مقالات

العرب والديموقراطية.. أزمة الفهم قبل أزمة التطبيق!

علي بكر الحسيني/ ألمانيا

خاص “المدارنت”
منذ بدايات القرن العشرين، والعرب يطرحون على أنفسهم سؤالاً لا يغيب: هل نحن مؤهلون للديموقراطية؟
سؤال لم يعد مجرّد قضية فكرية عابرة، بل صار هاجساً سياسياً واجتماعياً، يطلّ برأسه عند كل منعطف. فالأنظمة التي تعاقبت لم تنتج استقراراً حقيقياً، ولا مشاركة شعبية فعلية، والمجتمعات ظلّت تتأرجح بين توقٍ إلى الحرية وخوفٍ من الفوضى.
بعض المفكرين، أجابوا بالنفي المطلق، معتبرين أن العرب بطبيعتهم غير مُهيئين، فيما رأى آخرون أن العلّة ليست في الشعوب بل في الأنظمة التي كبّلتها والمؤسسات التي قمعتها. لكن الحقيقة الأعمق أن أزمتنا لم تكن في الممارسة وحدها، بل في الفهم ذاته، إننا نعيش أزمة وعي بالديموقراطية قبل أن نعيش أزمة تطبيقها، ونتصارع مع صورتها أكثر مما نجربها في واقعنا.
حين نستحضر كلمة الديموقراطية، يتبادر إلى الأذهان فوراً النموذج الأوروبي الحديث، الذي نشأ من رحم تحولات تاريخية كبرى، الثورة الصناعية، الإصلاح الديني، صعود البرجوازية، ونشوء الدولة الوطنية. غير أن هذه التجربة لم تكن وصفة يمكن نقلها كما هي، بل كانت حصيلة مسار طويل ومعقد ارتبط بصراعات اجتماعية واقتصادية وفكرية.
هنا وقع العرب في مأزق مزدوج، فمن جهة تعامل بعضهم مع الديموقراطية كبرنامج مستورد ينبغي نسخه، ومن جهة أخرى تمسّك آخرون بفكرة الخصوصية الثقافية، فرفضوها جملةً وتفصيلاً، واعتبروها خطراً على الهوية. والنتيجة أن المحاولة الجادة لصياغة معادلة متوازنة غابت، وبقيت الديموقراطية في عالمنا مجرد واجهة شكلية، انتخابات محكومة بالولاءات التقليدية، برلمانات بلا سلطات، أحزاب وظيفية تدور في فلك الحاكم، وإعلام خاضع للرقابة.
وقد لخّص جورج طرابيشي هذا المأزق بعبارة لافتة، حين قال: “إن الديموقراطية تُحتكم لصناديق الجمجمة لا لصناديق الاقتراع”. قصده أن العقل الذي لم يتحرر بعد سيظل أسير العصبية والولاء الضيق. وبذلك فإن الانتخابات لا تعكس إرادة حرة بقدر ما تعكس وزن القبيلة والطائفة والعائلة. وهكذا تتحول الديموقراطية إلى مشهد انتخابي جميل يخفي وراءه مضموناً تقليدياً متحجراً.
ولم يكن الشيخ محمد عبده، بعيداً عن إدراك هذه المعضلة، حين تحدث عن “المستبد العادل”، لم يكن يبرر الاستبداد، بل كان يعبر عن عجز المجتمع عن ممارسة الحرية، رأى أن مستبداً عادلاً قد يحقق في خمس عشرة سنة، ما تعجز عنه الجماعة في قرون. ومع أن هذا التصور بدا مقبولاً في لحظته التاريخية، فإنه يكشف التناقض الذي ما زلنا نعيشه، حاجتنا إلى سلطة قوية تنهض بالمجتمع، وخوفنا من أن تتحول هذه السلطة إلى استبداد دائم. وتجارب القرن العشرين العربية تكشف بوضوح حدود هذا الطرح، فكم من زعيم جاء باسم النهضة أو التحرر أو التنمية، وما لبث أن حول سلطته إلى قيد أبدي على الأمة، يقمع المعارضة باسم الحفاظ على المشروع الوطني ويغلق أبواب المشاركة باسم الاستقرار.
أما ابن خلدون، فقد ذهب إلى أن العرب، لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية، معتبراً أن العصبية وحدها لا تكفي لتوحيدهم. وصف العرب بأنهم ميّالون إلى الأنفة والتوحش، لا يرضخون لبعضهم إلا بسلطة روحية. ولو عاد اليوم لرأى أن العصبيات الدينية والطائفية ما تزال قائمة، بل أشد رسوخاً، وأنها تقيّد أي محاولة لبناء مشروع ديموقراطي جامع. لكن قراءة ابن خلدون، لا ينبغي أن تؤخذ كقدر محتوم، بل كتوصيف لمرحلة قابلة للتجاوز. فالتاريخ لا يسير في دائرة مغلقة، بل يتغيّر بتغيّر البنى الاجتماعية والثقافية.
وقدّم محمد عابد الجابري، قراءة أعمق حين ربط بين الديموقراطية وبنية العقل العربي في مشروعه: “نقد العقل العربي”. فالديموقراطية ليست قوانين انتخابية فحسب، بل هي ثقافة عقلية ومجتمعية. العقل الذي يغلّب النقل على النقد، والماضي على المستقبل، لا يمكن أن ينتج نظاماً ديموقراطياً. من هنا تصبح المهمة الأولى إعادة بناء العقل العربي على أسس نقدية منفتحة، تستلهم من التراث ما ينفع الحاضر، وتترك ما تجاوزه الزمن. ربط الجابري بين تحديث العقل وتحديث السياسة، معتبراً أن الديموقراطية تبدأ من المدرسة والجامعة ومن تكوين عقل حر قادر على المساءلة. عندها فقط تتحول الديموقراطية من شعار دخيل إلى ممارسة أصيلة.
وبرهان غليون، ذهب إلى أن الديموقراطية ليست مجرد نظام حكم، بل إطار شامل للحرية الفردية والجماعية، وأكد أن الحرية السياسية لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية، وأن الديموقراطية تفقد معناها إن لم تتحقق العدالة. فما قيمة الانتخابات إن بقيت الفوارق الصارخة بين طبقات تملك كل شيء، وأغلبية مسحوقة لا تملك قوت يومها؟ عندها تتحول الديمقراطية إلى قشرة تجميلية لأنظمة فاسدة.
وهذا يعيدنا إلى الشرط الحاسم: العدالة الاجتماعية. فلا معنى لصوت المواطن إذا كان جائعاً أو محروماً من التعليم والعمل. الديموقراطية في الغرب لم تستقر إلا بعدما ارتبطت بتحسين شروط الحياة للفقراء والطبقة الوسطى. وفي عالمنا العربي، حيث الفقر والبطالة والتفاوت الطبقي ظواهر صارخة، تصبح العدالة الاجتماعية شرطاً وجودياً. والتجربة الناصرية مثال واضح، لم تكن ديموقراطية وفق المفهوم الغربي، لكنها حازت شرعية شعبية، لأنها اقترنت بالإصلاح الزراعي، وتأميم الثروات الوطنية، وتوسيع التعليم والصحة. لقد شعر الناس أن النظام يرفع عنهم ظلماً تاريخياً، فالتفوا حوله رغم غياب التعددية السياسية.
ومن هنا تبرز أهمية إعادة قراءة مفهوم الشورى وتطويره. فالشورى، ليست نصًا دينيًا فقط، بل قيمة يمكن تحويلها إلى مؤسسة سياسية معاصرة، التحدي أن تتحول من وعظ أخلاقي إلى بنية دستورية تضمن المشاركة. التجربة التونسية بعد 2011، حاولت أن تجمع بين القيم المحلية والآليات الحديثة، ورغم صعوباتها، فقد شكلت استثناءً في العالم العربي، لأنها حاولت أن تؤسس لديموقراطية قائمة على التوافق. غير أن هشاشتها أمام الأزمات الاقتصادية، أظهرت أن الديموقراطية لا تعيش بلا قاعدة اجتماعية صلبة.
ولا يمكن إنكار أن المجتمع العربي، ما يزال محكوماً ببنى تقليدية قوية، القبيلة والطائفة والعائلة، هذه البنى إذا لم تُدمج في مشروع وطني جامع، ستظل تقاوم أي تحديث، وقد أظهر الربيع العربي هذه الحقيقة بقوة، حيث خرجت الجماهير تطالب بالحرية، لكنها سرعان ما اصطدمت بانقسامات عصبوية. في ليبيا واليمن وسوريا، تحولت الانتفاضات إلى صراعات أبعدتها عن مفهوم الثورة الحقيقي، لأن الولاءات الأولية كانت أقوى من الانتماء الوطني.
وتجربة الجزائر، تكشف مأزقاً آخرًا، إذ تحوّل الحزب الذي قاد الثورة إلى سلطة احتكارية، وعندما فُتحت صناديق الاقتراع في 1991، ظهرت نتائج غير متوقعة، انقلبت السلطة على الديموقراطية، ودخلت البلاد في حرب أهلية. وفي لبنان، حيث النظام قائم على توازن طائفي، تحولت الديموقراطية إلى وسيلة لتثبيت الزعامات الطائفية، بدل تجاوزها. أما في العراق، فقد سقط استبداد فردي بغزو أجنبي، لكن النظام الذي نشأ بعده، جاء مشوهاً، لأنه تأسس على محاصصة طائفية وبنية فاسدة.
إذن، لسنا أمام خيارين لا ثالث لهما، إما استنساخ النموذج الغربي بحذافيره، أو رفض الديموقراطية باسم الخصوصية، نحن أمام خيار ثالث، ابتكار نموذج عربي أصيل يستلهم من الشورى روحها، ومن التجارب العالمية أدواتها، ومن حاجات الناس جوهرها. ديموقراطية، لا تقوم على الفرد المخلّص ولا على التبعية للغرب، بل على شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع، وعلى إدماج العدالة الاجتماعية في صميم العملية السياسية.
هذه الديموقراطية لن تهبط من السماء، بل تحتاج إلى جهد طويل يبدأ بإصلاح التعليم ليبني عقلاً نقدياً، وتحرير الإعلام ليصبح أداة مساءلة، وتمكين المرأة لتشارك في القرار، ودعم المجتمع المدني ليكون قوة ضغط، وإعادة توزيع الثروة لتقليص الفوارق، عندها فقط يمكن أن تتحول الديموقراطية من حلم مؤجل إلى واقع حي.
لقد آن الأوان أن ندرك أن الديموقراطية ليست صندوق اقتراع فحسب، ولا وصفة غربية تُستورد كما هي. إنها مشروع تحرر شامل يجمع الحرية بالعدالة والكرامة. وما لم ندرك هذه الحقيقة سنظل ندور في حلقة مفرغة بين استبداد متجذر وتجارب انتخابية عقيمة.
إن العرب اليوم، أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف الديموقراطية على نحو يليق بهم، نموذج يجمع بين العقلانية والشورى، بين الحرية والعدالة، بين الأصالة والمعاصرة، عندها فقط يمكن أن ينتقل المواطن من تابع إلى شريك، ومن مُستَجْدي الحقوق إلى صانع للمستقبل، ومن شعوب متفرقة تمزقها العصبيات، إلى أمة قادرة على أن تسهم في الحضارة الإنسانية بوجهها الحر المبدع.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى