مقالات

 اللغة العربية أداة اللحمة بين الإسلام والانتماء الجزء (2-5)

أديب الحاج عمر/ لبنان

خاص المدارنت”

بيان لغتنا العربية
ليست اللغة العربية مجرد وسيلة تواصل واتصال، إنما هي تمثل مدرسة فكرية ومصدر تمايز عقلي. وعليه، فواجبنا كامة عربية مسلمة أن تستثمر هذا الكنز الوجودي، لا أن تهمله، وتفكك اوصاله، لاهثة خلف لغات تريد لنا تبعية ثقافية، تحمل في طياتها كل الخنوع والذل، أضف إلى أنها توجهنا لاهمال لغتنا ثم دفعها إلى الدفع والزوال.
لكن منطق الوجود الإنساني والتكريم الإلهي، إنما يفرض علينا(كأمة) إصلاح ذلك الخلل، الذي يبدأ من الوعي بالمشكلة واسبابها، ثم إدراك أن الخلل من صنع أيدينا، فالضرورة البدء بأنفسنا، انطلاقا من إحياء مهارات البيان اللغوي الذي فُطرنا عليه ، نحن وابناؤنا. والمهارات الراسخة التي نقصد هي تلك التي نزرعها في ذوات أطفالنا فنوجههم نحوها، ونثبتها من خلال الثقة بالنفس، والقدرة على تنظيم الافكار، أي وضعهم على سكة منهجية التفكير وعقلنة الأعمال، فنربي فيهم قدرة التعبير المنطقي البناء، عن طريق البحث والتأمل على أسس من استعادة العلاقة المتينة بالنصوص القرآنية، ثم بناء جسور العلاقة القوية بتراثنا العربي، والغني بالشعر والأدب والحِكَمِ والعِبَر.

ان البيان النقصود، ليس مجرد القدرة النطق وتركيب الجمل وتنميق الكلام، إنما المقصود في أن يمثل أداة فهم وادراك وتأثير، أن يمثل وسيلة إخراج الأفكار الممنهجة من الذات إلى العالم، أي تحقيق منهج صنع الأفكار، الذي يفتقده مجمل شبابنا العربي، أنها مهارة ربط الأفكار وتوصيلها، مهارة التعبير عن المشاعر والانفعالات
مهارة تضع الوضوح بين حروف الكلمات، بعيدة عن كل لبس وابهام. اننا نعيش زمن تغلب عليه ثقافة اليوميات الآنية، حيث الأحاديث السطحية المتكررة، إنما تعكس فراغا ثقافيا فكريا، بعيدة عن التأمل والمنطق، مما يجعل في الجلسات مللا، وفي الحوار فقرا، وفي التواصل خلافا.
والحقيقة اننا نجد، سرا عظيما، في لغتنا العربية، كونها تملك طاقة هائلة على جودة التعبير، بأقل عدد من الحروف، أو من الكلمات، كي تصل إلى عمق المعنى باوجز عبارة. وهذا قول رسولنا الكريم (ص): “أوتيت جوامع الكلم”. أي التعبير بكلمات معدودات عن مفاهيم عظيمة. وهذا من خصائص لغتنا العربية، حيث الفرادة في الإيجاز المعبر، الذي تفتقده، سواها من اللغات.
لا شك أن لغتنا العربية الفصحى، تقف على رأس الطريق، متهاوية، تنادي ابناءها إليها، تحذرهم.. من تقسيم وحدة الامة، بسبب ما أصابها ويصيبها (اللغة) من انين الجراح
وتهجين اللهجات، فاضعف مكانتها وجزاها التعدد الدخيل عليها، مما حولها هزيلة متاكلة، ومعها تحول أهلها، شعوبا خرساء، طوائف متحاربة، ومذاهب متناحرة. فالاخطار محدقة، ليس بأزمة اللغة فقط، إنما يطال الجوهر، يطال الارتباط بين اللغة وبين ما تنتجه من عقل عربي عام، أي بين اللغة وبين ما صاغته من منهج في التفكير، إذ العلاقة جدلية الترابط، بين البيان اللغوي وبين إنسانية ما ينتجه، فالقدرة على التعبير، كبيان، يأخذ اللغة إلى جوهر إنسانية الإنسان، إذ كلما زادت قدرة الإنسان على البيان، زادت إنسانيته، أي ازداد هدوءه وحلمه، فمن حَسُن بيانه استطاع الوصول إلى القلوب والعقول، دون خلاف أو صدام. وهذا ما رسمه النص القرآني، بقوله تعالى: “الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان.. “الرحمن/1_4. فالبيان منطق الحجة من خلال التعبير الواضح.
أمام ما يحمله تراثنا الفكري من شوائب خاصة، وثقافات دخيلة متداخلة، وأساطير مدسوسة، وجب، ضرورة، وضعه تحت مجهر قراءة نقدية جادة بناءة، انطلاقا من وضع الإنسان العربي المعاصر نفسه، بوعيه وعقله، باختياره وسلوكه، الموقع السليم، وبكل تجرد عادل، على قاعدة لغوية قرآنية، وبكل ما تحمله من مرونة وكمال، من ثروة وغنى، ثم الانطلاق إلى حيث سمو المكانة، بدايتها نظرة محورية جوهرية، ذات رؤية فكرية إنسانية شاملة ركيزتها: العلم والايمان.
علينا إلا ننسى، أن اللغة العربية الفصحى، إنما هي الوعاء الذي يحوي ثقافة واحدة لشعب عربي واحد، يحوي ثقافة أمة سجلت حضارتها فوق صفحة التاريخ، إلى جانب كونها (اللغة) وسيلة تفكيرها وأداة رؤيتها للعالم، وايضا منهج تحديد قوانينها. وكأننا أمة على حضارة، فالضرورة تفرض،_ كابناءها_ تعلمها ومعرفتها، واتقان قواعدها( صرفها ونحوها، بيانها وبديعها) ثم وجب حفظها (كرصيد لغوي) والحفاظ عليها من أي خلل. لأن ذلك، الواجب الفرض، أهم ركائز التحصين الوجودي، المادي والمعنوي، تحصين الهوية، تحصين الذات، على مستوى الفردي والجمعي، وتحصين الثقافة الشخصية، الفردية والجماعية.
وهكذا، فالدفاع عن اللغة واجب بالضرورة، وهذا ما أكده قانون، ابن خلدون، الاجتماعي بقوله: “أن غلبة اللغة بغاية أهلها، وأن منزلتها بين اللغات، صورة لمنزلة دولتها بين الامم”. المقدمة/ ص، 438. وعليه فإن لغتنا العربية وتحقق بيانها، إنما يعتبر من أهم سمات وخصائص العرب هوية وانتماء ، ولما كانت الوحدة تتجذر فيها (لغة وامة) فلا بدّ أن ينتج عنها (كوحدة) وحدة الهوية ووحدة الانتماء، وهي ما يطلق عليها )العروبة). وحدة ذات ثقافة واحدة وتاريخ واحد، وما هذه الصناعة إلا امتداد إلى زمن الوجود العربي في عمق التاريخ البشري.
وتوضيحا، فلا تزال أمتنا تمتلك تلك السمة اللغوية والتي علا وسما شانها مع الوحي الإلهي، برسالة محمد (ص) الذي نزل بلسان عربي مبين، فازينت وتألقت لغتنا العربية، بما كانت عليه، وما أضيف اليها، من قيم وفضائل. وبهذا خرجت العروبة بحلتها الجديدة ذات الطابع الإسلامي، وراحت تسبح في بحر الانصهار والاندماج، بيان فكر وعقيدة تشريع في قالب انساني عالمي.

تحمل لغتنا العربية من المعاني والدلالات ،ما يسهٍل على أهلها سبل الفهم والتفاهم والتفهيم، أي أنها تأخذ صاحبها إلى التحليل والتركيب، إلى الاستقراء والاستنباط والاستنتاج، فهي أداة توضيح وبيان، أداة عقل وتفكير، أداة علم وتعليم، إضافة إلى أنها أداة تمايز وتمييز، بين الشعوب والامم، فإنها تملك ما تملك من الفرادة التي تأخذك إلى ضرورة السعي للحفاظ على تلك الفرادة الذاتية التي تحمل إلى ذوبان الفردية في الجماعية والتي هي من الطبيعة البشرية، كون الإنسان مخلوق اجتماعي.
فماذا تعني الذاتية؟ تعني الذاتية كمفهوم ذو دلالة لغوية فلسفية، دلالة اجتماعية ثقافية، تعني الشيء نفسه، أي الشيء المميز عن غيره، يعني التفرد بالخصائص والسمات. وهذا البيان اللغوي يأخذك إلى أن الأمة العربية الإسلامية تملك من الخصائص والسمات ما يميزها عن غيرها من الأمم، وقد تفردت به في إطاره الفردي والجمعي. وعلى هذا يتم التعامل مع الجماعة العربية، بما حوته من سمات خاصة، إلا وأهمها اللغة العربية الفصحى وجوهر بيانها اللغوي، والعربية هي لغة العرب، والتي تعتبر الأساس الجوهري لتكون وقيام العقل العربي الذي يمثل ضرورة عقل الامة بهويته الخاصة المميزة، التي هي العروبة.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى