العلمانية والأخلاق.. الجزء “1”.

“المدارنت”..
الأخلاق نسيج رئيسي في بنية المجتمع الإنساني، والأخلاق المقصودة هنا هي تلك التي تختزن “القيمةالايجابية” وتقيم تماسك المجتمع حولها، وكما أن هناك أخلاقا حميدة بناءة قويمة، هناك أخلاق على عكس هذا، وعلم الأخلاق بهذا المعنى هو ” علم بالفضائل وكيفية التحلي بها، وبالرذائل وكيفية تجبنها”، وهو علم موضوعه “أحكام قيمية تتعلق بالأعمال التي توصف الحسن والقبح”
فما صلة العلمانية بالأخلاق، وماهو الأساس الأخلاقي للعلمانية، وهل في العلمانية أخلاق؟.
1
أهمية هذا السؤال تنبع من أهمية الأخلاق في بنية المجتمع، وقد يكون مناسبا أن نبدأ هذا البحث بمحاولة تعريف الأخلاق، وهي محاولة ليست باليسيرة، لأننا ونحن نتحدث عن الأخلاق نتحدث عن أمر معنوي، منبث في كل نشاط إنساني سواء توجه هذا النشاط إلى الأفراد والجماعات الإنسانية، أو إلى المخلوقات الأخرى، الحيوانات، أو البيئة المحيطة بنا. وهذا الأمر المعنوي يمثل قيمة ضابطة في حياة الإنسان والمجتمعات، بل وفي حياة التكتلات الاجتماعية أيما كانت طبيعتها، وأيما كان حكمنا الأخلاقي عليها، لذلك دار تعريفها في معاجم اللغة العربية حول “معنى الطبع والسجية والعادة اللازمة”، وأنها ” حالة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال من خير وشر من غير حاجة إلى فكرة أو روية “. وفي اللغة “الخَلْقُ والخُلْقُ في الأصل واحد… لكن خص الخَلْق بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وخص الخُلْق بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة” ، )وذهب البعض إلى أن الخُلق هو ما يَاخُذ به الإنسان نفسه من الأدب، أما ما طبع عليه من الأدب فهو “السجية”، أي الطبع الغريزي، وتجده في المعاجم بمصطلح الخِيم ” أي السجية والطبع”، ومثل هذا التعريف للأخلاق يربطها بالإرادة والقصد.
ثم إن مستقر الأخلاق يكون في الضمير الإنساني الشخصي أو الاجتماعي، قبل أن يكون مستقرها القوانين، بل غالبا ما تكون القوانين قاصرة عن الإحاطة بالقيم الأخلاقية، وبقوة وتحكم هذه الأخلاق، فنرى الفرد ملتزما أخلاقاً معينة، سواء كان القانون حارساً لها، أم لم يأت عليها، إذ منبع الالتزام بها الإنسانُ نفسه، والمجتمعُ ذاته.
والأخلاق بالمعنى الإيجابي تمثل تراكما في النوازع التي تتحكم بالانسان، والتي تحكم العلاقات الاجتماعية، أي تحكم المجتمع، لذلك فإن الأخلاق تتصف بصفتين اثنتين: التراكم والترقي، أي أن القيم الأخلاقية لا تتكون على نحو مفاجئ، ولا يمكن اصطناعها، وإنما هي إضافات مستمرة في القيم المعنوية الحاكمة، يستخلصها الإنسان في مسار حياته، والشعوب من تجاربها، وتراكمها، مع ما سبق أن تلقته من الأجيال السابقة.
فالأخلاق بهذا تجمع بين الثبات والتغير النسبي في القيم، أو ما يمكن أن نسميه الترقي .
ما الصلة بين الاخلاق والعادات ؟.
الدراسون لمصطلح الأخلاق عند الغربيين يعلمون أن مرجع كلمة الأخلاق عندهم وهي بالإنكليزية Ethics هو كلمة “عادة ” باليونانية، لكن هذا المصدر اللغوي إذ يوفر المصطلح، ويمثل جذره اللغوي، لكنه لا يستوعبه، لأن الأخلاق مفهوم أوسع وأدق من العادة، وإن كان يستوعبها ويشترك معها بصفة الثبات النسبي، أي بالتغيير البطئ، وبصفة العمومية، أي التزام عموم الناس في المجتمع أو التجمع الانساني المقصود بهذا السلوك، لكنه لا يشترك معها في الترقي، أي بمراكمة القيم الإيجابية فيه.
مهم هنا أن نلاحظ أن أي شكل من أشكال الاجتماع الإنساني، لا يستطيع أن يتخلى عن الأخلاق، وهو في مساره العام يعمل على توليد أخلاق تحفظ تماسك المجتمع الذي يقيمه، وتحفظ توازن هذا المجتمع.
ولأهمية الأخلاق في قيام المجتمعات واستقرارها، فإن المهن المختلفة التي تمثل “مجتمعات خاصة داخل المجتمع العام تتميز بعمل أو نشاط محدد” صار لها أخلاقها التي تتميز بها، والتي تعطي الثقة بطبيعتها وممارساتها، فصار لمهنة الطب أخلاقها، وكذلك للمحامين، والقضاة، والتجار، والمحاسبين، والباحثين و… الخ، وصارت هذه الأخلاق حاكمة لهذه المهن، والأعمال، وأصبح الخروج عليها بمثابة خروج من المهنة نفسها، والذي يتفكر قليلاً في هذه المسألة سيجد أنه حتى الجماعات الخارجة عن المجتمع مثل جماعات اللصوص، والعصابات، والقتلة، والمافيات، وسفلة المجتمع، لا يستطيعون أن يقيموا مجتمعاتهم “عصاباتهم” إلا إذا وفروا لها ” قيماً أخلاقية” تحكم التعامل بين أفرادها، وبقدر ما تكون هذه القيم حاكمة بقدر ما تكون هذه العصابات متماسكة.
وإذ تعتبر الأخلاق من أهم العناصر المكونة للمجتمع لأنها تمثل الميثاق الداخلي أو “المِلاط” الذي يشد أطراف المجتمع بعضها إلى بعض، فإنها تمثل في الوقت ذاته نقطة التوازن في شخصية الإنسان الفرد. ولهذه الأهمية للأخلاق فإن الله عز وجل وصف رسوله الكريم بقوله: ” وإنك لعلى خلق عظيم” القلم / 4، وكثف رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم دعوته إلى الإسلام بقوله: “إنما بعث لأتمم مكارم الأخلاق”. ففيه اجتمعت مكارم الاخلاق. وتأكيدا لمكانة الأخلاق قال أحمد شوقي رحمه الله:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
ورغم أن الأخلاق تتجلى في سلوك الأفراد فيتميزون بها، ومن ثم في قيم المجتمعات والتجمعات المختلفة، لكن نستطيع القول إن الأخلاق ليست قضية ذاتية فردية، وإنما الأخلاق دائما معيار اجتماعي، يحكم علاقة الأفراد فيما بينهم، ثم إنها تختصر بمعان وكلمات قليلة، فيصبح اللفظ المعتمد ذو دلالة واسعة وعميقة، والإنسان يعتز بصفاته الأخلاقية، وبأنه إنسان خلوق، فكأن الأخلاق هنا هي التي تضفي القيمة الخاصة للإنسان والمجتمع وتحدد مكانته…. الصدق، الشجاعة، الكرم، السخاء، الحرص، الصبر، الشرف، الحياء، التعاون، الانضباط، الجماعية، العفة، الطهارة، الوفاء، الالتزام، الإقدام، السماحة، الغيرة، وهذه تجليات للأخلاق الفردية والاجتماعية. ولكل هذه الصفات أضداد، تذهب إلى من فقد بعض أو كل هذه الصفات فبات لا خلاق له.
هذه الأخلاق التي تمثل احتياجا للمجتمع الانساني، وللفرد، من أين تنبع؟، ما مصدرها؟، ما العوامل التي تسمح لها بالتراكم والنمو؟، لماذا يجعلها الفرد قيمة حاكمة؟، وليس مجرد عادة تولدت من استقرار الناس على الأخذ بها.
وإذ بدأنا بالقول إنها احتياج إنساني فقد وفرنا قاعدة القبول والتطلع للأخلاق لدى الانسان والمجتمعات الانسانية، فما هو مصدر الأخلاق؟.
هناك ثلاثة مصادر رئيسة مكونة ومحددة للأخلاق:
المصدر الأول: الطبيعة، البيئة، التحديات التي تواجه الإنسان، ومجتمعه، احتياج الإنسان للإنسان، وتفاعله مع ما يحيط به.
المصدر الثاني: النظم الاجتماعية السائدة بتجلياتها الاقتصادية الانتاجية، والسياسية، والثقافية، وبانقساماتها الطبقية ونظمها الاستغلالية.
المصدر الثالث: الأديان، سواء تمثلت هذه الأديان برسالات التوحيد الثلاثة وخاتمتها الإسلام، رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، أو شملت الديانات الأخرى.
والمصدران الأول والثالث المشار إليهما ليسا متناقضين، ولا منفصلين معزولين عن بعضهما البعض، وإنما هما متصلان اتصالا وثيقا، لأن منبع وجود المصدرين المشار إليهما واحد، وهو الله الخالق للإنسان وللكون، والواضع لسننهما، وقوانين وجودهما، والمقدر بأن تكون الطبيعة وما حوت مسخرة للإنسان ومجتمعه.
أما المصدر الثاني فتأثيره مختلف، إذ يخضع للنظم الاجتماعية والاقتصادية التي يبنيها الإنسان، ولطبيعة الاستغلال الذي تقيمه هذه النظم، ولأهواء الإنسان وغرائزة، وشهواته، وتطلعاته، ومعظم ما يوصف بأنه من مظاهر الخلق السيء، نابع من هذا المصدر.
ونحن حينما نعزز خُلُقَ الحفاظ على الطبيعة من التخريب والدمار، ومن الاستخدام السيء، نعتبر أن الأصل في ذلك أن الله إذ سخر لنا الأرض وما عليها، أمرنا بأن يكون استخدامنا لها بما يحافظ على توازن هذه الأرض، وما عليها، راهنا ومستقبلا، بحيث تبقى لنا وللإنسانية على مدى الزمن الآتي.
هل يجوز للإنسان أن يحرق الغابات؟، أن يلوث البيئة؟، أن يتلاعب في جينات الإنسان؟، أن يدمر أو يغير في أسس قيام وبناء المجتمعات؟، أن يغير خلق الله؟.
الإنسان لديه القدرة على ذلك، من خلال النظام الاجتماعي والانتاجي والسياسي الذي يتبناه، ومن خلال العلوم التي يحصلها، لكن نتاج عمله سيكون مدمرا، له وللمجتمع الذي يعيش فيه، بل ولأجيال عديدة قادمة، إن فعل ذلك، وقد يصحو ـ بفعل عوامل كثيرة ـ على ما يحدثه عمله من دمار وتخريب، وقد لا يصحو إلا بعد أن يعم ذلك الدمار، ولنا في ما يحدث الآن من تخريب للتوازن البيئي، وللمناخ، وفيما أحدثته النظريات العنصرية ـ العنصرية البيضاء، والصهيونية ـ ، والاستعمارية من دمار وقتل في العالم، وما ولدته من عمليات إبادة وحروب، مثال حي على ذلك.
ونحن إذ نتحدث عن العلمانية ـ وقد خصصنا لها من سابق حلقات عدة ـ فإنها في جوهرها تستند إلى مفهومين رئيسيين: الإلحاد، والنفعية، وهذان المفهومان يقفان على الجانب المضاد لمولدات الأخلاق، لأن الإلحاد ينفي أو يتضاد مع المصدر الأكثر تأثيراً وثباتاً في الأخلاق وهو الأديان، أو الإيمان بوجود خالق، وبوجود معيار خارجي يحتكم إليه الإنسان ومجتمعه، والنفعية بطبيعتها تستدعي إخضاع المحيط الإنساني والطبيعي لما يعتقد الفرد أو الجماعة المسيطرة أنه الأكثر نفعا لها، وبالتالي فإن النفعية ـ وهي قيمة مادية بحتة ـ تصبح قيمة حاكمة في اليد المسيطرة، لا توجهها إلا مصلحة هذه القوة، وقدرتها على تسخير الأشياء في اتجاه منفعتها.
2
من حيث التاريخ، والفلسفة، والقيم، فإن الرأسمالية والعلمانية ظهيرا بعضهما، وحينما جاءت الحركة الاشتراكية الماركسية أقامت للعلمانية أكثر جوانبها صلابة “الإلحاد”، وتجسدت في هذا النظام على نحو واضح ما أطلق عليه العلماء اسم “العلمانية الصلبة، أو الشاملة”، في وقت كان فيه النظام الراسمالي قد بدأ يتراخى في تصلبه وشموله العلماني، وجاء هذا التراخي بفعل نضالات دؤوبة ومكلفة للطبقات الفقيرة في هذا المجتمع التي وقعت تحت وطأة نظريات استغلال قاسية.
** في القرن التاسع عشر قدم العالم الانكليزي توماس مالتوس(ت 1834) نظريته في النو السكاني، وصلب هذه النظرية، يقوم على أن تزايد السكان يتم بشكل متوالية هندسية، في حين تزايد الانتاج “الزراعي” يتم وفق متوالية حسابية، وهذا يولد خلل كبير في جانب اليد العاملة بين العرض والطلب، والنتيجة كوارث اقتصادية، لكن هذا الخلل لا يمكن أن يستمر، ويتم التغلب عليه وإعادة التوازن إلى المجتمع من خلال الحروب واالكوارث الطبيعية، ومن خلال ضبط الولادات، “وقف التناسل أو تنظيمه”، ونظرية مالتوس هنا تقدم للمجتمع والسلطات القائمة “المبرر الأخلاقي” للحروب والكوارث باعتبارها الوسيلة لإعادة التوازن للمجتمع، ولضبط آثار النمو السكاني.
وكان العالم ووزير المالية الفرنسي روبير جاك تورغو (ت 1776) قدم قبل ذلك نظريته في فلسفة الأجور، وجوهرها أن “أجر العامل يتحدد بقيمة المواد والاحتياجات الضرورية لمعيشة هذا العامل في الحد الأدنى”، فالعامل وفق هذه النظرية آلة، يُقدم لها ما يحتاجه العمل لتستمر في أدائه، وفي توفير الزيادة اللازمة في اليد العاملة.
** العالم الألماني ـ المنتمي لمدارس الاشتراكية الطوباوبة ـ فرديناند لاسال (ت 1864) قدم تفسيرا لنظرية الأجور حينما عرض ما سماه “القانون الحديدي للأجور”، وفيه شرح وفسر مصطلح “الاحتياجات الضرورية لمعيشة العامل في الحد الادنى”، وقدم تبريرا له، وهو يوضح ذلك بالقول: إن زيادة الأجور عن الحد الأدنى سيدفع العمال إلى التزاوج، وبالتالي سيؤدي إلى ولادات، ومن ثم إلى توفر يد عامل جديدة، فائضة عن الحاجة أو غير منضبة بالحاجة، وإن ضغوطا جديدة ستتولد عن هذه الزيادة تدفع إلى خفض الأجور مجددا حتى تعاود الاستقرار عند “الحد الأدنى الضروري لمعيشة العمال”، وهذا تفسير “القانون الحديدي للأجور.
ما تقدم يمثل أساس النظرة العلمانية، للسكان، وللعمال، وللأسرة “العائلة”، وهي نظرة مادية صرفه، ليس فيها أي أثر لكرامة الإنسان، ولا لتميزه بكونه إنسان.
ولا شك أن هذه النظرة لم تبق في هذه الحدود، لأن هذا النظام المادي العلماني إضطر بفعل عوامل عديدة يتقدمها النضال متعدد الأشكال للطبقة العاملة في تلك البلدان، وكذلك بسبب ما وفرته حركة الاستعمار من خيارات ـ مغتصبة من ثروات الشعوب المستعمرة ـ أمام الرأسمالية الصاعدة، إلى التخفيف من الضغوط على الطبقة العاملة في هذه بلدانها، لكن جوهر النظر إلى الإنسان والأسرة لم يتغير كثيرا، وبقي الانسان/ العامل مجرد “شيء”، أو عامل من عوامل الانتاج، وبقيت الأسرة “مفرخة” لليد العاملة، تضبطها احتياجات العمل. ونضيف على هذه الصورة العامة أن تلك المكاسب التي تحققت لليد العاملة في تلك المجتمعات تعرضت دائما للانتكاسة كلما ضاقت فرص الاستغلال التي وفرتها من سابق حركة الاستعمار، وتوفرها راهنا الشركات متعددة الجنسيات، ومثل هذه الانتكاسة تمثل عاملا رئيسيا من عوامل الاضطرابات الاجتماعية التي تشهدها هذه البلدان بين الحين والحين….
(يتبع في الجزء الثاني)



