مقالات
السياسة الخارجية الجديدة لروسيا.. ومواجهة بوتين للـ”النيتو” مجرد بداية.. الجزء “2″
“المدارنت”..
تصحيح الأخطاء
قبل أن أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، اسمحوا لي أن أقول إنني أقدر كثيرًا الدبلوماسية الروسية؛ فلقد كانت أكثر من رائعة في السنوات الخمس والعشرين الماضية. كانت يد موسكو ما زالت ضعيفة، لكنها مع ذلك تمكنت من لعب مباراة رائعة. أولًا، لم تسمح للغرب “بإنهاء” الوضعية الرسمية لروسيا بوصفها دولة عظمى، واحتفظت بالعضوية الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وكذلك بترساناتها النووية، ثم حسّنت تدريجيًا مكانتها العالمية من خلال الاستفادة من نقاط ضعف منافسيها، وقوة شركائها. لقد كان بناء صداقة قوية مع الصين إنجازًا كبيرًا. كما أن روسيا تتمتع ببعض المزايا الجيوسياسية التي لم تكن لدى الاتحاد السوڤيتي.
مع ذلك، يجب ألا ننسى الأخطاء التي ارتكبناها حتى لا نكررها. لقد أدى كسلنا وضعفنا وجمودنا البيروقراطي في المساعدة، إلى خلق وإبقاء النظام الجائر وغير المستقر للأمن الأوروبي الذي نعيش فيه اليوم.
تضمن ميثاق باريس لأوروبا الجديدة المَصوغ صياغةً جميلة، الذي تم التوقيع عليه عام 1990، بندًا عن حرية تكوين التجمعات- يمكن للبلدان أن تختار حلفاءها، وهو أمر كان من الممكن أن يكون مستحيلًا بموجب إعلان هلسنكي عام 1975؛ نظرًا إلى أن حلف وارسو كان قائمًا في تلك المرحلة؛ لذا فإن هذا البند يعني أن الناتو سيكون حرًا في التوسع. هذه هي الوثيقة التي لا يزال الجميع يشير إليها حتى في روسيا. ومع ذلك، بالعودة إلى عام 1990 على الأقل، كان الناتو يُعد منظمة “دفاعية”، ولكن بعد ذلك شن معظم أعضائه عددًا من الحملات العسكرية العدوانية ضد ما تبقى من يوغوسلاڤيا، وكذلك في العراق وليبيا.
بعد محادثة من “القلب إلى القلب” مع ليخ ڤاليسا عام 1993، وقع بوريس يلتسين وثيقة تنص على أن روسيا “تتفهم خطة بولندا للانضمام إلى الناتو”. عندما علم أندريه كوزيريڤ، وزير خارجية روسيا آنذاك، بخطط توسع الناتو عام 1994، بدأ بعملية مساومة نيابةً عن روسيا، ودون استشارة الرئيس، وهو ما اعتبره الجانب الآخر علامة على أن روسيا موافقة على المفهوم العام، لأنها كانت تحاول التفاوض على شروط مقبولة. في عام 1995، ضغطت موسكو على “الفرامل”، لكن الأوان كان قد فات- انهار السد، وأزيلت أي تحفظات بشأن جهود التوسيع التي سعى إليها الغرب.
عام 1997، وقعت روسيا، التي كانت ضعيفة اقتصاديًا، وتعتمد كليًا على الغرب، على القانون التأسيسي للعلاقات المتبادلة والتعاون والأمن مع الناتو. كانت موسكو قادرة على إجبار الغرب على تقديم تنازلات معينة، مثل التعهد بعدم نشر وحدات عسكرية كبيرة في الدول التي نالت العضوية حديثًا، وهو التزام كثيرًا ما انتهكه الناتو.
اتفاقية أخرى تم توقيعها للحفاظ على هذه الأراضي خالية من الأسلحة النووية. كانت الولايات المتحدة تريد أن تنأى بنفسها عن أي صراع نووي محتمل في أوروبا قدر الإمكان (على الرغم من رغبات حلفائها)؛ لأنه سيسبب- بلا شك- ضربة نووية ضد أمريكا. في الواقع، أضفت الوثيقة الشرعية على توسع الناتو.
كانت هناك أخطاء أخرى، ليست كبيرة؛ ولكنها مؤلمة جدًا. شاركت روسيا في برنامج الشراكة من أجل السلام (PfP)، الذي كان الهدف الوحيد منه هو جعل الناتو يبدو وكأنه مستعد للاستماع إلى موسكو، لكن الحلف في الواقع كان يستخدم المشروع لتبرير وجوده، وزيادة توسعه المستمر. خطأ آخر مُحبط، ألا وهو مشاركتنا في “مجلس الناتو وروسيا” بعد عدوان يوغوسلاڤيا، حيث كانت الموضوعات التي نُوقشت على هذا المستوى من “المجالس المشتركة” تفتقر بشدة إلى المضمون. كان ينبغي أن تركز على القضية المهمة حقًا، وهي تقييد توسع الحلف، وتعزيز بنيته التحتية العسكرية بالقرب من الحدود الروسية. مع الأسف، لم يصل هذا النقاش إلى جدول الأعمال، واستمر المجلس في العمل حتى بعد أن بدأت غالبية أعضاء الناتو الحرب في العراق، ثم ليبيا عام 2011.
من المؤسف جدًا أننا لم نمتلك الجرأة قط لقول ذلك علانية- لقد أصبح الناتو معتديًا بشكل متزايد، حيث ارتكب كثيرًا من جرائم الحرب. قد تكون هذه حقيقة مفهومة لدى كثير من الدوائر السياسية في أوروبا، مثل فنلندا والسويد على سبيل المثال، عندما يفكرون في مزايا الانضمام إلى الحلف في ظل شعاره المعلن بأنه “تحالف دفاع”، ورادع يحتاج إلى مزيد من التعزيز حتى يتمكن من الوقوف في وجه أعداء وهميين. أستطيع أن فهم دوافع أولئك الشركاء الصغار في الغرب، الذين اعتادوا ذلك النظام الذي يسمح للأمريكيين بشراء طاعتهم، ليس فقط عبر الدعم العسكري؛ ولكن أيضًا من خلال توفيرهم بعض النفقات الأمنية من خلال بيع جزء من سيادتهم.. لكن ما الذي نستفيده نحن من هذا النظام؟ خاصةً بعد أن أصبح واضحًا أنه يسعى إلى تصعيد المواجهة على حدودنا الغربية، وفي العالم كله.
كما أن هذا الحلف “الناتو” أصبح يشكل تهديدًا لأعضائه أيضًا؛ ففي حين أنه يدفع نحو المواجهة، فإنه فعليًا لا يضمن الحماية. ليس صحيحًا أن المادة (الخامسة) من معاهدة حلف شمال الأطلسي تستدعي الدفاع الجماعي إذا تعرض أحد الحلفاء للهجوم. لا تذكر هذه المادة أن هذا الأمر مضمون تلقائيًا. إنني على دراية بتاريخ الحلف والمناقشات في أمريكا بشأن إنشائه. كما أعرف حقيقة أن الولايات المتحدة لن تنشر أبدًا أسلحة نووية “لحماية” حلفائها إذا كان هناك صراع مع دولة نووية أخرى. كذلك فإن منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) قد عفا عليها الزمن، وبات يسيطر عليها الناتو والاتحاد الأوروبي اللذان يستخدمان المنظمة لإطالة أمد المواجهة، وفرض القيم والمعايير السياسية للغرب على الجميع. لحسن الحظ، أصبحت هذه السياسة أقل فاعلية. في منتصف عام 2010، أتيحت لي الفرصة للعمل مع فريق من الشخصيات البارزة، تابع لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا (يا له من اسم جذاب!)، كان من المفترض أن يطور تفويضًا جديدًا لمهام عمل المنظمة. مع أنه كانت لديّ شكوك بشأن فاعلية منظمة الأمن والتعاون في أوروبا قبل ذلك، فإن هذه التجربة أقنعتني بأنها مؤسسة مدمرة إلى أبعد الحدود. إنها منظمة قديمة، مهمتها الحفاظ على الأشياء التي عفا عليها الزمن. في التسعينيات كانت أشبه بأداة لدفن أي محاولة قامت بها روسيا، أو غيرها من الدول، لإنشاء نظام أمني أوروبي مشترك. أما في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فقد أعاقت ما يسمى بعملية كورفو (Corfu)، وهي مبادرة الأمن الروسية الجديدة.
عمليًا، تم إخراج جميع مؤسسات الأمم المتحدة من القارة، بما في ذلك لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأوروبا، ومجلس حقوق الإنسان، ومجلس الأمن. ذات مرة، كان يُنظر إلى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا على أنها منظمة مفيدة، من شأنها تعزيز نظام الأمم المتحدة ومبادئها، وهذا ما لم يحدث. أما بالنسبة إلى حلف الناتو، فمن الواضح جدًا ما يجب أن نفعله. نحن بحاجة إلى تقويض الشرعية الأخلاقية والسياسية لهذا الحلف، ورفض أي شراكة مؤسسية معه؛ لأنها تأتي بنتائج عكسية واضحة.
يجب على الجيش فقط الاستمرار في التواصل، ولكن كقناة مساعدة، من شأنها أن تكمل الحوار مع وزارة الدفاع، ووزارات الدفاع في الدول الأوروبية الرائدة. بعد كل شيء، ليست بروكسل هي التي تتخذ قرارات مهمة من الناحية الإستراتيجية. يمكن اعتماد السياسة نفسها عندما يتعلق الأمر بمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا. نعم، هناك فرق بالتأكيد، لأنه مع أن هذه المنظمة مدمرة وعديمة الفائدة، فإنها لم تبدأ أي حروب، أو زعزعة استقرار، أو قتل؛ لذلك نحن بحاجة إلى الحفاظ على مشاركتنا عبر هذا الشكل إلى الحد الأدنى. يقول البعض إن هذا هو السياق الوحيد الذي يمنح وزير الخارجية الروسي فرصة لرؤية نظرائه الأوروبيين. ليس هذا صحيحًا؛ يمكن للأمم المتحدة أن تقدم سياقًا أفضل. تعد المحادثات الثنائية أكثر فاعلية على أي حال؛ لأنه من السهل على أي تحالف أو تكتل أن يفسد جدول الأعمال عندما تكون هناك عدة أطراف. سيكون إرسال مراقبين وقوات حفظ سلام عبر الأمم المتحدة أكثر منطقية.
لا يسمح لي موضوع المقال ومحدوديته بالتفكير في السياسات المحددة التي ينبغي لنا انتهاجها تجاه كل منظمة أوروبية، مثل “مجلس أوروبا”، لكنني سأحدد المبدأ العام بهذه الطريقة: “نشارك حيث نرى فوائد لأنفسنا، ونحافظ على مسافة بيننا”.
أثبتت ثلاثون عامًا في ظل النظام الحالي للمؤسسات الأوروبية أن الاستمرار فيها سيكون ضارًا، ولا تستفيد روسيا منه بأي شكل من الأشكال، خاصةً في ظل نزعة أوروبا نحو تصعيد المواجهة، أو حتى تشكيل تهديد عسكري لشبه القارة، والعالم بأسره. في الماضي، كان بإمكاننا أن نحلم بأن تساعدنا أوروبا على تعزيز الأمن، فضلًا عن التحديث السياسي والاقتصادي. بدلاً من ذلك، هم يقوضون الأمن، فلماذا إذن ننسخ النظام السياسي الغربي المختل وظيفيًا والمتدهور؟ وهل نحتاج حقًا إلى هذه القيم الجديدة التي اعتمدوها؟ يتعين علينا الحد من التوسع؛ من خلال رفض التعاون في إطار نظام متآكل. نأمل، من خلال اتخاذ موقف حازم كهذا، وترك جيراننا “المتحضرين” من الغرب إلى أنظمتهم الخاصة، أن نكون بذلك قد ساعدناهم بالفعل.
قد تعودت النخب الأوروبية ممارسة سياسة انتحارية أقل أمانًا للجميع. بالطبع، يجب أن نكون أذكياء من خلال إخراج أنفسنا من هذه المعادلة، مع التأكد من تقليل الأضرار الجانبية التي سيحدثها هذا النظام الفاشل حتمًا. مع مراعاة أن الحفاظ عليه في شكله الحالي هو- ببساطة- “أمر خطير”.
المصدر: “مركز الدراسات العربية الأوراسية”.




