مقالات

العروبة والإسلام.. توأم رحم الوجود.. “الجزء 4”.

أديب الحاج عمر/ لبنان
خاص “المدارنت”..

انطلاقا من أن التوحيد ووحدانية الخالق العظيم، كجوهر، وهدف ،وغاية الاسلام، والتي تعتبر نقطة تمحور التقاءه مع العروبة من خلال وحدة لغتها، وهذا الأمر انما يمثل جوهر العطاء الإنساني العالمي. ولكن واقع حال العرب والمسلمين، اليوم، يبين صورة عكسية لذلك الجوهر، حيث يتضح لنا صورة الضعف والتقهقر والتفرق، للفكر والثقافة والقيم، والسبب في ذلك انما يتكشف عما تركه الانحراف الفكري، وما شتته المنافع الشخصية والادعاء المرضي، رغم أن الموضوعية المنطقية انما تظهر بيان أن من لا يعلم علم الكتاب المنزل، دليل جهل سعة اللغة العربية، وعدم معرفة كثرة وجوهها، زد إلى ضعف جمع فرقة معانيها ودلالاتها. هذا الالمام والإتقان انما يطلق عليه (النصيحة) في الإسلام، وهو فريضة تلزم صاحبها ،التمسك بها تحقيقا، ومن يدعها، ويهملها، فقد سفه نفسه. فأين نحن العرب والمسلين، من ذلك؟

لقد قصّر العرب والمسلمين في استمرار دراسة اللغة العربية، وإعطائها حقّها، في الاتقان، ادّى إلى ما ادّى اليه، فقد ادّى الى ضعف الخلافة العربية الاسلامية، وتغلب العجم، وتعطّل أمر الله ،من تدبّر اياته، وتعقّل كلماته، وتفكر حروفه، اضف الى إهمال اكتساب ،العبرة والحكمة والموعظة الحسنة، وجملة القول: إن قيامة الإسلام، من فهم عقاءده، وتفقه احكامه،وتدبر اياته، انما يتوقف على درجة ما يتقنه من انواع اللغة العربية، والتي من خلالها يمكن تحقيق الهداية الروحية، والرابطة الاجتماعية، ثم الحكومة المدنية العادلة. ومرتكز ذلك التحقيق انما يتمحور حول وحدة اللغة العربية، التي هي سبيل وحدة الشعب العربي، ولكن وللأسف، أن هذا الشعب قد مزٍق نسيج وحدته، وصدق قول الرسول (ص) بهم: “يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها “.

من هنا ينبغي الوقوف عند بعض الظواهر التي تملك الدور المحوري في الكشف عن تلك العلاقة التلاحمية بين العروبة والإسلام.
— 1 كان لعروبة ما قبل الإسلام، الدور الاهم في الانفتاح الواعي على الإسلام، استنادا عل الشعر الجاهلي صاحب الأثر البالغ في الفهم، والتفسير، لمعاني ودلالات ،مفردات وتراكيب، العبارة القرآنية.
— 2 كانت اللغة العربية، ولا تزال، الأداة التي يؤدي بها المسلم واجباته الدينية، عموما.
— 3 أن الازمنة، والأمكنة، العربية، كانت ولا زالت، هي الأساس في تأدية الفروض الدينية، من حيث، التوقيت، الأشهر،.. الكعبة، والقبلية، وعرفة….الخ.

ظواهر عربية اسلامية، تثبت مؤكدة، ولادة توأم العروبة والاسلام، من رحم الوجود. كما تثبت أن اللغة العربية، انما تمثل الإطار العام ، لتلك الولادة ،كما ولها النصيب الأكبر فيها، من حيث اعتبارها المكوِن الأساسي الذي طبع العروبة، يطالعها، الخاص والمميز، واعتبارها الوعاء الذي اتسع لرسالة الإسلام ولغيره من الرسالات السماوية.

وننوه إلى أن مناسك فريضة الحج، التي كانت ولا تزال، من حيث المكان والزمان، ترتبط ارتباطا قويا بالعروبة، وفي الوقت نفسه، فإنها، وينص قراني، واجب ديني عربي منذ زمن ابراهيم عليه السلام، لقوله تعالى: “وإذ بوانا لابراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا “الحج/26 –”

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ “ال عمران/96”.

كما واجب الاضافة إلى أن مناسك الحج كانت معروفة ومعمولة بها قبل رسالة محمد (ص)، العربي الامي، الذي بلّغ دعوة ربه، بلسان عربي مبين، وانتشر الإسلام، كما قضى ربك، بين اعاجم شعوب العالم، بالعقائد والعبادات والآداب والشرع واللغة، وأصبحوا بنعمته إخوان، وهكذا كان تعلّم اللغة العربية، من ضروريات الإسلام، لدى جميع الشعوب والاقوام.

وهكذا فتعلّم اللغة العربية، واجب قومي إلى جانب أنه واجب ديني، وهذا دليل ارتباط العروبة بالاسلام، كجوهر وجودي، دون جدل أو نقاش أو حوار، فالنصوص القرانية، انما تعبّر كل التعبير عن قضايا مجتمعنا العربي، كما يتناول كل مشكلاته الحياتية العامة، فيصوّر الواقع الحياتي، عارضا المشكلات، ثم يقدّم الحلول، وهذا يعني أنه يبيّن السنن والقوانين،منظما بها، الحياة الاجتماعية العربية، والخلقية والسلوكية، والثقافية، مظهرا سبل الصلاح والمنافع، للفرد والجماعات. لقوله تعالى:
“ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم اكنة أن يفقهون…. الانعام/25
–“قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله….”.
المجادلة/1 انظرالاية (الانفال/5.

هكذا يزخر المجتمع العربي بالجدل الذهني والفكري، وبكل ما يتعلق بالقيم والسلوك. اضف الى انه عالج القضايا المعنوية والمادية للبيئة العربية. لقوله تعالى:” والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها.. “.. النحل/80
–” والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تاكلون “النحل/5.

لقد صوّر القرآن الكريم المجتمع العربي بكليته، المادية والمعنوية، وبيّن ما بينهما من علاقات وروابط، زد على ذلك ما أخرجه من صور صراعه الفكري والوجداني، ذلك الصراع الذي نقل الأمة العربية إلى مستوى ارفع وارقى حضارة، وهذه حقيقة ثابتة، تبين أن الإسلام نظام جديد مارسته امتنا العربية لضمان استمرار تطورها ونموّها الحضاري،وهذه اللحمة بين العروبة والإسلام، لهي الاصل والجوهر في تأصيل كل هوية عربية. وهذا دليل أن نظام ودستور الإسلام قد طبٍق تطبيقا عربيا.

وعليه، فالأمة العربية مدعوّة ،وفي كل وقت وزمن، الاهتمام بلغتها العربية، لا لنفسها وحسب، انما للإنسانية جمعاء، مع التأكيد والأخذ بهذه المسألة على محمل الجد ،مع ضرورة الرعاية والاهتمام، فكم من دول اسلامية اتخذت العربية لغتها الرسمية. ونذكر قول العالم الهندي (ابي الحسن الندوي): “إن مصير المسلمين في كل بلد مرتبط بمصير العرب، فإذا عزّ العرب عزّ المسلمين، وإذا ذلّ العرب ذلّ المسلمون، أولئك الذين لا اعدل بهم قوما، ولا اعدل بكتابهم كتابا، ولا اعدل بلغتهم لغة، ولا اعدل حضارتهم حضارة، وعلى ذلك احيا واموت “ثم ينهي كلامه: “الإسلام هو الذي يربطنا بكم ويربطكم بنا، هذا الإسلام الذي نريد أن نلتقي عليه، فتولوا قيادته من جديد. لقد بدأت من هذا ولكني أختم فأقول: إلى القيادة العالمية من جديد أيها العرب”.

بهذا الخطاب يتوجه الندوي إلى وجوب العناية بديننا الاسلامي، وبلغتنا العربية، وهذا يتطلب ديمومة الكفاح، والعمل الضمني الدؤوب، والكثير من التضحيات في تصحيح المفاهيم، والتاني في معالجة القضايا الحياتية، العامة والخاصة، وبدوري اناشد العرب، وانادي وأصرخ: استفيقوا أيها العرب، فلغتكم، وهويّتكم، ووجودكم، ملتحم برسالة الاسلام، منذ الأزل وإلى الابد.
ومن ظواهر ذلك الالتحام:
— لم يخرج الإسلام من محيطه العربي وحيدا، بل معه خرجت العروبة.
— أن حركة التعريب كانت أوسع وأقوى انتشارا من حركة الاسلام، اي تعرّب سكان البلدان جميعا، ولكنهم لم يدخلوا الإسلام جميعا، لقد عرّب الكتاب المقدس.
— استقرار بعض القبائل العربية في البلدان التي تعرّبت،ولم تستقر في تلك التي لم تتعرّب، وهذا يعني أن الإسلام لم يكن عاملا أساسا في التعريب.
— أن البلدان التي اسلمت ولم تتعرب، ابقت على قوة العلاقة بين العروبة والسلام ،اي حلّ الإسلام محل النظم الدينية السابقة، ومعه حلّت العربية كاملة، وهكذا فالعلاقة بين العروبة والإسلام، علاقة قوية متينة، لا يمكن، بل من المستحيل أن تنفك عراها، وذلك أنتج مفهوما مميّزا، هو أن العروبة هي القاعدة الاساس، والإسلام هو ذلك الصرح المقام على هذه القاعدة، وكلية هذا الصرح هو ما يطلق عليه: الحضارة العربية الإسلامية.

للبيان ليس من الحق، في شيء،أن يعمل الحق الديني ضد الحق القومي، أو العكس، انما الضرورة تفرض تألقها والتزامها لتحقيق العدل والخير والسعادة، لذلك نتوجّه لمن يفصلون بين العروبة والسلام، وأقول أنهم يغفلون عن حقيقة موضوعية بارزة، ومفادها، أن الوحدة الاسلامية يستحيل تحققها دون أساسها وأصلها وقاعدتها، وهي الوحدة العربية، وهذه هي الحجر الأساس في بناء الوحدة الاسلامية.

العلاقة بينهما علاقة عضوية، اي التحام لا انفصال، وأن حصل ،فلا ريب، يفقد الإسلام هويّته التي حددت خصائصه منذ نشاته.

الله، خالق كل شيء، سبحانه وتعالى، خلق الإسلام كائنا عربيا، وفرض عليه الخروج من أرض العرب إلى أرض الله الواسعة، شرط التميّز بما يحمله معه، انها خاصية الهوية العربية، وهذا يعني استحالة تعارض العروبة مع الاسلام، لأن الاسلام، دين عالمي، تنزّل وانتشر بحروف عربية. واللغة انما هي عبارة المتكلم عن مقصوده. من هنا كان واجب الأمة العربية حمل لواء الإسلام في كل زمان وكل مكان، باعتباره فطرة الله التي فطر الناس عليها، ثم تأكيده على توحيد هوية الجماعة العربية، وهذا من أعظم الإنجازات التي حققها الإسلام للعرب. لقوله تعالى: “وأن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله، هو الذي ايّدك بنصره وبالمؤمنين، والّف بين قلوبهم لو انفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله الف بينهم، أنه عزيز حكيم.. الأنفال/ 63”.

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى