مقالات

الــشـــعــــــب والـــفـــــراغ..!

ناجي سعيد/ لبنان

خاص “المدارنت”..

.. وأخيرًا.. يقول أبا ذرّ الغفّاري: “عجبتُ ممّن لا يجد القوت في بيته ولا يخرجُ على الناس شاهرًا سيفه”.

بهذه المقولة ختمتُ المقال السابق عن الحكومة والفراغ. ولأني لا أحبّ أن يكون قولي ناقصًا، أو يقتصر على تحميل الخطأ لطرفٍ واحد، فبالطبع كُلّنا مسؤول، وليس “الراعي” مسؤول عن رعيّته، أو غنماته كما هو الواقع.

وبداية القول بالتعمّق قليلاً بمقولة أبي ذرّ الغفّاري، فهل كان يقصد فعلاً بمصطلح “القوت” الغذاء فقط؟ أو ما يشمله من حاجات فيزيولوجيّة، تساعد الإنسان على الآستمراريّة في حياته ليمارسها بشكل طبيعي؟ وهذا واضح جدًّا وسهل الفهم على عامّة الناس. ولكنّ في ماورائيّات المعنى مفاهيم حقوقيّة، تسند وتقوّي “اللقمة” التي يطلبها الإنسان ليعيش، فمن الطبيعي أن نأكل لنعيش لا أن نعيش لنأكل.

ولستُ من هواة الشعارات الرنّانة، التي تمزج اللقمة بعرق الجبين والكرامة و… الخ.. وما ألحظه من يوميّات نعيشها، أو بالأحرى يعيشها من أخالطهم، زوجتي، أهلي، أهل زوجتي، والجيران ليس قوتًا.

التلفاز الذي يمثّل نافذة للعالم يطلّ منها على كل بيت، بل يحشر أنفه في كل عائلة من دون علمها، يتدخّل في التربية وتغيير القيم لهذه العائلة. فلباس البحر (المايوه) ممنوع على ابنة العائلة، وكم هو جميل على جسد بطلة المسلسل التركي مثلاً..

وحتّى السلام باليد (قبل زمن الكورونا) ممنوع ومحرّم، والقبلة مليئة بالأحاسيس بين شاب وصبيّة يعشقان بعضهما البعض. وهذا الكلام لا يشكّل دعوة إلى تغيير عادات نابعة من قيم وتعاليم دينية. لكنه انتقاد شديد لتناقض قد يدمّر قيمنا الداخلية، التي وُجدت أصلاً مع شعبٍ بفطرته هو مُحبّ وخيِّر، ويمجّد التعاون والتضامن، ويبرز التكافل المجتمعي عند الشدائد والمحن، والحروب والإنفجارت دلّت بوضوح على ذلك، من عدوان تموز، حيث فتح أهالي المناطق بيوتهم لإستقبال أبناء المناطق المتضررة، وصولا إلى الإنفجار المشؤوم  في المرفأ، ونتمنّى أن يكون الأخير، حيث هبّت الناس تساعد المنكوبين.

لا يمكن أن ننتقد فراغ “حكومي” ونحن غرقى بالفراغ القِيمي. نعم فهذا يُسمّى فراغًا قِيميًّا! يمكن ملء هذا الفراغ بأي مادّة تصادفه، فالجسم “لبّيس”.

أثق تمامًا بنفسي، وتربيتي لابنتي لم تخلو من القيم التي جعلتها هي تثق بنفسها أيضًا، فالثقة نكتشفها بداخلنا ولا يمنحنا هي أحد. وهذا التعامل الذي أجده سليمًا مع ابنتي ذهب بها إلى متابعة الأفلام القيّمة وقراءة الكتب المُهمّة. فتحرّرت من نافذة مفروضة وموجّهة سياسيًّا، فكل تلفاز مرتبط بجهة سياسية، واختارت هي نافذتها واشتركت (بالنتفلكس) لتختار ما تُشاهد، من دون إملاءات وتوجيهات تخدم فئة يجمعها التهميش ويفرّقها الإنتماء.

إن ابناء الجنوب والبترون وجبيل وبنت جبيل يختلفون في التصفيق لنفس الزعيم، ويلتقون بشراهة عند الحديث عن البطل، الذي ترك حبيبته أو العكس في مسلسل تافه التفاصيل. أن السلطة السياسية في لبنان تُهمنا في اختلاف على من سيسمّي رئيس حكومة، ولكن مُتّفقون تمامًا على تضليل الرأي العام وتهميشه وتعويم القضايا الأساسيّة التي تحدّد مصير الشعب الجائع.

الشعب الذي عَجِبَ أبا ذرُّ الغفاري ممّن لا يجد قوتًا في بيته، ولا يخرج على الناس شاهرًا سيفه.. ومع تقديري الشديد لهذا الشعور بالإنسان الجائع، ولكنّ أنا عجبتُ جدًّا ممّن لا يجدَ الحبّ في بيته، ويخرج على الناس شاهرًا قلبُه.. لنصبح شعبًا واحدًا، أصالتنا الحبّ، وسيفُنا القلب، فقد أُتخمنا بالجراح والآلام.. والفراغات.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى