الــفــتــنـــــة..

خاص “المدارنت”..
متى تبدأ الفتنة؟ أقصد من أين تأتي؟ وهل هي خارجيّة المنشأ؟ أم من داخل الإنسان؟ لا بدّ لنا بدايةً، أن نعترف بأن تراكم الإشاعات هو الرذاذ الذي يتكثّف ليصدقه الناس، فيتحوّل إلى فتنة، تُشعل خلافات، فتلبس لباس حربٍ أهليّة.
لستُ متشائمًا ولا سلبيًّا، لا بل أتحمّل تنمّر الكثيرين الذين يستهزأون بمواقفي وآرائي الإيجابية. لقدّ تعلّمتُ من قراءاتي للشاعر، بل الفيلسوف عمر الخيّام الكثير من المواقف وآمنت بها. وأعتمد جملةً قرأتها له كفلسفة في حياتي: “الجنّةُ والنار هُما في ذاتِ نفسك”.
واستنادًا إلى فلسفة الخيّام، فإن الفتنة هي مادّة تُلد في الداخل الإنساني. وكيف تلِد؟ تكاثر الفتنة ليس بيولوجيًّا، بل كيميائيًا، نعم، فقد أخبرنا أستاذ الكيمياء أثناء فترة الدراسة الثانوية، معلوماتٍ عن الجدول الدوري للعناصر الكيميائية، بأن العنصر لا يترك مكانه إلا في حال انقسم إلى ما يُسمّى “فلزات”، فتأخذ الفلزة مكانًا نتيجة تغيّر ما يحدث للعنصر..
وفي حديثنا، فإن الفتنة كمفهوم موجود داخل الإنسان، ولا يهم موضعه في القلب أم في العقل، فليس هذا بحثنا، ومن دون الإستناد إلى مرجع علمي، أكاذ أتيقّن بأن الجسم البشري يعمل بالطريقة البيولوجيّة، التي تخضع لتفاعل العناصر الكيميائية بداخله.
فنوع الطعام والشراب ووقت تناولهما، يؤثّر مباشرةً على عمل الدماغ وإتخاذ المواقف التي يبذل جهده القلب لإقناعنا بصوابيتها.
فكيف تقنع الحاجّة “أم سماعين” المُزارعة زوجة المُزارع – وهذا مدعاة فخرٍ طبعًا – بأن قادة وزعماء الطائفة هم بشرٌ عاديون ومعرّضون للخطأ؟ هل يجوز أن يُخطئ الأستاذ والسيّد والبيك والشيخ؟ لقد كانت فرحتي لا تُوصف حين انطلقت ثورة 17 تشرين، وسبب فرحتي كان بأن نضالي الذي بدأ في الساحات (بدنا نحاسب وطلعت ريحتكم)، إقتصر على ساحات العاصمة بيروت فقط. وأول خطوة بداية ناجحة كانت للثورة، بن الشعب الجائع كسر الأيقونات التي كانت أفيونًا يمنعهم من النهوض. ففي كل منطقة نزل الناس إلى الساحات، والمشكلة بأن “الناس” كانوا فقط جيل الشباب.
ليس هذا مُعيبًا، فالشباب “ثروة وثورة” كما يقول ميخائيل نعيمة. فالشباب وحدهم استطاعوا كسر مركزيّة التغيير المنشود. التغيير لا يُحصر في الوسط، بل ينتشر ليطال الأطراف. وبخاصةً الأطراف المهمّشة من دولتنا ال..
لم أجد صفة مناسبة لهذه اللادولة. كَثُرت الثرثرات بعد حادث مؤلم ومؤسف في لبنان الحبيب، وبعد الحادث الذي سبّب الآلام للكثير من الناس، عزائي الخالص للجميع طبعًا، تطفو على وجه الأحاديث فتنةً، مجبولة بمشاعر الألم والإنجراح الذاتي لهويّة فئوية مقسومة، بسبب غياب الهوية الوطنية الأساس.
عانى لبنان من حربٍ أهليةٍ، ظنّ البعض أن وقف إطلاق النار كان نهايتها. والمشكلة بأن الحرب الأهلية ما زالت مُلقية بأوزارها على أكتاف اللبنانيين جميعًا.
ومشكلتي حين تبنيّت شعار “كلّن يعني كلّن”، قاذفني الأصدقاء والأقارب والمعارف، باستثناء زعيمهم المُحبّب، بأن “فلان غير.. ما سرق وما جمّع ثروة”، وقد قدّم الى لبنان التضحيات الكثيرة..
أولاً: إن النضال والتضحية هما واجب وطني، ولا يجوز تربيح أحد “جميلة”.
ثانيًا: ليس الواجب الوطني مدعاة فخرٍ لمعايرة الآخرين على قاعدة: “بيّي أقوى من بيّك”!! وأقول وبجرأة، أنا مُستعدّ لمناقشة أي مُعترض على كلامي: مواجهة العدوّ والنصر عليه هي بطولة نفتخر بها، ولكنّ ليست البطولة هي جواز سفر للغوص في بحر الفساد، فمن ينزعج من صورة وضعتها على وسائل التواصل الإجتماعي بصيغة “كلّن يعني كلّن”، شملت الزعماء جميعًا، فأبناء الجنوب رفضوا أن أضع السيّد والأستاذ معهم، تمامًا كما ابن المتن وبشرّي رفض أن يكون الحكيم بينهم!
إن أخطر نتيجة للحرب الأهليّة، ولا يدركها مُعظم الناس، هي عقلية “عاطفيّة” لا تسمح للإنسان باستخدام دماغه، ليُفكّر من هو المسؤول الذي يعمل لصالحه.
وليست إستقالة الحكومة (التي لم يجرؤوا على إتخاذ قرار مُستقلّ بها) سوى تعبير عن فشل ذريع بمسؤولية يجب أن تكون مُلمّة بتفاصيلها.
وقد أعلن أحد الزعماء عن رغبته في بقاء الحكومة، وهذا طبيعي لأنه لا يهتمّ بما يريد الناس.
في أي دولة تحترم الإنسان يستقيل فورًا الوزير المسؤول عن حادث يُسبب خسائر مادية ومعنوية ومرتبط بوزارته. للأسف، بعض الناس لا يُدركوا حجم الخسارة، بل ينظرون للحادث بعين التملّص من التهمة.
فلكثرة فساد الزعماء، يفلح مناصروهم بالتبرير وتبييض صفحتهم، من إحدى الجرائم التي ارتكبوها.. وغيرها كثيراً.



