اللغة العربية أداة اللحمة بين الاسلام والانتماء خلاصة واقتراحات. الجزء (5) والأخير

خاص “المدارنت”
بيان وبلاغة لغتي العربية، بهما أتنفس منطقا وفكرا، قال (اورويل): “فساد اللغة دليل على فساد الفكر”. و(فينغنشتاين)، قال: “حدود لغتي هي حدود عالمي، كثير من المشكلات الفلسفية تنشأ من إساءة استخدام اللغة، وأن فهم حدود اللغة هو مفتاح فهم حدود الفكر والعالم”. وهكذا، فالفكر لا يُصاغ إلا بأداة سليمة، واللغة هي أداة العقل، فمن أحسن واتقن لغته، أحسن وأتقن بناء افكاره، وأن سلامة العبارة دليل سلامة المنطق، فاللغة هي المصنع الذي تُصهر فيها الأفكار، قبل خروجها للناس
ان اللغة العربية، لغة حيّة خالدة، لها من القدرة على أن تكون لغة فكر وعلم وفن، إضافة على أنها لغة روح وأخلاق وأدب وتشريع، فهي، بلا شك، كائن حيّ، ينمو ويتطور، فينبغي اعتماد مضمون شكلها القرآني، الذي يعتبر منارة الأمل في حفظها واحيائها ثم سبيل تحقيق وحدة امتها العربية، مما يدفع إلى ضرورة تنشئة الأطفال والأجيال على تلك، فتنمو وتتطور، مؤمنة واعية من أجل مستقبل واعد، وهذا يحتاج، ضرورة، إلى إصلاح جذري في مناهج التعليم، بعد إعادة لقراءة فكرية نقدية جوهرية بناءة، لتاريخ الفكر العربي الإسلامي.
ان التأكيد على علاقة متينة قوية، يستحيل فك عراها، بين العروبة والإسلام، والتي عليها قامت حضارة إنسانية، علمية عالمية، عميقة في التاريخ، وايضا، مع حق الاعتراف بوجود دول اسلامية، لكل منها مقوماتها القومية، ووحدتها السياسية، والكل جميعا يخضع لنظام واحد، هو الاسلام. فقدر الله تعالى أن جعل من الإسلام كائنا عربيا حيّا، ثم قدر له الخروج من أرض العرب إلى عالميته بهوية عربية، فلا تناقض بين العروبة والإسلام ولا تعارض، وهذا الأمر يبين حقيقة أن الوحدة العربية إنما تشكل الحجر الأساس لبناء وحدة الإسلام.
لا شك، أن مثل هذا الخطاب وتحقيقه، إنما يتطلب عناية فائقة بلغتنا العربية إلى جانب التطبيقات والممارسات الاسلامية، مما يلزم ضرورة، عملا دؤوبا على مسار تصحيح المفاهيم، وتسديد منهج التفكير، ثم معالجة القضايا الحياتية اليومية لامة العرب. من هنا، لا بد من صرخة عالية، تخرج من رحم الانين والوجع: استفيقوا أيها العرب. استفيقوا يا من يضم بين جنباته صفات التمايز العربي
من مروءة وشهامة وكرم واغاثة.. ووو، فلغتكم وهويتكم ووجودكم ملتحم بشريعة الإسلام، منذ الأزل إلى الابد، وما ظواهر الالتحام إلا دليل توأم الوجود. وعليه نبين ونوضح:
1/ لم يخرج الإسلام من محيطه العربي وحيدا، بل معه اخرج العروبة انتماء.
2/ مع انتشار الإسلام، انتشرت حركة التعريب وتوسعت، حتي تعرب العديد من الشعوب، وعُرٍب الكتاب المقدس، وعلمه الرهبان باللغة العربية.
3/ استقرار بعض القبائل العربية في البلدان التي تعربت، ولم تستقر في غيرها.
4/ البلدان التي أسلمت ولم تتعرب، بقيت لديها العلاقة بين العروبة والإسلام، قوية متينة، ولم يتم الفصل بينها.
استنادا لما تقدم،إنما نخلص إلى:
1/ لقد صور القرآن الكريم، ألوانا من أساليب المنهج الفكري العام، والقائم على الجدل والحوار، ثم صور ،الصراع الوجودي، كامر واقعي موضوعي، وهذا منهج منطقي يؤخذ به، نتيجة انتقال من مستوى حضاري معين، إلى مستوى حضاري آخر، أفضل وارقى تطورا،
2/ دل القرآن الكريم دلالة قطعية على أن الإسلام نظام عربي النشأة، فبين المشكلات وقدم الحلول. لقوله تعالى: “اليوم أكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام “.. المائدة/3. فالمخاطبون هم العرب، وبقي الخطاب دستورهم الازلي.
3/ تدرُجِ التشريع الإسلامي دليل تدرج نضج العقل العربي وارتقاءه درجات الوعي الذي حملته اليه الرسالة المحمدية.
4/ الحكمة الإلهية الثابتة في التكليف إلى حمل راية الإسلام ونشرها عالميا، دليل اعتبار عهد التبليغ المحمدي مقتصر على تبليغ العرب في الجزيرة العربية، ثم انطلق عالميا بعد وفاة الرسول (ص) إلى تحقيق إنسانيته وعالميته، باداته العربية، المادية والمعنوية، وجوهر اداته اللغة العربية، واهلها العرب، رغم تعدد الألسنة والقوميات، مما جعل اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ملك الإنسانية العالمية، وليست ملك العرب وحدهم، والذين أصبح من واجبهم الايماني والانساني، تخريج معلمين، أوفياء مخلصين، يعلمون ويدرسون العالم رسالة الإسلام على مبادىء وأصول قواعد اللغة العربية.
وهنا انقل لكم ما قاله العالم الهندي (أبو الحسن الندوي): “إن مصير المسلمين.. مرتبط بمصير العرب، فإذا عز العرب عز الاسلام، وإذا ذل العرب ذل الاسلام، أولئك الذين لا اعدل بهم قوما، ولا اعدل بكتابهم كتابا، ولا اعدل بلغتهم لغة، ولا اعدل بحضارتهم حضارة، وعلى ذلك احيا واموت..”. وختم قوله: “.. إلى القيادة العالمية من جديد أيها العرب”.

واختتم مقالتي ببعض الاقتراحات:
1/ العودة الجادة إلى عملية تحفيظ القرآن الكريم/ مرحلة ما قبل المدرسة. والمقصود اعتماد فكرة التكوين القرآني المباشر ،ثم التوجه إلى الحروف والكلمات والجمل.
2/ الاستمرار التصاعدي في عملية تحفيظ القرآن الكريم، من أجل تحقيق سلامة البناء اللغوي وسدادة النضج الفكري، على كافة المستويات العلمية والعملية.
3/ التوجه إلى تيسير العربية الفصحى، كتابة وقواعدا وتعبيرا.
مع ضرورة الاهتمام بالمفردات، شكلا ومضمونا، معنى ومدلولا، تحليلا وتركيبا.
4/ ضرورة الاهتمام باللغة العربية الفصحى، واتقانها في جميع المراحل التعليمية.
5/ ضرورة تعريب المناهج التعليمية، إذ لا يجوز اخذ الأطفال العلم بغير لغتهم الام.
6/ ضرورة جعل اللغة العربية، لغة اساسية في المرحلة الجامعية، إلى جانب اللغات الأجنبية.
7/ عدم قبول طالب عربي في المرحلة الجامعية ما لم يحسن اللغة العربية.
8/ ضرورة تعريب الاجهزة الحكومية مع فرض النطق باللغة العربية الفصحى، ونخص وسائل الإعلام.
9/ الدعوة إلى الترجمة لجميع العلوم والفنون.
10/ ضرورة تأسيس مجامع علمية عربية فاعلة مؤثرة، على مستوى الامة.
11/ توليد وإنشاء جمعيات تدعو إلى إحياء التراث العربي الإسلامي، تقدم برامج توعية تدريبية، من خلال محاضرات تثقيفية توجيهية، على كافة المستويات، المادية والمعنوية.
12/ ضرورة خلق رجال قادة، وصنع حكام مؤمنون، يتحملون مسؤولياتهم في ترسيخ فكرة وجود ذات عربية مؤمنة.
وعلى هذا، وجب ارتفاع الأصوات الواعية، والناضجة فكرا وعقلا، ثم التوجه إلى عمل جاد مجد، من أجل التخلص من ظلمة ازمتنا الحالية، عن طريق تحقيق إنارة أضواء ذاتيتنا المؤمنة، تلك المؤمنة بكل مقوماتها وسيماتها الخاصة، والمؤمنة بتاريخ مجدها الحضاري الإنساني.



