العروبة والإسلام.. توأم رحم الوجود.. الجزء “3”

خاص “المدارنت”..
لقد خصّ الله سبحانه وتعالى العروبة جملة خصائص، عززت اللحمة بين العروبة والإسلام، محاولين بيان ذلك، انطلاقا من أن وحدة الامة مرتبطة كل الارتباط بوحدة اللغة، إذ لا يمكن أن يتم الاتحاد والإخاء بين الناس، كشعب، إلا بذلك الربط، تحقيقا لمصالح ذلك الشعب، وتسهيلها لديهم، وهذا ما تمناه العديد من منظري ومفكري بعض الشعوب، أن يكون لهم لغة مشتركة واحدة.
هذا ما حققه الإسلام، فقد جعل لغته، لغة الدين، لغة التشريع، لغة الاحكام، والزم جميع المؤمنين به، والخاضعين لشريعته، منقادون باعتقادهم وفكرهم ووجدانهم إلى معرفة لغة كتابه المنزل، كأداة فهم وإدراك، وتحليل واستنتاج، كونه مناط سيادتهم، وثبات سعادتهم، وهذا ما بينه القرآن العظيم، في تكرار التأكيد على أنه كتاب عربي، أوحى به الله سبحانه لرسوله العربي (ص).
لو سال العربي نفسه من هو؟ لاجاب: أنه ابن تلك الدلالة، “كلمة الله” التي تجعله بين الشعوب دليلا على نفسه، وآية في ذاته، تظهره في حقيقته واصالته، تلك الكلمة المبينة التي انطقهم الله بها في كمال خلقهم اللغوي الإنساني على هذه الأرض، محققين في ذلك صدق العلم، الذي لا يتناقض مع سنن الخلق، ولا يتعارض مع حقائق الايمان بذلك الخالق المبدع، الذي سمّوه باسمه الحق (الله). حيث انفردت لغة العروبة بنطقه من دون باقي اللغات. انها خصوصية النطق باسم الجلالة (الله) بناء لقوله تعالى:
“… وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (العنكبوت/ 61)…وانظر أيضا(لقمان /25 و الزمر/38).
لقد اهتدى العرب إلى صراط الله الواحد، القادر، واعربوا ببيان ألسنتهم عن اليقين بعبادته ووحدانيته، والناس في تشريعه سواء، وهكذا فالانصات الواعي والمتدبر بلغة عربية، التي هي لغة الإنسان الحر، والتي بها يتعرف العربي على:
من هو؟ وما هي حقيقة ذاته؟ وما هي مقومات اصالته؟ فإذا جمع نفسه عليها، وملك إرادته بها، تحرر من صيد الغزو الفكري والثقافي، وعاد إلى ما كان عليه في أوج اشراقه، فيكون هو ، هو، لما ينبغي أن يكون. وننوه إلى ما أكده المستشرقون جرّاء دراستهم اللغة العربية، على مدى كيانها الحي، المتجدد، وما تحويه من ملكات وقدرات أهلها، التي وهياتها إلى قيادة ذلك الفتح العربي الاسلامي، الحضاري السلمي،في تاريخ العالم.
لا شك أن الإسلام، دين عالمي، في الوقت نفسه، لا يناقض قوميات الشعوب، ولا يقف عند حدودها، ولا يميز بين ابناءها، إلا بمقدار مراتبهم التقويّة، ومدى ما يتمسكون باصولها. وهذا يعني عدمية أن يكون الإسلام دينا عربيا. ولكن، من حيث الشريعة التي نزل بها الوحي على النبي العربي، اضف الى معجزتها اللغوية التي كانت عصية على بلغاء العرب. وعليه نعود لنجد أن الإسلام عالمي، ثم يفرض على اتباعه، أن أرادوا التعبد، وتفقه المعجزة، أن يتعربوا، اي واجب تعلم اللغة العربية، وهذه خصوصية عربية.
هؤلاء العرب الذين ظهر فيهم الدين الإسلامي، حاملين عبء التبشير به، والدعوة اليه، والدفاع عنه، وبه توحدوا، وأقاموا دولتهم العادلة، وبلوروا حضارة انسانية عالمية، إلى أن اصبحوا من خلاله، طليعة ريادته، وتكليف إلهي، وهذه ايضا خصوصية عربية. هذه الخصوصية توجب العرب أن يغدوا محلقين في فضاء عالمي، متجاوزين نطاق وطنهم وامتهم، فالعرب بنعمة الإسلام كما أراده الله، هم لعالمية الإنسانية قادة.
انها المكانة التي لا تعلوها مكانة، التي خصّنا وميزنا بها الله سبحانه، لقوله تعالى:
–“لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ”… (التوبة/ 128).
كما وبين ما خصّه تعالى العرب بما أوحى الرسول (ص)… “.. هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (الجمعة 2).
… “وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ… (الانعام 92).
— “… وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ… (الشعراء/ 214).
أم القرى، هي مكة المكرمة، انها مسقط رأس الرسول (ص)، انها بلد أبناء العروبة، وهكذا فقد خصهم الله بالعروبة، ثم حقق بهم العالمية مع الآخرين من الشعوب، اي قضى ربك أن تنذر الناس، وتنشر الدعوة بلسان العرب، لسان قومه (ص).
وهذه خصوصية عربية، اي أن التجربة الاسلامية هي تجربة عربية، وذلك زمن الوحي، زمن الدعوة، زمن محمد صلى الله عليه وسلم.
للبيان، انطلقت التجربة الاسلامية من اعتبار اللغة العربية وعاءها الفكري والثقافي، لقوله تعالى: “… وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.. (ابراهيم/ 4).
هذا يعني أن اللغة العربية شاملة لعملية الفهم والوعي والإدراك، لأبعاد ومضامين الرسالة الاسلامية، دينيا، واجتماعيا، لما تحمله من قيم ثقافية، ومعايير سلوكية. كما وتشير إلى ضرورة تبليغ الرسالة بالعربية، لقوله تعالى:
… “وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ..(النحل/ 103).
أنظر الآيات التالية: “الدخان /58″، “الاحقاق/ 12”.
وكنتيجة عامة، نخلص إلى أن لغات البلدان، انما تكون بلسان القوم الغالب عليها، لذلك كانت لغة البلاد الإسلامية، هي اللغة العربية، وعليه وجب هجر اللغات الاعجمية التي غدت فيما بعد، لغات دخيلة على العربية، التي راحت تفسد في بعض أحكامها، وتغيّر ايضا في مخارج حروفها، وعليه، أصبحت العربية لسان العابدين المقيمين في الدولة الاسلامية، وأصبح اللسان العربي شعيرة اسلامية، كما وحلّق في سماء عالمية انسانية. وهذا ما خصّ الإسلام العروبة من علوِ مكانة.
=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=



