مقالات

السياسة الخارجية الجديدة لروسيا.. ومواجهة بوتين للـ”النيتو” مجرد بداية.. الجزء “4″ والأخير

 الكاتب سيرغي كاراغانوڤ برفقة بوتين
“المدارنت”..
أسئلة للمستقبل
… والآن دعونا نناقش جانبًا مهمًا، ولكن غالبًا ما يتم تجاهله من السياسة الجديدة، غير أنه يحتاج إلى معالجة. نحن بحاجة إلى رفض إصلاح الأساس الأيديولوجي المتقادم، الذي غالبًا ما يكون ضارًا لعلومنا الاجتماعية، والحياة العامة. ولكي يتم تنفيذ هذه السياسة الجديدة، فضلًا عن النجاح،
فإن هذا لا يعني أن علينا أن نرفض- مرة أخرى- التطورات في العلوم السياسية، والاقتصاد، والشؤون الخارجية لأسلافنا. حاول البلاشفة التخلص من الأفكار الاجتماعية لروسيا القيصرية، والجميع يعرف كيف حدث ذلك.
لقد رفضنا الماركسية، ولكن ما زال لدى ماركس وإنجلز ولينين أفكار سليمة في نظريتهم عن الإمبريالية التي يمكننا استخدامها. العلوم الاجتماعية التي تدرس طرق الحياة العامة والخاصة يجب أن تأخذ الحُسبان السياق الوطني، وأن يكون لديها منهج شامل ينبع من التاريخ الوطني، ويهدف- في النهاية- إلى مساعدة الأمة، وحكومتها، ونخبها. إن التطبيق الطائش للحلول الصالحة في بلد ما، في بلد آخر، أمر لا طائل من ورائه، ولا يؤدي إلا إلى الفظائع.
نحتاج أن نبدأ العمل نحو الاستقلال الفكري بعد أن نحقق الأمن العسكري، والسيادة السياسية والاقتصادية. في العالم الجديد، من الضروري تحقيق التنمية، وممارسة التأثير. كان ميخائيل ريميزوڤ (Mikhail Remizov)، وهو عالم سياسي روسي بارز، أول من أطلق- حسب علمي- مصطلح “إنهاء الاستعمار الفكري”. بعد أن أمضينا عقودًا في ظل الماركسية المستوردة، بدأنا بالانتقال إلى أيديولوجيا أجنبية أخرى، مثل الديمقراطية الليبرالية في الاقتصاد والعلوم السياسية، وإلى حد معين حتى في السياسة الخارجية، والدفاع. لم ينفعنا هذا السحر “الجديد”، فقد خسرنا الأرض، والتكنولوجيا، والمجتمع. في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأنا بممارسة سيادتنا، لكن كان علينا الاعتماد على غرائزنا بدلًا من المبادئ العلمية والأيديولوجية الواضحة (مرة أخرى، لا يمكن أن نتوقع- في ظل هذه الظروف- شيئًا آخر).
لتوضيح هذه النقطة، إليك بعض الأسئلة المختارة عشوائيًا من قائمتي الطويلة جدًا:
سأبدأ بقضايا وجودية فلسفية بحتة:
ما الذي يأتي أولاً ويؤثر في الإنسان؟ الروح أم المادة؟ وبمعنى سياسي أكثر دنيوية: ما الدافع الرئيسي للناس والدول في العالم الحديث؟ بالنسبة إلى عامة الماركسيين والليبراليين، الجواب هو الاقتصاد. فقط تذكر أنه حتى وقت قريب، كان يُعتقد أن عبارة “إنه الاقتصاد يا غبي”، الشهيرة لبيل كلينتون، كانت بديهية، لكن الناس يبحثون عن شيء أكبر عندما تُشبَع الحاجة الأساسية للطعام، حبهم لأسرهم ووطنهم، ورغبتهم في الكرامة الوطنية، والحريات الشخصية، والسلطة، والشهرة. لقد عرفنا التسلسل الهرمي للاحتياجات منذ أن قدمه ماسلو، في أربعينيات القرن الماضي وخمسينياته، في هرمه الشهير، غير أن الرأسمالية الحديثة أفسدته، وتم التسويق لثقافة الاستهلاك باستمرار، وبشكل متزايد، عبر الوسائط التقليدية في البداية، والشبكات الرقمية الشاملة لاحقًا الأثرياء والفقراء، كل حسب قدرته.
ماذا يمكننا أن نفعل عندما تحرض الرأسمالية الحديثة، المجردة من الأسس الأخلاقية أو الدينية، على الاستهلاك غير المحدود، وتكسر الحدود الأخلاقية والجغرافية، وتتعارض مع الطبيعة، وتهدد وجود جنسنا البشري ذاته؟
نحن الروس، نفهم أفضل من أي شخص آخر، أن التخلص من رواد الأعمال والرأسماليين الذين تحركهم الرغبة في بناء الثروة، ستكون له عواقب وخيمة على الناس، وبيئة المجتمع (لم يكن نموذج الاقتصاد الاشتراكي صديقًا للبيئة تمامًا).
ماذا نفعل بالقيم “الحديثة” التي تدعو إلى رفض تاريخك، ووطنك، وجنسك، ومعتقداتك، بالإضافة إلى الدعاية العدوانية لما يسمى مجتمع الميم (LGBT)، والحركات النسوية المتطرفة؟ أنا أحترم حق كل فرد في اتباع ما يريد، لكنني أعتقد أنهم ما بعد إنسانيين. هل يجب أن نتعامل مع هذا على أنه مجرد مرحلة أخرى من التطور الاجتماعي؟ لا أعتقد ذلك. هل يجب أن نحاول درء خطره، والحد من انتشاره، أم الانتظار حتى يعيش المجتمع داخل هذا الوباء الأخلاقي؟ أم يجب علينا محاربة تلك القيم “الحديثة” بنشاط، وقيادة غالبية البشرية التي تتمسك بما يسمى بالقيم “المحافظة”، أو ببساطة، القيم الإنسانية العادية؟ هل يجب أن ندخل في القتال لتصعيد المواجهة الخطيرة بالفعل مع النخب الغربية؟
ساعد التطور التكنولوجي وزيادة إنتاجية العمل على إطعام غالبية الناس، لكن العالم نفسه انزلق إلى الفوضى، وفقد كثيرًا من المبادئ التوجيهية على المستوى العالمي. ربما تسود المخاوف الأمنية على الاقتصاد مرة أخرى. قد تأخذ الأدوات العسكرية والإرادة السياسية زمام المبادرة من الآن فصاعدًا.
ما الردع العسكري في العالم الحديث؟ هل يتمثل التهديد في إلحاق الضرر بالأصول الوطنية والفردية، أو الأصول الأجنبية، والبنية التحتية للمعلومات التي ترتبط بها النخب الغربية اليوم ارتباطًا وثيقًا؟ ماذا سيحدث للعالم الغربي إذا انهارت هذه البنية التحتية؟
سؤال آخر ذو صلة: ما التكافؤ الإستراتيجي الذي ما زلنا نتحدث عنه اليوم؟ هل هو نوع من الهراء الفكري المستورد من الخارج الذي اختاره القادة السوڤيت الذين أدخلوا شعبهم في سباق تسلح مرهق بسبب عقدة النقص لديهم، النابعة من متلازمة 22 يونيو (حزيران) 1941؟
يبدو أننا نجيب بالفعل عن هذا السؤال، مع أننا ما زلنا نطلق الخطب عن المساواة والمقاييس المتكافئة- ما الحد من التسلح الذي يعتقد الكثيرون أنه مفيد؟ هل هو محاولة لكبح سباق التسلح المكلف الذي يعود بالنفع على الاقتصاد الأكثر ثراءً للحد من أخطار الأعمال العدائية، أو شيء آخر، مثل أداة لإضفاء الشرعية على سباق الأسلحة وتطويرها، وعملية الإنفاق غير الضرورية على خصمك؟ لا توجد إجابة واضحة عن ذلك.
لكن دعونا نَعُد إلى الأسئلة الأكثر وجودية:
هل الديمقراطية حقًا هي قمة التطور السياسي؟ أم مجرد أداة أخرى تساعد النخب على السيطرة على المجتمع، إذا لم نتحدث عن ديمقراطية أرسطو النقية (التي لها أيضًا قيود معينة)؟
هناك كثير من الأدوات التي تأتي وتذهب مع تغير المجتمع والظروف. في بعض الأحيان نتخلى عنها فقط لاستعادتها عندما يحين الوقت، ويكون هناك طلب خارجي وداخلي عليها. أنا لا أدعو إلى سلطوية لا حدود لها أو ملكية. أعتقد أننا قد بالغنا بالفعل في المركزية، خاصةً على مستوى الحكومة المحلية. لكن إذا كانت هذه مجرد أداة، ألا يجب أن نتوقف عن التظاهر بأننا نسعى جاهدين من أجل الديمقراطية ونضعها في نصابها الصحيح؟ نريد الحريات الشخصية، ومجتمعًا مزدهرًا، وأمنًا، وكرامة وطنية؟ لكن كيف نبرر للناس استخدام القوة إذن؟
هل الدولة مقدر حقًا لها أن تموت كما اعتاد الماركسيون ودعاة العولمة الليبراليون الاعتقاد، أو كما كانوا يحلمون بتحالفات بين الشركات غير الوطنية والمنظمات غير الحكومية الدولية (كلتاهما كانت تمر بالتأميم والخصخصة)، والهيئات السياسية فوق الوطنية؟ سنرى إلى متى يمكن للاتحاد الأوروبي البقاء في شكله الحالي. هل نسعى إلى إزالة الحواجز الجمركية الباهظة الثمن، أو تقديم سياسات بيئية مشتركة، أم سيكون من الأفضل التركيز على تطوير دولتك، ودعم جيرانك، مع تجاهل المشكلات العالمية التي يخلقها الآخرون؟
ما دور الأراضي والمناطق؟ هل هي أصول متضائلة، فقط مجرد عبء كما اعتقد علماء السياسة مؤخرًا؟ أم أعظم ثروة وطنية، خاصة في مواجهة الأزمة البيئية، والتغير المناخي، وتزايد عجز المياه والغذاء في بعض المناطق، وغيابها التام في مناطق أخرى؟
ماذا يجب أن نفعل بعد ذلك بمئات الملايين من الباكستانيين والهنود والعرب، وغيرهم ممن قد تصبح أراضيهم غير صالحة للسكن قريبًا؟ هل يجب أن ندعوهم الآن كما بدأت الولايات المتحدة وأوروبا في الستينيات بجذب المهاجرين لخفض تكلفة العمالة المحلية، وتقويض النقابات العمالية؟ أم يجب أن نستعد للدفاع عن أراضينا من الغرباء؟ في هذه الحالة، يجب أن نتخلى عن كل أمل في تطوير الديمقراطية، كما تظهر تجربة إسرائيل مع سكانها العرب.
هل سيساعد تطوير “الروبوتات” على تعويض نقص القوى العاملة، وجعل تلك المناطق قابلة للعيش مرة أخرى؟ ما دور السكان الأصليين الروس في بلدنا، مع الأخذ في الحُسبان أن عددهم سيتقلص حتمًا؟ بالنظر إلى أن الروس كانوا تاريخيًا شعبًا منفتحًا، فقد تكون الآفاق متفائلة، لكن الأمر غير واضح حتى الآن.
يمكنني المضي قدمًا، خاصةً عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد. يجب طرح هذه الأسئلة، ومن الضروري العثور على إجابات في أقرب وقت ممكن؛ من أجل النمو والظهور في المقدمة. تحتاج روسيا إلى اقتصاد سياسي جديد، خالٍ من العقائد الماركسية والليبرالية، ولكنه يملك أيضًا شيئًا أكثر من البراغماتية الحالية التي تستند إليها سياستنا الخارجية. يجب أن تتضمن المثالية الموجهة إلى الأمام أيديولوجيا روسية جديدة تدمج معها تاريخنا وتقاليدنا الفلسفية. هذا يعكس الأفكار التي طرحها الأكاديمي باڤل تسيغانكوڤ (Pavel Tsygankov).
أعتقد أن هذا هو الهدف النهائي لجميع أبحاثنا في الشؤون الخارجية، والعلوم السياسية، والاقتصاد، والفلسفة. هذه المهمة كبيرة، وأكثر من كونها صعبة. لا يمكننا الاستمرار في المساهمة في مجتمعنا وبلدنا إلا من خلال كسر أنماط تفكيرنا القديمة. ولكن في الختام، بملاحظة متفائلة، إليك فكرة فكاهية: “ألم يحن الوقت للاعتراف بأن موضوع دراستنا- الشؤون الخارجية، والسياسات الداخلية، والاقتصاد- هو نتيجة عملية إبداعية يشارك فيها الجماهير والقادة على حدٍ سواء؟ أم إنه- بطريقةٍ ما- فن، إلى حد كبير، يتحدى التفسير، وينبع من الحدس والموهبة؟ ولذا فنحن مثل خبراء الفن: “نتحدث عنه، ونحدد الاتجاهات، ونعلم الفنانين، وهم في حالتنا الجماهير والقادة– التاريخ، وهو أمر مفيد لهم. غالبًا ما نغرق في الجانب النظري، ونخرج بأفكار منفصلة عن الواقع، أو نشوهها من خلال التركيز على أجزاء منفصلة، ولكننا أحيانًا نصنع التاريخ: “فكر في يفغيني بريماكوف، أو هنري كيسنجر”.
لكنني أزعم أنهم لم يهتموا بمقاربات تاريخ الفن الذي يمثلونه. لقد استندوا إلى معرفتهم، وخبرتهم الشخصية، ومبادئهم الأخلاقية، وحدسهم. تعجبني فكرة كوننا نوعًا من الخبراء في الفن، وأعتقد أنه يمكن أن يجعل تلك المهمة الشاقة لمراجعة بعض العقائد الراسخة أسهل قليلًا.[1]
المصدر: “مركز الدراسات العربية الأوراسية”
====================
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى