مقالات

الفساد في لبنان ليس قدرًا!

خاص “المدارنت”..

كتب نبيل الزعبي/ لبنان

كلمات من القلب مهداة إلى أرواح

شهداء تفجير الرابع من آب

… ثمة رواية مضحكة مبكية يعرفها أبناء طرابلس المخضرمين لثلاث أو أربع عقود مضت، تتحدث عن موظف في إحدى الدوائر المالية كان يُطلَق عليه لقب « الحمار »، وكان هذا اللقب يستثير حفيظة العاملين في الشأن العام، الذين دفعهم فضولهم لتقصي حقيقة هذا الموظف، ليتبين لهم أنه من أشرف وأنقى الموظفين في عمله، وأنه لم تكن لديه من مشكلة سوى كونه نظيف الكف، لا يرتشي، ولا يساوم على معاملة لمواطن يقصده أيا كان، الأمر الذي شكّل تحالفاً وظيفياً مضاداً له، فقاموا بتشبيهه بـ «الحمار»… وهكذا كان على مستوى الوطن في مسارات تكريس ثقافة جديدة للفساد، يعيش اللبنانيون أبجدياتها، وليس فيها ما يندى له الجبين وحسب، وإنما ما يدعو وبأسرع وقت إلى الحفاظ على ما تبقى من أخلاق وظيفية ومناقبية في الإدارة العامة، تحد من تغول نفوذ الفاسدين وفضحهم وتعريتهم، وأقل ما يجب أن يتخذ من إجراءات بحقهم هو مصادرة أملاكهم المنقولة وغير المنقولة، ليكونوا عبرةً لكل من يتسلم وظيفة عامة بعد اليوم.. .
إن الفساد في لبنان ليس وليد هذه الأيام البتة، وإنما حفر بمروحته المتعددة الوجوه والأشكال على مدى عقودٍ متعاقبة من السنين، أقلها منذ الاستقلال المزعوم الذي بدأ بعهد الرئيس بشارة الخوري، والصفقات التي كان يبرمها شقيقه، الذي اتخذ مسمى «السلطان سليم»، عن جدارة، اكتسبها من خلال استغلاله عهد أخيه، مما دفع إلى إسقاطه بعد مرور نصف مرحلة التجديد الثاني له… وكذلك في عهد الرئيس الراحل فؤاد شهاب، وذلك على الرغم مما حققه من إنجازات مؤسساتية لا يمكن إنكارها. فإنه لم ينكر في ذات الوقت أن الفساد موجود في الدوائر والوزرات، والدليل على ذلك ما كان يُنقَل عنه وهو يخاطب بعض كبار الموظفين مطمئنا عن أحوالهم، ثم يفاجئهم بسؤالهم عن «البرّاني»، الذي يجنيه كل واحد منهم خارج الوظيفة…!
اما في أيام المكتب الثاني، صاحب اليد الطولى في عهدي شهاب وشارل حلو، فقد أنشأ المكتب العتيد طبقة من المخبرين، وكتبة التقارير، الذين اعتمدوا على شريحة كبيرة من قبضايات الأحياء، وأصحاب السوابق، وعضلات العشائر… والذي لم يوفر منطقة لبنانية واحدة من دون إفساد حياتها السياسية إلى درجة أن الرئيس صائب سلام حرص على أن تكون أولى مهام حكومته في عهد الرئيس سليمان فرنجية، أن يداهم غرفة التنصت التابعة للمكتب الثاني، ويصادرها على مرأى من الشعب اللبناني، منهيا بذلك تلك المرحلة المخابراتية من الحياة السياسية اللبنانية.
غير أن أولى مطبات ذاك العهد (الفرنجياوي) ظهرت مع بداية حكومة الشباب، وذلك عندما تم الإطاحة بوزير آدمي اسمه الدكتور إميل البيطار، والذي لم يصمد أمام تحدي مافيات الدواء، التي دفعت به إلى الاستقالة، لتغرق الحكومة بعدها في مطب خيبة الأمل، وتفشل بالتالي في تحقيق الصدمة الإيجابية للعهد بالتغيير، والذي اختتم بحرب أهلية داخلية، امتدت على مدار سبعة عشر عاما، اعتقد اللبنانيون أنها انتهت مع انعقاد مؤتمر الطائف، الذي عدّل في الدستور اللبناني، فطُبّقت منه بنود وأهملت أخرى والتي كانت الأهم، لتدفع الديمقراطية اللبنانية أثمان إهمالها لمصلحة طوائف ومذاهب، نقلت ثقافتها الميليشياوية إلى الجسم البرلماني اللبناني، فمارست أبشع أنواع الديكتاتوريات والفساد على المكشوف، تحت مسمى الديموقراطية التوافقية، وميثاقية الطوائف، وحكومات الوحدة الوطنية، فتوزعت بسبب ذلك الوزارات على أحزاب تشبثت بها، وكأنها ملكية حصرية لها وللطائفة، لا تقل فساداً وبشاعة عن الملكية الحصرية التي تصادر دواء وغذاء المواطنين، لتطال لياليه الطويلة التي أُغرِقَت بظلام العهود المتتالية، فألغت المؤسسات التشريعية والتنفيذية، لمصلحة أمراء الطوائف الذين لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة عددا، ولتمتد العدوى شيئا فشيئا إلى القضاء. وهل يوجد بعد ضرب القضاء ومؤسساته، والعدالة بكل ما تعنيه، ما هو أكثر فسادا من ذلك…؟!
إن المواطن الذي يعاني اليوم من فقد الخبز والكهرباء والماء النظيف والدواء والتعليم لأولاده وحتى كرامته التي تمتهن وتهان في كل لحظة من لحظات يومياته في هذا الوطن، ليتساءل كبشر يستحق العيش الكريم في وطنه، طارحا كما من الأسئلة حول ما يدور على الساحة السياسية وكواليسها:
هل من فساد في بلد الأرز وتصدير الأبجدية، أكثر من امتهان المواطن واسترخاصه سياسياً…؟! والنظر إلى المواطنين على أنهم كتل بشرية أشبه ما تكون بقطعان في حظيرة، وفائض انتخابي يباع ويشترى في سوق نحر الديمقراطية المشرّع بالعُرف والأمر الواقع…؟!
هل من بصيص أمل يلوح في الأفق فينتفض الجسم القضائي اللبناني على نفسه، ويخرج من صلبه في القريب العاجل قاضٍ «انتحاري»، أو أكثر فيتصدون لمافيا الفساد، وذلك على غرار ما جرى في إيطاليا…؟!
أم هل سنُفاجأ يا ترى يوما ببلاغٍ رقم واحد، يصدر عن المؤسسة العسكرية بعد أن بلغ السيل الزُبى، وبدأ العسكر يجوعون، وبات من المستحيل زجّهم في مواجهة مواطنيهم الجياع في الشوارع…؟!
وهل يكفي التحقيق الجنائي فقط لاستعادة الأموال المنهوبة، أم أنه مجرد بالون دعائي لعهدٍ فاشل، يبحث عن خشبة خلاص تحفظ له ماء الوجه أمام من علقوا عليه الآمال العريضة وخاب رجاؤهم فيه…؟!
وهل ستخرج الطوائف يوما عن وصاية من يتاجر بها، بعدما تساوى اللبنانيون جميعا، طوائف ومذاهب وطبقات ومناطق في الجوع، وصاروا سوية في القهر والمعاناة…؟!
ثم إلى أي مدى يستطيع فائض القوة أن «يروّض» الخارجين عن إرادته، في حال أن الشعب ما عاد يمتثل سوى لأوامر جوعه…؟! ونحن نعلم أنه عندما يجوع الشعب، يأكل حكامه، وكل المتحكمين بمصائره…
أمام كل ما تقدم من سيناريوهات مقبلة على اللبنانيين، في الغد القريب نتساءل: من سيقلب الطاولة على الجميع، ومتى…؟!

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى