الـمـســافــة الـزمـنـيــة لـلوعــي..

خاص “المدارنت”..
.. إذا تمعنا ونظرنا وبعمق عميق إلى واقعنا، كأفراد وكمجتمعات وكأمة في المقام الأول, لما نحن فيه وعليه, وفي المقابل تمعنا ونظرنا وبعمق إلى حال المجتمعات والأمم الأخرى المتحضرة والمتقدمة, بخاصة الأوروبية منها, ومن ثم قارنا بينها وبيننا, لوجدنا بأن هناك هوة عميقة جدا جدا بيننا وبينها, تلك الهوة لا تقتصر فقط على مدى التقدم التكنولوجي والعلمي والحضاري بمفهومه المادي, إنما الأهم منها والأكثر خطورة وأهمية على واقعنا، هي تلك الهوة العميقة بيننا وبينهم، والمتمثلة بمسألة الوعي واللاوعي الجمعي الاجتماعي للأفراد عموماً وبخاصة.
إن تلك المجتمعات والأمم المتحضرة والمتقدمة، تعيش وعي ما بعد الحداثة ،بما يسمى بـ,,عصر ما بعد الحداثة,,، والذى بدأ منذ أوائل الستينات من القرن الماضي, الذي جاء بعد ,,وعي الحداثة,,، كثمرة لما يسمى بـ,,عصر الحداثة,, الذي جاء بعد “وعي التنوير”، كثمرة لما يسمى بـ,,عصر الأنوار أو عصر التنوير,,، والذي بدأ يتشكل في القرن السابع عشر, ناهيك عما قبله من عصر ما يسمى بـ,,عصر النهضة,,، والذي كانت بدايته منذ القرن الرابع عشر الميلادي, وكان أهم ما يميزه هو حركة الإصلاح الديني، والذي توج بالبروتستانتية على يد مارتن لوثر، وذلك في النصف الأول من القرن السادس عشر.. إلخ.
أما إذا رجعنا إلى بداية القرن الثالث عشر الميلادي، وتحديدا إلى العام 1225م منه، والذي وضع فيه ميثاق يحدد سلطات الحاكم ,الملك, في بريطانيا وقتئذ, ذلك الميثاق الذي جاء ثمرة لما يسمى بـ,,الماجنا كارتا,, أو ,,الوثيقة العظمى,,، التي صدرت في العام 1215م، ثم عدلت بعد عام من ذلك أي في العام 1216م، والذي جاء ذلك الميثاق تتويجا لها.
أضف إلى ذلك, فإن الجامعة البولندية التي درست فيها وتخرجت منها ,,جامعة ياجولونسكي أو ياجولينيان,,، كانت قد أنشئت في 12 مايو من العام 1364م. أي بعد سقوط بغداد والحواضر الأخرى، على أيدي جحافل المغول بـ146 سنة, والذي كان في العام 1258م, وقبل سقوط آخر معقل من معاقلنا في الأندلس ,,غرناطة,,، ممثلا بـ,,دولة بني الأحمر,,، على يد الملكة ايزابيلا والملك فيرنانديو ,,ملوك ليون وقشتالة وأراجون,, في شبه الجزيرة الأيبيرية ,بـ148سنة, والذي كان في العام 1492م, بل إنه العام الذي اكتشف فيه كريستوف كولومبوس العالم الجديد ,,القارتين الامريكييتن,,، وكأن التاريخ يقول لنا بأنه في الوقت الذي سقطت آخر معاقل حضارة قديمة زائلة, بدأت فيه بوادر حضارة جديدة قادمة.
أما نحن كأمة فنعيش ,,وعي التخلف المقدس,,، والذي أنتج كل ما نحن فيه وعليه، فإن هناك فرقا كبيرا، وكبيرا جدا، بين أن تكون تلك التكنولوجيا الحديثة نتيجة طبيعية وحتمية تاريخية، وانعكاسا حقيقيا لتطور الوعي الذي أنتجها وصنعها, ملبية لحاجياته واحتياجاته, وبين أن تكون مستوردة ونتعامل معها وفقا لـ,,وعي التخلف المقدس,,، وفي إطاره. وأيضا, فإننا إذا نظرنا وبعمق إلى ما نحن فيه وعليه، لوجدنا بأن الأوضاع التي نعيشها ,,وعيا قبل سلوكا,,، تشبه إلى حد كبير تلك الأوضاع التي كانوا يعيشونها في بداية القرن السادس عشر الميلادي. أي أن الفترة الزمنية على مستوى الوعي، بيننا كأمة وبينهم تصل إلى خمسة قرون على أقل تقدير, ويمكن أن نطلق عليها مسميا هو: ,,المسافة الزمنية الوعيية,,.
بمعنى أوضح وأجل: عندما نسافر إلى تلك البلدان المتحضرة والمتقدمة، والتي تعيش ,,وعيا,, في ,,عصر ما بعد الحداثة,,، لأي سبب من الأسباب، أو غرض من الأغراض, فإننا نقطع ,,مسافة زمنية وعيية,,، تقدر بما لا يقل عن خمسمائة سنه, إذا لم تكن أكثر, وعندما نعود إلى مجتمعاتنا وبلداننا، فإننا نعود إلى الوراء بنفس تلك ,,المسافة الزمنية الوعيية,,.
الخلاصة: إننا كأمة نعيش في أسوأ مراحلها التاريخية, مرحلة فقدان الهوية التاريخية والحضارية, وإنما يحدث فيها وعلى أرضها من صراعات ايدلوجية وعقائدية ودينية ومذهبية وفكرية وثقافية واجتماعية وطائفية وفئوية.. إلخ. ما هو إلا خير دليل على ذلك, كل يحاول من خلال الصراعات تلك وعبرها، البحث عن تلك الهوية المفقودة والغائبة. إنها “مرحلة التيه الوطني” على مستوى الأوطان, و”مرحلة التيه العروبي “على مستوى الأمة.. لكن وفي نفس الوقت, فمن مرحلة التيه تلك، تولد مرحلة جديدة مختلفة كل الإختلاف عما سبقتها من مراحل, بخاصة منذ إنطلاقة ما تسمى بـ”ثورات الربيع العربي”، التي إنطلقت في نهاية العام 2010م، وبداية العام 2011م، وما تزال مستمرة حتى الآن، ولن تتوقف، تلك المرحلة التي بدأت وقتئذ أستطيع أن أسميها شخصيا بـ”مرحلة الإنبلاج الحضاري الجديد” لأمتنا, ولا شيء سواها، مهما كانت التضحيات والنكبات والمأسي، فمن رحم كل ذلك يولد فجر جديد, بإذن الله تعالى, طال الزمن أم قصر، شاء من شاء وأبى من أبى ،وما تاريخ الأمم الأخرى, قديمه وحديثه, إلا خير دليل وانصع برهان، وأقوى حجة دامغة على ذلك. إن إيماني شخصيا بأمتي كبير وكبير, إيمان لا يعرف الحدود ولا الحواجز, إيمان لا يعرف اليأس ولا القنوط، ولا الإحباط، إيمان بحجم طموحاتي.



