اللبنانيون بين العتمة والضوء!

خاص “المدارنت”..
يكاد أن يكون لبنان الدولة الوحيدة في العالم، التي لها من اللبنانيين في بلاد الانتشار، أضعاف، أضعاف من يعيشون على أرضه. ولطالما شكلّت هذه «الدياسبورا» اللبنانية سرّ عظمة هذا البلد، الذي قدّم مع الأبجدية الى العالم خيرة أبنائه، الذين يتولّون في أصقاع العالم شتى المواقع النافذة في السياسة والاقتصاد والعلوم المختلفة والآداب والفنون، مما شكّل شبه انفصامٍ حقيقي، لكنه حميد، بين لبنان الداخل والخارج .
لبنان الداخل الغارق في ملهاة الطوائف والمذاهب إلى درجة الجوع، ولبنان الخارج المتمدن المتصدِّر والمُصَدِّر للحضارة والثقافة، والساعي دائمًا إلى تحقيق الذات بالعلم والمثابرة والانتصار على الذات. إنهما في الواقع أنموذجين صارخين، حملهما هذا الوطن «لبنان»، في ليل ونهار الرابع من شهر أيلول لهذا العام، وبصورتين متناقضتين تمامًا، من حيث الشكل والمضمون والهدف…
إنه تناقض اللون بين البياض والسواد، والعتمة والضوء، وقد تخللهما سوادٌ هائل بدخانه الملتهب، الصادر عن مكب النفايات في طرابلس، وما حمله من سموم تنبعث لتلحق الضرر بالمدينة والجوار. بياض بنقاء الثلج، وقد أطلّ على شاشات العالم، جسدته فرقة لبنانية، حازت على أرفع جائزة عالمية بفنها الراقي، وعمقها الحضاري، فنالت إعجاب العالم، ليس في الأميركيتين الشمالية والجنوبية وحسب، وإنما امتدّ ذلك إلى القارة العجوز، والفضاء الأسيو- إفريقي وأوقيانيا التي تعجُ بدورها بلبنانيين، لا يجمعهم مع لبنانهم سوى الحنين وحب الوطن الأم….
ففي الوقت الذي كانت فيه صبايا فرقة «ميّاس اللبنانية»، ينتظرن إشارة الفوز بالجائزة الأولى لمهرجان وحدث فني عالمي، كانت اللبنانية سالي حافظ على المقلب الآخر من لبنان، تخاطر بحياتها، وهي تقتحم مصرفًا سرق وديعتها المالية، وجنى عمرها، وقرشها الأبيض، للحصول على ما أمكن من مالها المنهوب، وذلك من أجل علاج شقيقتها من سرطانٍ مخيف بات ينخر في جسدها، ويتمدد، ذاهبا أبعد من ذلك… أي أخذ يفتك بمجتمعٍ عن بكرة أبيه، وبمواطن ما عاد يُفكّر سوى بقوته اليومي، وإن اقتصر على رغيف الخبز أياماً، أو البحث عنه في القمامة لمن عجز عن امتلاك الثمن.

في الوقت الذي كان هناك لبناني آخر، وهو رامي شرف الدين، يحذو حذو مواطنته سالي حافظ، للحصول على ما أمكن من وديعة منهوبة له أيضا، كان في المقابل لبناني آخر ينتظر ثمرة ما جنته عبقريته الفنية من إبداع، ليحصل على جائزة قيّمة في معناها، ووازنة في قيمتها، وتُمّد أمامه السجادة الحمراء، لينطلق بفرقته «مياس» إلى أرجاء العالم، ناشراً الإبداع والجمال، وفن الاستعراض الراقي..
إنه لبنان ذو الوجهين والثقافتين في آن معا يا سادة. لبنان المتناقض أبناؤه في توجهاتهم وعطائهم إلى أبعد الحدود، كما هو حال سياسييه للأسف…!
فثمة من ينشر الفرح ويوزعه على العالم أجمع، لينال الإعجاب والتقدير والجوائز، وثمة من يزرع الحزن، وينبش القبور، ويوشحّنا بالسواد على شبابٍ يموتون كل يومٍ، ونوبات ثأرٍ وانتقام تلف الدساكر والقرى، ومن ينجو من رصاص الغدر، يطالعه الرصاص الطائش، إلى الأنواع الأخرى من الموت المجاني والانتحار هرباً من ثقل أعباء المعيشة، أو مشاريع الموت غرقاً في القوارب المهرَبة من على شواطئ المتوسط… ومن ينجو بجلده، كُتِبَت له الحياة. ومن يرحل، فالموت واحد، والمصير سيّان بين هنا وهناك… بين الأمل كمشروع حياة، والداخل المظلم كواقع موت ومرض ودمار لإنسانية الإنسان…!
ما أجملهم أبناؤنا وهم يؤدون أدوارهم في بلاد الاغتراب وعلى المسارح العالمية، وهم يرسمون الأرز الشامخ، وبياض الجبل الناصع، وزرقة سماء لبنان الصافية بأجسادهم. وما أبشع أولئك الذين ينتهكون كل الموبقات والمحرمات كل يوم، وذلك بالحط من كرامتنا وإنسانيتنا، وتحويلنا إلى قطيع لا يملك حق العيش، سوى في حظيرة فسادهم وماخورهم…!
ساسة يُملون علينا موازنةً تزيد في جوع اللبنانيين جوعاً، وتمعن في إفقارهم إلى درجة الإملاق. فلا جوازات سفر متاحة لهم اليوم، سوى جواز السفر إلى الأبدية، علّها تُريح المعذبين على هذه الأرض…! بينما «والي جهنّم» يتفاخر بما جنت يداه، ولا يجد ما يكافئ به شعبه العظيم، سوى المزيد من وعود القهر والعذاب والحرمان، ويبخل عليه حتى بكلمة اعتذار…!
تحية وألف تحية، إلى كل من يزرع فينا الأمل… وليذهب إلى الجحيم كل من أودى بنا إلى التهلكة… ولتكن جهنّم مثواه وبئس المصير، ولا رحمة ولا شفقة لمن دمّر الوطن، وجوّع شعبه…



