العروبة تبدأ من دمشق وتمضي الى فلسطين

خاص “المدارنت”
السياسة بطبيعتها عالم متحوّل، لا يعرف الثبات ولا يلتزم بقاعدةٍ واحدة، فهي فنّ الممكن وإدارة المتغيرات وتوازن القوى. لكنّنا نحن القوميين العروبيين، أبناء سوريا، لم نقبل أن تكون القاعدة الوحيدة هي “البراغماتية” أو تبدّل المواقف حسب رياح المصالح. أضفنا إلى السياسة قاعدة صلبة لا مساومة عليها، وهي قضايا الأمة المصيرية، تلك التي تتجاوز الحكومات والأحزاب والأنظمة لتصير مسألة كرامة وجودية ومصير أمة بأكملها.
منذ أن انفكت بلادنا عن السلطنة العثمانية عام 1918، تحت راية الأمير فيصل بن الحسين، وارتفعت راية المملكة السورية العربية في دمشق، لاحقاً، بدا وكأن سوريا تولد دولةً مستقلة لأول مرة منذ قرون. غير أنّ هذه الولادة لم تكتمل، فقد جاء الانتداب الفرنسي ليجهض حلم السوريين، ويعيد تقسيم البلاد إلى كيانات هزيلة، أراد منها الاستعمار أن يُجمّل قُبحَه تحت مُسمى “الانتداب”، وهو في حقيقته احتلالٌ مباشر يفرض هيمنته ويقمع أي صوت حر. ولذلك فإن ما جرى بين 1918 و1920، وصولاً إلى معركة ميسلون بقيادة الشهيد البطل وزير الحربية يوسف العظمة، لم يكن ولادة دولة حقيقية، بل كان مخاضاً قاسياً لمشروع استقلالي أُحبط قبل أن يشتد عوده.
قد يقول قائل إن سوريا، لم تنل استقلالها حقاً إلا يوم 17 نيسان 1946، حين غادر آخر جندي فرنسي أرضها، وهذا صحيح تاريخياً من حيث السيادة الشكلية. وقد يذهب آخرون إلى القول إن سوريا، لم تعرف استقلالاً فعلياً إلا في 8 كانون الأول/ “ديسمبر” 2024، يوم فرّ المخلوع (بشار الأسد) الذي حوّل البلاد إلى مزرعة ورثها عن والده، فتنفّس السوريون هواءً جديداً وأطلّت بشائر الجمهورية الثانية. غير أنّ الحقيقة الأعمق أن استقلال الأوطان لا يُقاس بتواريخ الإعلانات الرسمية وحدها، بل بمدى تمسّك الشعب بقضاياه المصيرية وقدرته على حمايتها.
منذ عام 1946، وحتى اليوم، ظلّت بوصلة سوريا واضحة: فلسطين قضيتنا المركزية، والجولان السوري المحتل جرحنا المفتوح الذي لا يلتئم إلا بالتحرير. لم يكن السوريون يوماً في وارد المساومة على الأرض العربية، ولا في وارد المساومة على حقّ الشعوب في الحرية والكرامة. ولذلك، لم تغب عن وجداننا مأساة “الأحواز” المحتلة، ولا بقية الأراضي العربية التي تقاسمتها قوى الاستعمار والإحتلال. نحن نؤمن أن الكرامة لا تُجزأ، وأن الحرية لا تتَجزأ، وأن وحدة الأرض العربية خط أحمر لا يقبل القسمة ولا المساومة.
لقد أثبتت التجربة أنّ الأنظمة قد تتغيّر، والحدود قد تُرسم على الورق، لكن روح الأمة تبقى حيّة في قلوب أبنائها. فعندما سقطت فلسطين عام 1948، لم يكن السوريون بمنأى عن المأساة، بل انخرطوا في القتال، واعتبروا أنّ المعركة واحدة والعدو واحد. وعندما وقعت النكسة عام 1967 واحتل العدو الصهيوني الجولان، لم يستسلم السوريون، بل أعادوا تنظيم صفوفهم وخاضوا حرب الاستنزاف تمهيدًا لمعركة تشرين التحريرية عام 1973. وعلى الرغم من أن نتائج تلك المعركة لم تُترجم إلى استعادة الأرض، وتحولت لحرب تحريك كما وصفها طيب الذكر جمال الأتاسي، إلا أنها أثبتت أن إرادة المقاومة أقوى من كل الهزائم.
إنّ مسار سوريا القومي لم يكن معزولاً عن محيطها العربي. فقد وقفت دمشق دائماً في قلب حركة التحرر العربية، دعمت ثورة الجزائر منذ بداياتها، وأيّدت الثورة اليمنية ضد الحكم الإمامي، وساندت مصر عبد الناصر في معركتها ضد العدوان الثلاثي. كانت سوريا، رغم الجراح والضغوط، جزءًا لا يتجزأ من منظومة عربية ترى في العروبة مشروع خلاص، لا شعاراً سياسياً عابراً.
لكنّ التحدي الأكبر ظلّ دائماً هو التمسّك بالثوابت في وجه عواصف السياسة. فمنذ سايكس/ بيكو، حتى يومنا هذا، والاحتلال يحاول أن يُدخلنا في مساومات، تارةً باسم: “السلام”، وتارةً باسم: “الواقعية السياسية”، وتارةً أخرى باسم: “التسويات المرحلية”. غير أنّ القوميين العروبيين، أبناء هذه الأرض، رفضوا على الدوام أن تكون فلسطين ورقة على طاولة المفاوضات، أو أن يكون الجولان ثمناً لتطبيعٍ مُذِل.
إنّ ما جرى في 8 كانون الأول/ “ديسمبر” 2024، حين سقطت سلطة الاستبداد وهرب المخلوع، كان لحظة فاصلة بالفعل، لحظة يمكن أن نسميها ولادة الجمهورية الثانية. فهي لم تكن مجرد حدث سياسي، بل كانت إعلاناً جديداً بأن الشعب لا يموت، وأن الأمة لا تفنى، وأن جذوة العروبة تبقى مشتعلة مهما حاولوا إخمادها. فالجمهورية الثانية التي نادت بها حناجر السوريين ليست نظاماً بديلاً فقط، بل رؤية متجددة لسوريا التي تعود إلى موقعها الطبيعي في قلب الأمة، حاملةً راية الوحدة.
ومن هنا فإنّ حديثنا عن الثوابت ليس ترفاً فكرياً ولا رومانسية سياسية، بل هو جوهر المعركة. فالأمة التي تفرّط بأرضها تفقد هويتها، والشعب الذي يقبل التجزئة يفقد حقه في المستقبل. إنّ فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية كل عربي يرى في القدس مرآة وجوده. والجولان ليس أرضاً سورية فحسب، بل رمزاً لكرامة العرب جميعاً. والأحواز ليست شأناً محلياً، بل قضية أمة تُسلب ثرواتها وتُقطع أوصالها.

السياسة قد تُلزمنا بالمناورة، وقد تدفعنا أحياناً إلى الصمت “التكتيكي”، لكنّها لا يمكن أن تُجبرنا على التخلي عن البوصلة. وبوصلتنا ثابتة، العروبة. ليست العروبة مجرد حنين إلى الماضي أو ثقافة مشتركة، بل هي مشروع مقاومة حاضرة، وعهد شرف لا يُخان، وعروة وثقى لا تنفصم. هي التي تجعلنا نرفض الاستسلام، وتدفعنا إلى الثبات رغم الحصار والجوع والدمار.
إننا اليوم، ونحن نكتب في هذا الزمن الصعب، نؤكد أنّ ولادة الدولة السورية الحقيقية كانت عام 1946، يوم جلا المستعمر الفرنسي، لكنّ ولادة الجمهورية الثانية بدأت يوم ثار الشعب على الاستبداد، وأسقط قناعه، ليعلن أن العروبة لا تزال حيّة. فالتاريخ ليس سلسلة تواريخ جامدة، بل هو نهر متدفق، والشعوب هي التي تمنحه المعنى.
لهذا كله، نحن ماضون بخطى واثقة، مع كل من يلتزم درب الكرامة والعروبة، ومع كل من يرى أنّ تحرير فلسطين واجب مقدس، واستعادة الجولان حتمية تاريخية، وأن الحرية لكل أرض عربية محتلة ليست شعاراً بل التزاماً. نحن نؤمن أنّ المستقبل للعرب إذا توحّدوا، وأن العروبة ليست مجرد جغرافيا، بل قدرٌ مشتركٌ يربطنا من الأحواز إلى موريتانيا.
السياسة قد تتغيّر، أما قضايا الأمة المصيرية فلا تقبل التغيير. ومن يظن أن الزمن كفيل بطمسها، فليقرأ تاريخنا من 1918 إلى 1946، ومن 1946 إلى 1967، ومن 1967 إلى 2024. سيجد أنّ الاحتلال يرحل، والاستبداد يسقط، لكن إرادة الأمة تبقى. وهذا هو سرّ العروبة، وسرّ سوريا التي لم تخضع يوماً، ولن تخضع أبداً.



