مقالات

العراق.. برلمان للموالاة والمعارضة في الشارع؟

“المدارنت”
من يستطيع جمع أكثر من 220 مقعدا برلمانيا، من أصل 329 مقعدا، أي أكثر من ثلثي أعضاء البرلمان، من تركيبة الحكم التحاصصي بدورته الجديدة، يستطيع أن يعيد هيكلة السلطة التنفيذية بمجملها، والمكونة عمليا من رئيس الجمهورية ذي الصلاحيات الرمزية، ومن ثم رئيس الوزراء ذي الصلاحيات الفعلية، والوزراء وكل الدرجات الوظيفية الخاصة. التكتلات الشيعية عمليا هي صاحبة النصيب الأكبر من المقاعد، ككل المرات الخمس السابقة والتي جرت بعد 2003.
وحسب النتائج النهائية المعلنة من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق حصلت قوى الإطار الشيعي على 187 مقعدا، لتكون هي الأقدر عمليا على استقطاب ما يكمل نصاب الثلثين، وبتفاهمات مع المنفتحين على المغانمة من الكتل السنية الفائزة بنحو 77 مقعدا.
وبما أن محاصصة الرئاسات الثلاث محسومة مقدما، كما جرى العرف، في حصر رئاسة مجلس النواب بالكتلة السنية الأكبر، ورئاسة الجمهورية بالكتلة الكردية، صاحبة 56 مقعدا في الانتخابات الأخيرة، فإن توافق الكتل الشيعية على مرشح لرئاسة الوزراء من بين صفوفها سيكون الخطوة الأولى لرسم خارطة الجهاز التنفيذي، والذي سيُكلف بدوره من قبل رئيس الجمهورية، لتشكيل الحكومة مع جدولة متفق عليها لتسمية وتوزيع المناصب الوزارية على أغلب الكتل المتحاصصة، ولكل حسب عدد مقاعده، وهذه الصيغة لا تشمل الوزراء فقط، وإنما نوابهم، والسفراء، والمدراء العامين !

تمت برمجة العملية السياسية بمجملها بثوابت جعلتها غير قادرة إلا على إعادة إنتاج ذاتها، لأنها لو فعلت غير ذلك تنهار، وهي ثوابت ملفقة تريد إعادة صياغة الكيان العراق بعيدا عن ركيزة المواطنة الواحدة، وتكافؤ الفرص، والاستقلال المصان للقضاء، والفصل بين السلطات، لا، المكونات التي يفترض أنها مدغمة أصلا، بالمواطنة الموحدة، وحقوقها الخاصة والعامة، حيث يجب أن تكون مصانة قانونيا، ولها حق طبيعي في حرية التعبيرعن ذاتها، في دولة تحترم حقوق الإنسان، وتوفر لمواطنيها ما يعزز تجانسهم لا انعزالهم، اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وسياسيا.
الدستور الدائم للعملية السياسية الركيزة الثابتة للتعاطي مع المجتمع العراقي وكأنه عبارة عن مجموعات بشرية متجاورة، شيعية وسنية وكردية وتركمانية ومسيحية، كلدانية واشورية، وصابئية وإيزيدية وفيلية وكاكائية وشبكية، وعليه تم تأطير التمثيل السياسي بممثلين عن تلك المجموعات بما يشبه انتخاب الكوتات، وأصبح ذلك عرفا منذ قيام مجلس الحكم الذي أسسه بول بريمر الحاكم المدني بعد الغزو الأمريكي للعراق 2003.
ومع كل دورة انتخابية جديدة، يُدور هذا العرف الدستوري تحت مسميات وتفرعات جديدة، الشيعة ينتخبون شيعتهم والسنة سنتهم والكرد كردهم وهكذا، لذلك لا تجد قوى منتخبة خارج هذه الأطر، حتى من يتقدمون بصفة مستقلين، يتم ترويضهم أو تهميشهم، ليندمجوا ويتفاعلوا مع الطقس السائد داخل برلمان، لا وجود فيه لأحزاب أو كتل عابرة للطوائف والأعراق، وقد يسمح أحيانا بمنح بضعة مقاعد لعدد من العناوين المضللة من خارج الأطر الطائفية، للتغطية على طغيان الهويات الفرعية، كما حصل أيام بريمر، عندما أدخل ممثل عن الحزب الشيوعي لمجلس الحكم ضمن الكوتة الشيعية.
أما في الانتخابات الأخيرة فلم تحصل كل هذه العناوين على أي مقعد، فتحالف الشيوعيين والمدنيين كانوا خارج التغطية وخرجوا تماما من المولد الانتخابي الأخير، وبلا مقعد. المتحول الوحيد، هو القانون الانتخابي ذاته، فمع كل دورة انتخابية يجري تعديله، وبما يلائم هيمنة معادلة الحكم القائمة، ويرسخ ثوابتها بالضد من محاولات المقاطعين والمستائين والداعين لاختراقها ومعارضة فسادهـا!

في صلب العمل النيابي والبرلماني أن تكون هناك أكثرية لها حق تمرير التشكيلة الحكومية التي تنسجم مع طبيعة برامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتشريع ما تراه مناسبا لرعاية شؤون الدولة والمجتمع طيلة فترة الدورة الانتخابية، وأقلية منافسة لها وناقدة لسياساتها، انطلاقا من تعارض البرامج والأهداف، والتي على أساسها تم إقناع الجمهور للتصويت لها.
وعلى هذا الأساس تعمل البرلمانات الطبيعية، فبدون المعارضة البرلمانية الحقيقية يصبح البرلمان عبارة عن هيئة عامة للسلطة التنفيذية، وتكون الحكومة مطلقة اليدين وبلا حسيب أو رقيب، وفي الحالة هذه يكون البرلمان راعيا لها ومبررا لوجودها. برغم اختلاف الكتل طائفيا وإثنيا لكنها جميعا تعمل وفق قاعدة «شيللني وشيلك « أي اعطني حصتي وخذ حصتك، ولا تحاسبني كي لا أحاسبك، والسلطة غنيمة المتحاصصين، فما يطرح في البرلمان ذي الصبغة التحاصصية يجب أن تتوافق عليه الكتل الرئيسية وبالتالي قادتها، وإن حصل القفز على التوافق تخلق أزمة ينشل بموجبها العمل البرلماني.
وهذا ما حصل أثناء طرح مقترح قانون إخراج القوات الأجنبية من العراق، بسبب اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، فالقرار لم يحصل على توافق بحكم تأثيرات خارجية فاعلة لكن الكتلة الشيعية مررته برغم تغيب النواب الكرد والسنة، ومع تمريره كانت الحكومة غير قادرة على تنفيذه، أولا لأن أمريكا مازالت هي المتحكمة بعائدات بيع النفط العراقي، وثانيا لأن سماء العراق تحت رحمة طيرانها، وثالثا لأن أغلب تلك القوات موجود في مناطق كردية وسنية ومن مصلحة الكتلتين بقاء هذه القوات على اعتبار أنها توازن التغلغل الإيراني الذي تستقوي به الكتلة الشيعية عليهما.
وكان إقليم كردستان قد اعلن على لسان رئيسه مسعود بارزاني عن استعداده لاستضافة اي عدد كان من القواعد الأمريكية، ولم يستطع لا برلمان العراق ولا حكومته من محاسبته، لأنه لا يخضع عمليا للسلطة الاتحادية بحكم استقلاليته الأمنية والعسكرية ولاحقا الاقتصادية، ولأن العلاقة هشة ومبنية على التخادم المصلحي، والاستبداد هو هو إن كان بالإقليم أو في بغداد، ويمكن اعتبار كتلة البارزاني أقل ازدواجية من كتلة الاطار، لأنه لا يتخادم مع طرفين متناقضين في وقت واحد كما يفعل جماعة الإطار الشيعي حيث تخادمها المتأرجح بين إيران وأمريكا، وذات الشيء بخصوص استفتاء انفصال الإقليم عن العراق، حيث جرى الاستفتاء دون اعتبار لبرلمان منتخب أو دولة اتحادية، وكانت نتيجته لصالح الانفصال، لكن التدخلات الأمريكية جمدت السير بمقتضاه !

نسبة المشاركة في الانتخابات الأخيرة حسب أرقام المفوضية 56 بالمئة، مبالغ فيها لأن هناك أعدادا مليونية لم تجدد تسجيلها في سجل الناخبين وبالتالي لم تحصل على البطاقة البارومترية، وهناك مقاطعة معلنة من التيار الصدري المعروف باتساع قاعدته الشعبية التي تقدر بالمليونية ايضا.
وهناك أكثرية صامتة وناقمة ولا تثق بما يجري خاصة بعد التنكيل الدموي السافر باحتجاجات تشرين 2019، صحيح أن نسب التصويت كانت جيدة بين موظفي الدولة والأجهزة الامنية ومنتسبي الفصائل المسلحة ومناطق نفوذ الأحزاب المتنفذة في الإقليم والمناطق السنية، لكنها كانت متواضعة في أغلب محافظات الوسط والجنوب، والتوقعات الغالبة، خاصة بعد أن شكل الإطار الشيعي لجنتين واحدة لاختيار رئيس جديد للوزراء، وأخرى للتفاوض مع الكتل الفائزة لبلورة صيغة متكاملة لمحاصصات السلة الواحدة، تقلل من حظوظ السوداني بولاية ثانية، ويجري تداول أسماء من قبيل قاسم الأعرجي وحميد الشطري إضافة إلى نوري المالكي والسوداني، لتفتح صفحة جديدة من حكم المحاصصات البغيض، والذي سيستمر الشارع بمعارضته حتى تحين فرصة الانقضاض عليه!

جمال محمد تقي/ “القدس العربي”
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى