مقالات
السياسة الخارجية الجديدة لروسيا.. ومواجهة بوتين للـ”النيتو” مجرد بداية.. الجزء “1”..

“المدارنت”..
من التدمير البنّاء إلى إعادة التجميع
يبدو أن روسيا دخلت حقًا نحو حقبة جديدة من سياستها الخارجية، يمكن تسميتها بنهج “التدمير البنّاء” لنموذج العلاقات السابق مع الغرب– شوهدت بوضوح أجزاء من طريقة التفكير الجديدة هذه على مدار الخمسة عشر عامًا الماضية، وذلك منذ خطاب ڤلاديمير پوتين الشهير في مؤتمر ميونيخ عام 2007 – لكنَّ كثيرًا من نمط التفكير هذا قد أصبح واضحًا الآن بالتزامن مع تلك الجهود الباهتة للاندماج في النظام الغربي، مع الاحتفاظ بالموقف الدفاعي الصلب عن مصالحنا، وهو ما مثل الاتجاه العام في الخطاب والسياسة الروسية.
عملية التدمير البناء الحالية ليست عدوانية؛ حيث تؤكد روسيا أنها لن تهاجم أو توجه ضرباتها إلى أي جهة: “هذه العملية ببساطة لا تحتاج إلى ذلك”. توفر الظروف الخارجية الحالية في العالم مزيدًا من الفرص الجيوسياسية لروسيا لتنمية مصالحها على المدى المتوسط، مع وجود استثناء واحد، وهو توسع حلف الناتو عبر إدماج أوكرانيا فيه، بشكل رسمي أو غير رسمي، مع ما يمثله ذلك من خطر كبير على أمن البلاد، وهو ما لن تقبله موسكو ببساطة.
في الوقت الحالي، يمضي الغرب في طريقه نحو الانهيار، وإن كان بشكل بطيء، ولكنه حتمي، سواء من حيث الشؤون الداخلية والخارجية، أو حتى الاقتصاد. وهذا الوضع تحديدًا هو سبب اندلاع هذه الحرب الباردة الجديدة بعد ما يقرب من (500) عام من الهيمنة العالمية للغرب على السياسة، والاقتصاد، والثقافة، وهو ما توّج بشكل خاص في التسعينيات، بعد انتصاره الحاسم الذي استمر حتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
ما أعتقده أن الغرب على الأرجح سيخسر هذه المعركة، وسيتنحى جانبًا عن مركز القيادة العالمي ليصبح شريكًا، وهو الشكل الأكثر منطقية. وفي لحظة ليست بالمبكرة: “ستحتاج روسيا إلى موازنة العلاقات مع الصين الصديقة، ولكنها الأكثر قوة أيضًا على نحوٍ متزايد”.
في الوقت الحاضر، يحاول الغرب يائسًا الدفاع عن هذه الهيمنة عبر خطابه العدواني الحالي الذي يهدف إلى توحيد معسكره، واللعب بما تبقى لديه من أوراق رابحة لعكس هذا الاتجاه. إحدى هذه الأوراق محاولة استخدام أوكرانيا لإلحاق الضرر بروسيا وتحييدها. من المهم في هذا الشأن منع هذه المحاولات المتشنجة الحالية للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي من أن تتحول إلى مواجهة شاملة؛ لأن ذلك قد يأتي بنتائج عكسية وخطيرة، على الرغم من عدم إدراك الغرب نسبيًا لخطورة هذا النهج. لا يزال يتعين علينا إقناع الغربيين بأنهم فقط يضرون أنفسهم.
الورقة الرابحة الأخرى هي الدور المهيمن للغرب في نظام الأمن الأوروبي- الأطلسي الحالي الذي تأسس في وقت كانت فيه روسيا ضعيفة بشكل حاد في أعقاب الحرب الباردة. هناك ميزة تكمن في هدم هذا النظام تدريجيًا، ويعود ذلك- في المقام الأول- إلى رفض المشاركة فيه واللعب وفقًا لقواعده التي باتت بالية، وغير مواتية بطبيعتها لنا. بالنسبة إلى روسيا، يجب أن يصبح المسار الغربي ثانويًا بالنسبة إلى دبلوماسيتها الأوراسية- قد يؤدي الحفاظ على العلاقات البناءة مع الدول الواقعة في الجزء الغربي من القارة الأوروبية إلى تسهيل اندماج روسيا في منطقة أوراسيا الكبرى، ولكن النظام القديم يحول دون ذلك؛ ولذا لا بد من تفكيكه. سيكون من الرائع لو كان لدينا مزيد من الوقت للقيام بذلك، لكن التاريخ يُظهر أنه منذ انهيار الاتحاد السوڤيتي قبل 30 عامًا، فقط قلة من دول ما بعد الاتحاد السوڤيتي هي مَن تمكنت أن تصبح حقًا مستقلة. وبعضها قد لا يصل إلى هذه المرحلة، ولذلك أسباب مختلفة، وهو موضوع جدير بالبحث والتحليل، في ظروفٍ أخرى.
في الوقت الحالي، لا يمكنني إلا أن أشير إلى ما هو واضح بالفعل: “معظم النخب المحلية للبلدان المستقلة عن الاتحاد السوڤيتي لا تملك الخبرة التاريخية أو الثقافية لبناء الدولة”. لقد أثبتوا أنهم غير قادرين على أن يشكلوا نواة أمة، ولم يكن لديهم الوقت الكافي لذلك. عندما اختفى الفضاء الفكري والثقافي السوڤيتي المشترك، كانت الدول الصغيرة هي الأكثر تضررًا؛ حيث تبين لها أن الفرص الجديدة لبناء العلاقات مع الغرب ليست بديلًا. كما أن أولئك الذين وجدوا أنفسهم على رأس هذه الدول كانوا يبيعون بلادهم لمصلحتهم الشخصية؛ وذلك لعدم وجود فكرة وطنية يمكن لأحد أن يقاتل من أجلها. وليس أمام هذه الدول إلا أن تحذو حذو دول البلطيق، وذلك من خلال قبول السيطرة الخارجية، أو أن تتجه نحو الفوضى والخروج عن نطاق السيطرة، وهو الأمر الذي قد يكون في بعض الحالات خطيرًا جدًا.
دعونا الآن نترك النقاش عن “التوحيد” الذي يفرضه علينا التاريخ إلى يوم آخر. ولنتحدث هذه المرة عن الحاجة الموضوعية إلى اتخاذ قرار صارم نحو اعتماد سياسة “التدمير البناء”، والتركيز عليها.
المحطات التي مررنا بها
اليوم نشهد بداية العصر الرابع لسياسة روسيا الخارجية: “بدأ العصر الأول في أواخر الثمانينيات، وكان يمثل وقت الضعف والأوهام”. لقد فقدت الأمة آنذاك إرادة القتال، وأراد الناس تصديق دعاية الديمقراطية، وأن الغرب سيأتي وينقذهم. انتهى كل هذا في عام 1999 بعد الموجات الأولى من توسع الناتو، وهو ما اعتبره الروس طعنةً في الظهر، وبخاصةٍ عندما مزق الغرب ما تبقى من يوغوسلاڤيا.
بعد ذلك، بدأت روسيا بالوقوف على ركبتيها، وإعادة بناء نفسها خلسةً وبشكل سري، في الوقت الذي بدت فيه- في الظاهر- ودودة ومتواضعة. إلا أن انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة الصواريخ المضادة للباليستية (ABM) أشار إلى نيتها استعادة هيمنتها الإستراتيجية؛ لذلك اتخذت روسيا- التي كانت لا تزال مُنكسرة- قرارًا مصيريًا لتطوير أنظمة تسليح قادرة على تحدي التطلعات الأمريكية.
إن خطاب مؤتمر ميونيخ، والحرب الجورجية، وإطلاق عملية إصلاح الجيش التي أجريت وسط أزمة اقتصادية عالمية، أدت إلى نهاية الإمبريالية الليبرالية العالمية الغربية (المصطلح الذي صاغه الخبير البارز في الشؤون الدولية، ريتشارد ساكوا Richard Sakwa). بعد ذلك ظهر هدف جديد لروسيا في مجال السياسة الخارجية؛ وهو أن تصبح- مرة أخرى- قوة عالمية رائدة يمكنها الدفاع عن سيادتها ومصالحها. تبعت ذلك أحداث شبه جزيرة القرم وسوريا، وتبني سياسة الحشود، ومنع الغرب من التدخل في الشؤون الداخلية لروسيا، واستبعاد من دخلوا في شراكة مع الغرب على حساب وطنهم من الخدمة العامة، بما في ذلك من خلال الاستخدام البارع لرد الفعل الغربي على تلك التطورات. مع استمرار التوترات في التصاعد، أصبح التقييم العام للاحتفاظ بالعلاقات مع الغرب ينظر إليه على أنه أقل ربحًا بشكلٍ متزايد، وتزامن ذلك مع الصعود المذهل للصين، وتحول علاقتنا مع بكين نحو التحالف الفعلي بدءًا من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وبناء محور يتجه نحو الشرق، وما رافقه من أزمة متعددة الأبعاد أحاطت بالغرب، وقد أدى هذا كله إلى تحول كبير في التوازن السياسي والجغرافي الاقتصادي لصالح روسيا. وقد بات هذا الأمر واضحًا بشكل خاص في أوروبا. قبل عقد واحد فقط، كان الاتحاد الأوروبي لا يرى في روسيا سوى ضواحٍ متخلفة، وبلد ضعيف يحاول مواجهة القوى الكبرى في القارة. أما الآن، فهو يحاول- بشكل يائس- التمسك بالاستقلال الجيوسياسي والجيواقتصادي الذي ينزلق من بين أصابعه.
انتهت فترة “العودة إلى العظمة” بين عامي 2017 و2018. بعد ذلك وصلت روسيا إلى مرحلة الاستقرار، مع استمرار عملية التحديث، لكن الاقتصاد الضعيف كان يهدد بفقدان كل هذه الإنجازات. كان الناس (ومنهم أنا) محبطين خوفًا من أن روسيا ستتعرض- مرة أخرى- لعملية “انتزاع الهزيمة من فكي النصر“، لكن تبين أنها كانت فترة أخرى من أجل مزيد من التعزيزات، خاصةً فيما يتعلق بالقدرات الدفاعية.
الإنذار الذي وجهته روسيا إلى الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي نهاية عام 2021، يمثل مطالبتهما بالتوقف عن تطوير البنية التحتية العسكرية بالقرب من الحدود الروسية، وإيقاف التوسع شرقًا، وهو ما يمثل بداية لعملية “التدمير البناء” لوضع الأساس لنوع جديد من العلاقات بين روسيا والغرب، يختلف عما استقرت عليه في التسعينيات.
قد تعني القدرات العسكرية الروسية، وعودة الشعور بالصلاح الأخلاقي، والدروس المستفادة من أخطاء الماضي، والتحالف الوثيق مع الصين، أن الغرب الذي اختار أداء دور الخصم، سيبدأ في إعادة حساباته بشكل عقلاني، حتى لو لم يكن طوال الوقت. بعد ذلك، في غضون عقد، أو ربما قبل ذلك، آمل أن يتم بناء نظام جديد للأمن والتعاون الدوليين، يشمل منطقة أوراسيا الكبرى بكاملها هذه المرة، وسوف يستند إلى مبادئ الأمم المتحدة، والقانون الدولي، وليس “القواعد” الأحادية الجانب التي كان الغرب يحاول أن يفرضها على العالم في العقود الأخيرة.
المصدر: “مركز الدراسات العربية الأوراسية”



