مقالات

“العونيّة”.. أنا أو لا أحد!

اللوحة بريشة دلال القيسي
  1. كتب محمود القيسي/ لبنان

خاص “المدارنت”..

أفكرُ في كل مَن فقد ما لا يُستعاد
أفكرُ في اليتامى الضعاف الذابلين كالزهور
في البحارة المنسيين في جزيرة
في الأسرى.. في المنهزمين والأخرين..

في أكفان السحب اكتشف جثة غالية
وعلى الشواطيء السماوية أشيدُ توابيتاً حجرية..

يُخيلُ إليّ أحيانًا أن دمي ينفجر
كأن ينبوعاً يتدفق بنشيجٍ  موقع

إنني أحسّ تماماً وهو يتدفقُ بخرير طويل
ولكنني أحاول عبثاً أن أهتدي لمكان الجرح..

الألوان تشحب، ويداي ترتجفان وأريد أن أنام.

* بودلير – مقتطفات من “أزهار الشر”!

اتضح مؤخراً إن جهنم “العونية”، أو جهنم فخامة الجنرال الرئيس، تنطوي على عناصر “إيجابية” في “عقل” العونية السياسية المريض في حب السلطة والأنا المريضة في العونية المريضة في السلطة والهيمنة المريضة. كما أتضح في خريف سلطة الجنرال، وخطة “الإصلاح والتغيير” العونية غير الموجودة أصلاً نظرياً وعملياً.. بالإضافة إلى “خريف” الجنرال الاصلاحي تاريخياً في برنامج تنفيذ الإصلاح والتغيير في مجرد “ورشة” بدائية بقيادة “صبي” كراج ميرنا الشالوحي.

ورشة بدائية من عصر ما قبل الثورة الصناعية الأولى وثورات الإصلاح السياسي الكلاسيكية والتقليدية تاريخياً.. كما أتضح لدى عونية جهنم إن ما يجري في لبنان من انهيارات إجتماعية وإقتصادية وسياسية ومالية لم يشهد لها العالم مثيل.. ليست سوى إمتداد طبيعي في عقل العونية المريض لما يجرى في هذا العالم من حروب وأزمات وكوارث بيئية ومناخية وأمنية وتضخم وتراجع في الدخل والخدمات والتقديمات والأمراض الجرثومية والبكتيرية وإلى آخره… ليست في عقل العونية المريض في الأنا العليا المريضة إلا أمتداد طبيعي لما يجري في عهد العونية التي جاءت إلى الحكم في التوقيت الغلط كما يدعي ويفند “عباقرة” و “جهابذة” و “فلاسفة” العونية “الأممية” في الفكر والنظرية والتطبيق والممارسة على أرض الواقع في عقل الهُوَ والأنا والأنا العليا المريضة في التيار الأعلى المريض!

أتضح إن عهد العونية الجهنمي بريء من دم لبنان وسلسلة الانهيارات الماراتونية المتلاحقة في عالم تعاني فيه الولايات المتحدة الأميركية أكبر خلل استراتيجي معاصر في تاريخها المعاصر.. بريء من دم المواطن في عالم تسوده مصارعة ثيران القوى السياسية العظمى على مناطق نفوذها وخرائطها.. بريء من الجوع والتجويع في عالم مأزوم اقتصادياً ومالياً وسياسياً.. في عالم فيه ما فيه وعليه ما عليه.. بريء من إنهيار العملة اللبنانية الوطنية التي أصبحت مجرد حبر على ورق في عالم البورصات العالمية المتصارعة على العملة الصعبة والطاقة والذهب وحروبها الرقمية صعوداً وهبوطاً لغاية في نفس يعقوب الرأسمالية الحامل دائماً على مدار العالم.. بريء من الفقر والعوز وانقطاع المياه والدواء والاستشفاء وتفشي العلل والأمراض في عالم الجوع والمجاعة والجفاف واختفاء الطحين والحبوب وارتفاع افقي لأسعار الطعام والشراب.. في عالم السلالات الجرثومية والبكتيرية القاتلة والمتحولة والمتحورة من وإلى ولسوف ولعلّ.. والقادمة في فصل الخريف القادم والثلج القادم والحروب القادمة والموت القادم؟!

في حين يختلط حابل الاستحقاق الرئاسي مع نابل الترسيم والمساومات والتنزيلات السياسية. يختلط حابل الوضع السياسي مع نابل “الزبالة” السياسية المتراكمة والمناقصات السياسية المشبوهة والمتراكمة في نهاية أوكازيون عهد من جاء إلى قصر الشعب اللبناني على كرسي متحرك.. ويغادر قريباً على جثة الشعب اللبناني على الكرسي المتحرك. في مقدمة روايته “العمى”، يقول جوزيه ساراماغو:

“إن أيادي الحكومات المتسخة تخصص موازنة ضخمة لشراء القفازات لإخفاء قذارتها”.. العمى ايضاً هو ان تعيش في عالم أنعدم فيه الأمل بسبب الضعف وأحياناً أخرى بسبب قوى لم نكن” نحسب حسابها”. من المذهل انك حين تقرأ العمى وتنتهى من أخر سطر في الرواية ستصاب بالخرس! ستشعر للحظة إنك فقدت حواسك وتهت في نفسك في خوفك في رعبك في حقيقتك في حقيقة العالم, عالمك وربما لن تستطيع الخروج لساعات من العمى.. الرعب الحقيقي, وأسوأ كابوس يمكن آن يصيب الانسان, عندما تنهشه الوحوش الضارية كل دقيقة في حياته من دون أن يقاوم.. ومن دون أن يموت ليرتاح.

لم يبقَ من عهد (النواصة) والعتمة، ومولدات التغذية والخبز الحاف سوى جرثومة العتمة والصهر الذي كسر الظهر.. صهر الرئيس الجنرال، وجرثومة الطاقة في شرايين البلاد التي لم يعد لديها طاقة.. في البلاد التي لم يعد لديها القدرة على الوقوف.. والقدرة على الجلوس.. والقدرة على النوم.. والقدرة على الموت؟!

الهو والأنا والأنا العليا ثلاثة مصطلحات قدمها سغموند فرويد يعتبرها علم النفس psyche حسب ما تدعى «النظرية البنيوية» “structural theory” لسيغموند فرويد. في عام 1932 قدم فرويد هذه المصطلحات الثلاث ليصف فكرته عن التقسيم بين العقل الواعي conscious والعقل اللاواعي: الهو ‘id’ والأنا ‘ego’ والأنا العليا ‘super-ego’. يعتقد فرويد أن هذه المصطلحات تقدم وصفا ممتازا للعلاقات الديناميكية بين الوعي واللاوعي فالأنا (غالبا ما تكون واعية) تتعامل مع الواقع الخارجي، والأنا العليا (واعية جزئيا) هي الوعي أو المحاكمة الأخلاقية الداخلية (The Freud Exhibit: L.O.C.).

في حين يمثل الهُوَ اللاوعي، وهو مخزن الرغبات والغرائز اللاواعية والدوافع المكبوتة. وبهذا تُصبح مهمة الأنا شاقة ودقيقة، فيجب على الإنسان مراعاة التوازن بين الأنا والهو والأنا العليا، حتى يحقق حالة من السلام الداخلي له ولما يمثل.. لكن في حال تعظيم الأنا تصبح الأنا حالة مرضية و”سيكوباتية” في أحيان كثيرة ومخيفة.

ما يحدث في بعض الأحيان أن الإنسان تتشكّل لديه الذات الوهمية أو الزائفة “الأنا”، في أفكاره ومعتقداته، في مرحلة مبكرة من عمره، وحين تتعاظم الأنا بداخل الإنسان، “يمارس سلوك التكبر في محاولة منه للتوازن، ويشعر عندها بأن العالم كلّه لا يلبّي رغباته ولا يكفيه، ويطالب الجميع بأن يعملوا لتنفيذ احتياجاته ورغباته، ولا يستوعب فكرة وجود غيره، أو أن يختلف معه شخص آخر في الرأي”، بحسب المتخصصين في علوم النفس البشرية. حينها يعاني مشكلات دائمة، تنتج من بعده عن الحياة الطبيعية، وعن سجيّته وفطرته، إذ يحاول تحريك مشاعره وأحاسيسه المزيفة في خدمة إبقائه، ويركز على السلبيات، ويكون عنيداً جداً على مبدأ “أنا أو لا أحدٍ”!

تروي قصة Lady Godiva زوجة الأمير الإنكليزي ليوفريك وكان حاكماً لولاية كوفنتري خلال العصور الوسطى. طلبت هذه السيدة من زوجها أن يخفف الضرائب عن الشعب البائس لكنه رفض وبعد إلحاح شديد منها وافق على طلبها بشرط تعجيزي وهو أن تسير في شوارع لندن عارية وكان يظن أنه يطلب منها المستحيل، ولكنه فوجئ بوزيره يخبره ذات يوم إن زوجته تجوب شوارع لندن على ظهر الحصان عارية وأن الشوارع خالية تماما حيث أن الشعب عندما علم بمدى تفاني السيدة لخدمة شعبها لزم المنازل وأغلق الشبابيك والستائر حفاظاً على ستر السيدة التي ضحت لأجل شعبها.

وكانت الليدي چوديڤا على ظهر الحصان خجلة تطأطئ رأسها خجلاً من الموقف وتركب الحصان باستحياء…. ارفعي رأسك سيدتي، فانت أشرف بكثير ممن يطلقون على أنفسهم قادة ورؤساء ووزراء ونواب.. إلى آخر معزوفة الفاسدين!

* تحت سماء شاسعة رمادية، في سهل أغبر رحيب، بلا دروب، بلا عشب، ولا شوك، أو قرَّاص، التقيت كثيرين من الناس كانوا يسعون مُنحني الظهور. كلٌّ كان يحمل على ظهره سرابه الهائل، كأنه كيس طحين ثقيل، أو كيس فحم، أو عُدَّة جندي روماني.

لكن هذا الحيوان المرعب لم يكن ثقلاً جامداً؛ بالعكس، كان يحيط به، ويضغط عليه بعضلاته المطاطية والقوية؛ ويتعلق بصدر مطيَّته بمخلبيه العريضين، ورأسه الخرافي يعلو جبين الإنسان، كتلك الخُوَذ المخيفة التي كان المحاربون القدماء يأملون أن يخيفوا بها العدو. وسألت أحد هؤلاء الناس: إلى أين ذاهب؟ أجاب بأنه لا يعرف، لا هو ولا الآخرون، لكنهم أكيداً كانوا يتجهون إلى مكان ما، لأنهم كانت تدفعهم حاجةٌ لا تُقهَر إلى السير قُدُماً. إنه لأمر عجيب جدير بالملاحظة:

لم يكن أيٌّ من هؤلاء المسافرين يبدو ساخطاً على هذا الحيوان المتعلق بعنقه والمتشبث بظهره، بحيث يُخيَّل إليك أنه يعتبره جزءًا منه. تلك الوجوه المتعَبة والرصينة كلها، لم تكن تُظهِر أيَّ يأس، تحت قبة السماء الكئيبة، وبأقدام غائصة في تراب أرض مغمومة كما السماء كانت تسير بملامح مستسلمة كأولئك المحكومين بالأمل إلى الأبد.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى