية مع السفارة الأميركية، ولا مع السفراء حتى إن هذه المليشيات المسنودة بالسلاح الإيراني المتطور كما تدّعي قد غضت الطرف عن الوجود الإسرائيلي، وعن قاعدته في صحراء النجف، وهي على بعد كيلومترات في منطقة النخيب قرب الحدود السعودية لمراقبة المملكة لصالح إيران؟ أول من ينتقص من سيادة العراق اليوم هم من يهتفون للسيادة المتخيلة بأعلام إيرانية مناقضين وفاضحين كلامهم بأن خروج التحالف بالنسبة لهم نصر إيراني، وليس اكتمالاً لسيادة العراق التي تظل منقوصة بوجود كل من يعمل من أجل إيران أولاً وليس من أجل العراق؟

د. ولاء سعيد السامرائي/ “العربي الجديد”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى