مقالات

الفائزون في الانتخابات النيابية والإمتحان الصعب

د. محمود المسلماني/ لبنان

خاص “المدارنت”..

جرت الإنتخابات بسلام، وجاء المولود الجديد بخدوش طفيفة؛ لكنّه سالم معافى. الشحن كان على أشدّه. حملات تخوين وترهيب، عمليات غشّ وتزوير، اتّهامات واستفزازات وتوتّرات واعتداءات… كلّ ذلك حصل، وكان متوقّعا”. ومع ذلك تابعت العملية الإنتخابية مسيرها المرسوم لتنتهي الى ما انتهت اليه من نتائج معلنة.
كنّا قد نبّهنا الى مغبّة المقاطعة والإنكفاء عن التصويت؛ لأنّ صندوق الإقتراع الذي سيخلو من أصوات المقاطعين سيشغله أصوات خصومهم المعارضين لنهجهم ومشروعهم السياسيّ والوطنيّ. لذلك كانت دعوتنا الى مشاركة واسعة تؤكّد حضورنا الفرديّ كشخصيّة واعية مسؤولة، ودورنا الفاعل في الحقل الإجتماعي، واضطلاعنا بالمسؤوليّة الوطنية والإنسانيّة. وقد جاءت النتائج تثبت بالتجربة صوابيّة ما دعونا إليه.
لقد حقّقت الإنتخابات رغم عيوبها قدراً معقولاً من التغيير يتناسب وحجم المشاركة الحاصلة والوعي المتمثّل فيها. وكان يمكن لدائرة التغيير أن تشهد مزيدا من الإتّساع وقدراً أكبر من الفاعلية والتأثير لو كانت المشاركة أعلى نسبة وأوسع نطاقا”.
مهما يكن، فقد عكست التركيبة الجديدة للمجلس تطوّراً نوعيّاً تمثّل بوصول مجموعات جديدة وقوى سياسيّة عزّزت وجودها على حساب مجموعات وتكتّلات ذات توجّهات مختلفة.
في هذه التركيبة الجديدة برزت مجموعة التغييريين الذين بتصدّر اهتماماتهم مشروع مكافحة الفساد، وتحرير مرافق الدولة من آثاره الوخيمة، فضلا عن تطوير بنية النظام لتحسين أدائه في الاستجابة لقضايا الناس المشروعة.
كما برزت الاتّجاهات السياديّة التي تتبنّى مشروع بناء الدولة القويّة، القادرة التي تمتلك وحدها حقّ حيازة السلاح من خلال قواها العسكريّة والأمنية الشرعيّة، ممّا يمكّنها من بسط سلطتها على كامل التراب الوطنيّ دون منازع.
وإلى هذه المجموعات والاتّجاهات السياسية والتغييرية، برزت مجموعات المجتمع المدنيّ، التي ترى أنّ الطائفيّة التي تغلغلت عميقا في بنية النظام اللبنانيّ وفي التركيبة الاجتماعية للبنانيين هي المسؤول الأوّل عن تعطيل مقوّمات النهوض والتقدّم في هذا الكيان الطائفيّ، وبالتالي فإنّ قيام المجتمع المدنيّ يمثّل الأساس القويّ لبناء الدولة العصريّة القادرة على مواكبة التطوّر، والتصدّي بجدارة لما يواجهها من تحدّيات على الصعد المختلفة.
إنّ هذه القوى التي عبرت الاستحقاق الإنتخابيّ الى الندوة البرلمانية، عليها أن تثبت أنّ ما حقّقته من رصيد الأصوات في صندوق الإقتراع هو رصيد نجاح حقيقيّ في الميدان العمليّ، فلا يكفي أن تطرح مشروعك البرّاق وشعاراتك الشعبية التي تخاطب الناس في أهوائهم أو قناعاتهم، بل عليك أن تثبت جدارتك في مواجهة التحدّيات الواقعية الكبيرة لتحويل الشعار والمشروع النظريّ في ميدان التطبيق.
وليكون لسعيك في هذا الإتجاه الفاعليّة المطلوبة، فمن الضروريّ أن يستند الى قوّة ضغط برلمانية كافية؛ فبدونها تبقى المجموعة مجرّد أقلية هامشية لا يُعتدّ بقدرتها على إحداث أيّ تغيير.
من هنا أهميّة التنسيق والتعاون بين القوى ذات التوجّهات المتقاربة من السياديين والتغييريين ومجموعات المجتمع المدنيّ والشخصيّات المستقلة التي تسير في الاتجاه نفسه.
وكم يكون أفضل لو اجتمع هذا التنسيق في إطار جبهة عريضة واحدة، وعمل أطرافه معا تحت عناوين مشتركة، لإنجاز مشاريع وطنية تعالج هموم الناس الحياتيّة الملحّة وتلبّي حاجتهم الماسّة لبناء دولة عصريّة عادلة تتوفّر لها مقوّمات السيادة والقرار الحرّ المستقلّ.
نعلم أنّ العوائق كثيرة ومنيعة وكبيرة ، ونعلم أنّ مواجهتها مهمّة شاقّة عسيرة، وأنها تتطلّب قدرا” عاليا” من الوعي والعزيمة والإصرار؛ فهل يؤكّد الفائزون حقيقة نجاحهم، ويثبتون جدارتهم بما منحتهم الناس إيّاه من ثقة؟
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى