مقالات

القيادة. طبيعة بشرية

أديب الحاج عمر

خاص “المدارنت”... القادة.. لا يستطيعون قيادة الاخرين، الا الى حيث أنفسهم هم مستعدون الانقياد اليه، وهذا منطق الطبيعة البشرية، فواجب القائد أن يعيش وفق القواعد والقوانين التي يقترحها ويفرضها على السواد الأعظم من الشعب، وعليه السير في تنفيذها، انطلاقا من تطبيقها على نفسه اولا، ثم على بطانته، حتى تظهر كمرآة لنفسه وذاته.

لذلك، ينبغي عليه كقائد مسؤول، الوضوح والبيان، اضف الى حماسه المتواصل والمستمر في أداء العمل والتحفيز عليه، للأجراء الموظفين والعاملين، رؤساء ومرؤوسين، بعد تحقيق مفاعيل آراءهم، اي عليه واجب مطابقة الأقوال بالأفعال، ومن جانب آخر، الاعتراف باسهامات الأفراد، ثم الإشادة بانجازاتهم، من خلال الرؤية العامة المشتركة لخطة عمل المؤسسة. كما وينبغي عليه، وخلال تجواله لمراقبة وزيارة مواقع العمل، أن ينصب جلّ تركيزه على ما هو إيجابي، مع تجاهل لبعض السلبيات غير المؤثرة على سير العمل، إذ المطلوب التشجيع وليس التقويم.

يعتبر الأفراد وحدات اساسية، ولكنها لا تنتظم ولا تنمو، الا في إطارها الاجتماعي، لذلك لا يمكن أن يوجد قائد مسؤول من دون جماعة يقودها ويتولى امرها، كما وايضا، لا تكون جماعة منتظمة من دون قائد مسؤول. فللقيادة دور اجتماعي رئيسي يقوم به فرد، أثناء تفاعله مع غيره من أفراد الجماعة، شرط امتلاكه القدرة والقوة على التأثير في الآخرين، إضافة إلى توجيه سلوكهم في سبيل بلوغ هدف الجماعة. فالقيادة شكل من أشكال التفاعل الاجتماعي ببن الرئيس والمرؤسين، بين الرأس والأعضاء، بين القائد والاتباع.

وعليه، فالقيادة سلوك، وهذا السلوك، يعمل دائما على تحسين التفاعل الاجتماعي، إلى جانب تطوير الأداء لدى أفراد الجماعة، مع التأكيد على تماسكهم واتحادهم على تحقيق الصالح العام، إضافة لضرورة الحفاظ على موارد المؤسسة. فالقيادة المسؤولة ليست مجرد مركز أو مكانة، وليست موقع قوة ونفوذ، إنما مفهوم إنساني مرتبط بكل جماعة، تكون في ذاتها مؤسسة، والكل مُتحد في جماعة الوطن ثم الأمة.

القيادة.. ظاهرة اجتماعية تتصل بطبيعة الإنسان وتراثه الثقافي والحضاري، فالوجود المشترك لشخصين وأكثر، يخلق نوعا من الخلل في تنظيم العلاقات القائمة، لذلك وجب  تولي أحدهم القيادة، التي قد تستمر أو تتغير، وفق مواقف الجماعة نفسها، ووفق معايير تفاعلها وتفاهمها. وهكذا طبيعة الحياة تجعل القيادة أمرا لا بد ولا مفرّ منه.

لا شك أن قدرة الأفراد، محدودة ومرهونة بما يحيط بها من ظروف وعوامل ومواقف، فهي متغيرة وغير منتظمة، بينما الجماعة هي الصورة المنطقية لانتظام الأفراد، لذلك تعتبر المزرعة الإنسانية التي تنمو فيها المواهب الطبيعية للفرد وتتفاعل إيجابيا بين مكوناتها. فالجماعة الصالحة، ضرورية لكل مواطن، تمكنه من القيام بدوره الإيجابي لصالح المجتمع والوطن والامة.

وعليه، فاصطلاح المؤسسات ونموها وتطورها، انما يحتاج إلى قادة مميزون بتضحيتهم ووفائهم، يعملون وباستمرار على مواجهة المشكلات ومن ثم تفكيكها وحلها. فالقيادة، هي وظيفة تكليف وليست تشريفاً، تعمل على توجيه وسائل وعناصر وسبل نمو الأفراد وتطوير الاشخاص، من هنا يتحدد نمط وأسلوب القائد ومدى نجاحه، طبقا للمواقف الجوهرية والاستراتيجية، وطبقا لحسابات موظفيه ومحددات شخصياتهم، وطبقا لثقافته التنظيمية التطويرية.

لا شك أن المؤسسات على انواعها واشكالها، الناجحة منها، انما تقودها قيادة حكيمة واعية قادرة ومؤمنة على خلق جوّ من الألفة والتعاون، بعد تأمين الراحة النفسية والطمأنينة الذاتية لموظفيها والقيمين عليها، إلى جانب الاعتراف بإنسانية الانسان، بعيدة كل البعد عما تراه فيه كانسان، آلة صماء. لذلك وجب عليها كقيادة، أن تعمل على إشباع الحاجات الإنسانية، كونها الدافع الذي يحث العاملين على التضحية والعطاء. فيجب على القيادة أن تتميز بالعلم والمعرفة، التي تخولها إلى وضع الخطط ورسم السياسات العامة، ثم تقوم على تنفيذها لتحقيق الأهداف والغايات.

تولد القيادة من الجماعة، وغالبا ما تظهر تلقائيا، أو تكون مسبوقة بعملية تنافسية، من قبل أعضاء المجموعة، بينما تنشأ وتولد الممارسات السلطوية من قبل نظام لا يمت للنظام القيادة بصلة، والتي تنفذ مهامها عن طريق السلطة والسيطرة، بينما يقوم نظام القيادة على الاعتراف بالآخر عن طريق المحبة أو الخوف، فإن كان الحب شديدا والخوف منعدما، ولدت علاقة نقيّة صافية، وإن كان الحب منعدما والخوف قويا، تصبح العلاقة طغيانا وكفرا.

أتوجه الى المسؤول القائد بنصيحة مهمة، وأدعوه الى الخروج من وراء مكاتب “السكريتاريا” والحرس والمستشارين، وزيارة مواقع العمل، ليشاهد ويتحسس قيمة العمل الطيب، إلى جانب صفاء القلوب، ونقاء العقول، مع تحقق قواعد التفاعل الإيجابي السليم، بعيدا عما نراه من مواكب السيارة و”زماميرها”، وهرطقات مرافقيها وسلاحهم وتهديداتهم، مع إقفال الطرقات وهيصاتها الإعلامية والإعلانية.

أيها القائد المسؤول، ضع فكرك وقلبك في إنتاج مؤسستك، عليك أن تضع ما تنتجه في فكرك وقلبك واحفظه، بالمحبة نخلص، وبالمحبة نحترم كرامة الإنسان ونصونها، واعلم أن قوتك في شراكتك، حافظ على الموقع الذي تشغله، ولا تتخذه مطية اهواءك وشهواتك، صُن المكانة التي انت فيها، واحرص  على أن تكون مضرب مثل في الأخلاق والفضيلة، واحزم امرك على الدقة والاتقان، وتحقق من أنك مميز بعقل نافذ وقلب سليم.

واعلم ان المؤسسة التي تقودها، ليست مجرد مباني ومناهج وآلات وموظفين، يطيعون ويحمدون، انما هي مجموعة من العلاقات والتفاعلات بين مكوّنات عناصر المجتمع الذي تعيش فيه، فعلى قدر صحيتها وسلامتها، تقرر مدى فاعليتها وانتاجيتها، وهذا الامر، من مسؤوليتك، كن قائداَ ولا تكن رئيساً، زعيما خلف مكتب نافذ متسلط.

                                                           

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى