الـجــوكــر الإيــرانــي!

خاص “المدارنت”..
ما من شخصية عراقية اشكالية مثيرة للجدل أكثر من مقتدى الصدر. إذ ليس من السهل تصنيفه, أو وضعه في قالب دائم كالآخرين, فهو متغير كالفصول, ومروحة لا تتوقف عن الدوران.
إشكالي لأميركا بقدر ما هو اشكالي لإيران. لم يكن مرضيا عنه دائما منها رغم إقامته الطويلة لسنوات فيها, ووصلت علاقته بها حد القطيعة عام 2012, خصوصا من المرشد الذي لم يقابله أبدا إلا العام الماضي, حين شعر مقتدى بالخوف من احتمال اغتياله, فوسط قاسم سليماني للتقرب, فاصطحبه الى طهران وأدخله على خامنئي, وبدأ بعدها يخفف من معارضتة لسياستها في العراق. وحصل على وعد بحمايته, ولكن مكتبه في النجف تعرض لتهديد بواسطة طائرة مُسيرة، ويقال أنه تعامل مع هذا التهديد بجدية, وأدرك أن الايرانيين لا يثقون به, فقرر شراء حياته برضوخه الكامل لهم!.
سليل ووريث الأسرة الصدرية النجفية، التي جسدت مرجعية النجف التاريخية (الشيعة الوطنية العراقية العربية) على مر الزمن, وظهر منها رجال كبار، آخرهم والده محمد صادق الصدر الذي اغتيل عام 1999، وتوزعت التهمة بين نظام صدام ونظام ايران، الذي كانت بينهما خلافات عميقة دينية وسياسية.
هو الوحيد بين زعماء الشيعة الذين اعترض على الغزو الاميركي 2003, وأول من قاتل الاميركيين, وشكل جيش المهدي عام 2004, وهو الجيش الذي خرجت منه فصائل الحشد كلها تقريبا, ثم حلّه بعد قرار اميركا الانسحاب عام 2010, فشكل قوات السلام, وقوات القبعات الزرق, وهو بذلك أحد مؤسسي نظام العراق الحالي منذ بدايته، رغم معارضته للمحاصصة الطائفية, ومعارضته الشديدة لحزب الدعوة وحكوماته, ولا سيما حكومة نوري المالكي بسبب نهجهما الطائفي. كما عارض حل الجيش السابق, وسياسة وحظر البعث وأنصار صدام. وشارك في احتجاجات السنة ضد سياسة المالكي الطائفية, وشارك في كل الحكومات المتعاقبة, وهو الآن زعيم أكبر كتلة نيابية (54 نائبا), وله عدد من وزراء حكومة عبد المهدي، الذي كان هو من اختاره بعد انتخابات 2018.
يصفه المراقبون بأنه ذو خط متعرج, متعدد التوجهات, متناقض, في الداخل والخارج على حد سواء, ولكنهم يتفقون على أنه بيضة القبان بين جميع المحاور العراقية. تتميز براعته في اتجاهه المعاكس ومواقفه المثيرة. وهو أول من زار الرياض عام 2017، ودعا الى عودة العلاقات السعودية – العراقية, ومهد لفتح السفارتين, وزيارة رئيس الحكومة حيدر العبادي للرياض, ثم عادل عبد المهدي للسعودية، وتأسيس مجلس علاقات ثنائية. وأبرم تحالفا مع محمد بن سلمان، وحصل على دعم مالي كبير منه, وقيل إنه سعى الى خلق توازن بين علاقاته بإيران والسعودية.
من تناقضاته الفاقعة، هجومه على نظام بشار الاسد، وتأييده للثورة الشعبية عام 2012, ثم انقلابه وارساله مقاتلين للقتال مع فصائل الحشد دفاعا عن الأسد.
يقدم نفسه كزعيم مصلح, ولكن كثيرين يكذبون هذه الصورة, لأنه شريك في كل الحكومات التي كرست الفساد, ويرونه بارعا في استغلال مشاعر الجماهير، وركوب موجات الاحتجاج منذ 2017، حين زار ساحة الاعتصامات في البصرة معلنا تأييده. وكان يدعو الى تظاهرات ضد الفساد والنفوذ الأجنبي, وتصرفات الحشد الشعبي. ومع أنه عراب حكومة عبد المهدي والبرلمان الحالي، أعلن تأييده لثورة تشرين 2019 منذ بدايتها، داعيا الى تغييرها (الحكومة)، وتشكيل حكومة من خارج الطبقة السياسية الفاسدة, واجراء انتخابات مبكرة. ثم أرسل قواته لحماية المتظاهرين في بغداد, ووفر لهم الخيام والطعام. وقال خصومه أنه يحاول ركوب الموجة فقط, ولا يدعم الثورة حقيقة.
ويقول المراقبون العراقيون، إن الصدر قام في الفترة الأخيرة بانقلاب جذري على نفسه, والانحياز الى طهران, وقال آخرون، إنه كان دائما مواليا لإيران يمارس سياسة التنكر والخداع، ليحتفظ باستقلالية شكلية عن الأحزاب والفصائل الموالية لايران بالتفاهم معها، كجزء من لعبة توزيع أدوار متقنة. ولكن اللعبة وصلت الى نهايتها بعد اغتيال قاسم سليماني, وحاجة ايران لزعماء مقبولين من الحراك الثوري لاحتوائه، ودفعه للقتال ضد الأميركيين تحت رايات المرشد الايراني, ونسيان المطالب الوطنية والاجتماعية, وليس هناك أفضل من الصدر للقيام بالمهمة. ويقول المراقبون أنه تعرض لتهديدات شديدة من ايران، أجبرته على الانقلاب, فانضم الى مجلس المقاومة العالمي الذي اسسه الحرس الثوري, ثم دعا الى تظاهرة الجمعة الماضية المليونية في قلب بغداد، تحت شعار لا لأميركا, ولكن المتظاهرين رفضوا الوقوع في الفخ, وهتفو لا لإيران, فكشف الصدر عن وجهه وتخلّى عنهم، وشارك مع بقية الفصائل وقوات السلطة في الهجوم على الحراك, واطلاق النار واحراق خيامهم.
الشارع العراقي، الآن، وللمرة الأولى، يهتف ضدّ الصدر (شلع قلع واللي قالها واحد منهم)، ووصفوه بالخائن لتاريخ أسرته, وللشعب العراقي.
فهل كان الصدر منذ عام 2003 مواليا لايران، ويقوم بدور مزدوج, كما يرى البعض, أم كان كان يقوم بدوره ورسالته بواقعية شديدة، مضطرا للموازنة بين خطه الوطني, وضغوط ايران التي سيطرت على العراق, ولم يعد ممكنا تجاهل هذه الحقيقة المؤلمة, وكان مضطرا للتكيف معها؟
الله أعلم, ولكن الأمر المحسوم، أن مقتدى الصدر أصبح في نظر غالبية العراقيين (كارت جوكر السياسة الايرانية), وخسر مكانته السياسية كزعيم وطني، يتسم بقدر من الاستقلالية، والتميز عن أعوان ايران وعملائها.



