مقالات
العماد عون.. والجمهوريّة

خاص “المدارنت”..
في لبنان، كلّ مارونيّ – بخاصّة الضابط في الجيش – يطمح الى رئاسة الجمهورية؛ وميشال عون لم يكن استثناء – وإن كان أشدُّهم “طَمَعًا” في الوصول الى هذا الموقع – مهما كانت النتائج!
في عام 1989 قام العماد ميشال عون، قائد الجيش انذاك، بتسلُّم سلطة رئاسة الجمهورية اللبنانيّة من رئيس الجمهورية، المنتهية ولايته دون التمكُّن من انتخاب خلف له، أمين الجميّل.
حكم العماد بالحديد والنار، ولم يفرِّق في ذلك بين مسيحيٍّ ومسلم؛ فقد طالت نيران مدافعه الأشرفية وكسروان كما طالت المزرعة وعين المريسة وشتورا، إلى ان نشأ توافُق أميركيّ – سوريّ بإنهاء “حركته”، فقامت طائراتان سوريّتان بقصف القصر الجمهوريّ ايذانًا بمرحلة جديدة، يكون اتِّفاق الطائف فيها هو الرافعة الأميركية – السوريّة – السعوديّة لمرحلة لم يعرِف لبنان ولا غيره، مثيلًا لها، في هدر اموال الدولة ونهبها، وفي دوامة الفساد والافساد، وتقاسم وتحاصص السياسة والاقتصاد وكلّ مؤسّسات ومقوِّمات البلاد و العباد.
قام لبنان، منذ أن بدأت مسيرة البناء والاعمار، في بداية التسعينات من القرن الماضي، على نظام من توزيع كلّ موارد ما يسمّى بالدولة على الطبقة السياسيّة كلِّها، بشكل او بآخر، وتوزيع المناصب والمواقع الإدارية و الوظائف، من أعلاها الى أدناها، على الأقطاب الذين بدورهم كانوا يبيعونها، بالاسعار المناسِبة، بالمزاد السرِّيِّ حينًا، والعلنيِّ المُبَطّنِ أحيانا.
استشرى الفساد والمحسوبيّة في كل مفاصل الادارة والدولة والمجتمع، من اوسع الأبواب، واصبحا الى حدٍّ كبير، سِمَة المرحلة وعنوان النجاح والتقدُّميّة والتحرُّر والانطلاق.
شيئًا فشيئًا تطبّع معظم الناس والطبقة السياسيّة، كلُّها، على نمط من الحياة الاجتماعيّة صار فيها كلّ ما يخالفها ساذجًا و”غشيمًا “ومنبوذا.
ثمّ جاء الزلزال في 14 شباط 2005، باستشهاد رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري، لينهي التفاهم الاميركيّ – السوريّ – السعوديّ، ويخلط الاوراق من جديد فتظهر تحالفات من وحي الحدث لتستقرَّ، في أقل من سنة، على تفاهم وتحالف بين حزب الله والعماد ميشال عون.
قام هذا التحالف، الذي امتدّ الى باقي القوى السياسيّة، بشكل مباشر او غير مباشر، على اطلاق أيديهم في الادارة والاقتصاد، بشرط أن يبقى السلاح في يد حزب الله – خارج سلطة الدولة بكاملها.
هذا التفاهم، أدّى الى إحكام سيطرة حزب الله على السياسة الخارجية والأمن، بينما انهمك كلّ الآخرين في نهب المال العامّ، وبناء ثرواتهم المتراكمة داخل البلاد و خارجها.
جاء الاستحقاق الرئاسيّ بعد انتهاء مدّة الرئيس العماد ميشال سليمان، ليضع حزب الله امام الوفاء بالوعد الذي، ربّما، كان قد قطعه للعماد ميشال عون، من ضمن التفاهم الذي تمّ بينهما عام 2006، بترشيحه لرئاسة الجمهوريّة.
بهذا دخلت البلاد في دوّامة عدم اكتمال نصاب جلسات مجلس النواب، لحوالي سنتين ونصف السنة، من عقد جلسة لانتخاب الرئيس العتيد؛ إذ تمّ تعطيل الجلسات كلّها، من قِبَل حزب الله و حلفائه، لكي لا يأتي رئيس غير العماد.
في هذه الأثناء كان دولة الرئيس سعد الحريري خارج لبنان، لاسباب يعتبرها تتعلّق بأمنه الشخصيّ وحياته. فجأةً، عاد الى بيروت، وبدأ يسوِّق للاسراع في انتخاب رئيس للجمهوريّة، وابدى استعداده للتخلّي عن مرشّحهِ سمير جعجع وترشيح سليمان فرنجيّة – احد حلفاء حزب الله الأساسيّين.
إزاء هذا الواقع، الذي بدا مستجدًّا، تمسّك حزب الله بمرشّحِهِ ميشال عون، بشدّة، وذهب سمير جعجع – الذي تخلى عنه الحريري – الى تفاهم مع خصمه القديم العماد ميشال عون، فأعلن الحريري انّه يقبل بانتخاب الاخير رئيسًا للجمهورية، ثمّ قام على وجه السرعة بعقد صفقة التسوية الرئاسية، المعروفة مع جبران باسيل، صهر العماد، يكون بموجبها عون رئيسًا للجمهوريّة والحريري رئيسًا لمجلس الوزراء.
.. وهكذا كان، بموافقة البعض وقبول البعض الآخر، فدخلت البلاد في الحلقة الأخيرة من التسويات والمحاصصات ومشاركة السلطة.. الى ما هنالك من أطُر لاقتسام ما تبقّى من بلاد وعباد.
تفاقمت المشكلات الاقتصاديّة، فانهار البلد تحت وطأة تلك التسوية المشؤومة، الى ان انفجر الوضع في 17 تشرين الاوّل من 2019، في مظاهرات عارمة تطالب باستقالة كلّ أفراد الطبقة الحاكمة ومحاسبتها، واسترداد الاموال المنهوبة التي هرّبوا معظمها الى خارج البلاد.
استقال الحريري، واستمرّ عون وبرّي وحلفاؤهما، وتمّ تكليف حسّان دياب برئاسة الحكومة كمرحلة انتقاليّة – يخلق الله ما لا تعلمون!
تسارعت الاحداث نحو الانهيارات في الاقتصاد والعملة الوطنيّة والسياسة والامن، الى ان تتوّجت بتفجير مرفأ بيروت، الذي دمّر المنطقة المحيطة به، كلها، وأودى بحياة مئات اللبنانيّين وبالحكومة، وبما تبقّى من سمعة لصانعيها.
جمهوريّة العماد عون وصهره، صارت في مهب الريح؛ فهل نحن أمام ارهاصات جمهورية، او جمهوريّات جديدة؟!



