مقالات

المجهول المعلوم..!

   د. محمود المسلماني
خاص “المدارنت..
كان يوما” مشهودا” في ذاكرة “الخريبة”، عندما شوهد “طنّوس” مربوطاً على ظهر دابّته جثّة هامدة، وقد تدلّى رأسه وقدماه، كلّ على أحد جانبيّ تلك الدابة.
كانت الدابة تسير بمحمولها نحو منزل صاحبها بخطوات ثابتة، وفي الخلف قطيع من الماعز يقتفي أثرها، ويسير على إيقاع خطواتها، لا يحيد يمنةً ولا يسرة.
كان المشهد مفاجئاً صادماً مثيراً؛ فمنذ وطأت الدابّة السكّة (الشارع العام)، وسارت مع القطيع خطوات نحو منزل “طنّوس”، أسرع بعض القرويين الى فكّ وثاق الجثة، وحملها على الأكتاف الى منزل صاحبها.
تبدّل وجه الشارع. كان الناس على مألوف عادتهم، كلٌّ يسعى في شأنه الخاص؛ فما أن ظهر ذلك الموكب المثير حتى التهبت المشاعر، وعلت الضوضاء، وانتشرت التساؤلات كنارٍ في هشيم:
– ليش عميقتلو هالزلمي المعتّر البسيط؟!
– زلمي الله يكون بالعون ما أزى حدا؛ كيف بيعملوا فيه هيك؟!
– الله عالظالم. إلهن يوم.
“بكرا منشوف هالدولة راح تاخدلو حقه؟!
– اذا كانت اخدت حق غيره بتاخده!
كان الموكب يسير في هذه الاجواء نحو غايته، حتى إذا دنا من منزل الفقيد، استقبلته أصوات التفجّع والنحيب، وصيحات الغضب والاستنكار.
و”طنّوس”، رجل جاوز السبعين، ولم يفتّ في عضده تراكم السنين، بل احتفظ بجسد قويّ وهمّة عالية، ونشاط تشهد له ميادين عمله في مراعي القرية والجوار.
غير أن ما يلفت في شخصيته، أنك حيال رجل تنطق ملامحه بالمهابة والوقار: بنية قويّة، قامة فارعة، رأس وخطه الشيب، ووجه تتجلّى المهابة في عينيه السوداوين الكبيرتين، والشاربين الطويلين، واللحية الكثّة البيضاء.
لكنّ هذه المهابة والوقار الظاهرين في الجسد، لم يكونا ليعكسا واقع بنيته النفسية؛ فقد كان سلوكه يحمل شيئاً من الطرافة التي تخرج عن المألوف لدى العاديين من الناس. لكنها طرافة غير مؤذية؛ فلم يعرف عن هذا الرجل تعرّضة بالأذيّة والاعتداء لأحد، على الرغم من استبساله في الدفاع عن نفسه وممتلكاته وحقوقه.
في ذلك النهار، ومع خيوط الشمس الاولى، نهض “طنّوس” من فراشه خفيفاً. رشق بعض الماء على وجهه، ارتدى قمبازه، انتعل الشاروخ (هو خفّ بنعل متبن له سيور من الجلد لتثبيته في الرجل، وكان ينتعله بعض القدماء من القرويين)، ركّز الكوفية والعقال على رأسه، ثم ذهب الى الحظيرة المجاورة لغرفته. أخرج الدابّة والقطيع، ومضى بهما نحو السهل.
وفي السهل، ترك لعنزاته ان تفتّش عن قوتها، من دون ان يسمح لها بالاقتراب من مزروعات هذا الفلاح او ذاك. كان يجلس على صخرة هنا او تحت شجرة هناك، يرقب القطيع بانتباه؛ فإذا حاولت إحدى العنزات أن تتجاوز الحدود المرسومة لمكان رعيها الى مزروعات هذا او ذاك من الفلاحين، كان حجره يردها على اعقابها سريعاً.
في جلوسه وتنقّله مع القطيع، كان يكلم نفسه بصوت مرتفع، بما يجوس في ذهنه من خواطر وهواجس وتخيلات، فتسمعه يردد ويكرر من دون ملل، عبارات محددة لها جذورها وأسبابها في الواقع، يعبر بتردادها عن احاسيسه وميوله ومواقفه.
“بو منصور صار بدّو عصفورية”.. “بفرجيك يا “خرّاط”.. “هنّي بياكلو غمّي (مقادم)، وأنا باكل خرا”..
يمرّ الفلاحون، يحيّونه، فيجيب بعضهم بما يشبه الهمس، ولا يهتم بإجابة الآخرين، فيبتسمون ويتابعون الطريق.
ومع حلول الظهيرة، يتّجه بقطيعه صوب قناة ماء قريباً منه، ليروي اغنامه، ويتناول بقربها ما ضمته زوادة المنزل من ارغفة سمراء، ورؤوس من البطاطا المسلوقة والبندورة البلدية اللذيذة.
يتناول “طنّوس” طعامه، ويسرع الى حافة القناة في مكان مرتفع حيث المياه الصافية، ينبطح أرضاً، ويحني رأسه نحو المياه يعبّ منها ما يروي ظمأه.
يرتوي الرجل، ويحس بالشبع والارتياح، ويراوده النعاس فيذهب في غفوة قصيرة؛ لكنه يصحو على ثغاء بعض أفراد القطيع يتزايد متصاعداً. ينهض سريعاً، يرسل نظره نحو القطيع يستطلع حقيقة ما يجري؛ فإذا به حيال مشهد لم يكن في الحسبان. رجلان ملثمان يجرّان رأسين من الماعز.
لم يكن ليحتمل هذا الاعتداء السافر، فأسرع يحاول منعهما، فكان عراك عنيف بين طرفين غير متكافئين. لكن صلابة جسده وطاقته على الصبر والمقاومة مكّناه من طرح احدهما ارضاً، فما كان من الثاني إلا أن عاجله من الخلف بحجر ثقيل على رأسه، أفقده توازنه، وغاب به عن الوعي؛ فكانت فرصتهما للانتقام، حيث عمدا الى الإجهاز عليه، بخاصة، وأنه كان قد نزع لثاميهما اثناء العراك، وكشفهما بالصورة والصوت وصار يصيح بهما:
“بدكن تسرقوني يا ولاد “ديب شنشل”؟ ما كفّاكن هيديك المرة خدتو لي خمس عنزات، وقبل منها ولاد عمّكن سرقوا جارنا “عساف” وقتلوه، وقبلها قتلو “برهيم بو شاكر”، وقت اللي إجا يمنعهن من التعدّي عا رزأاياته؟ ما رح تاخدو منّي إلّا خرا”..
كان يردد هذه الكلمة الاخيرة اثناء عراكه معهم، من دون توقف حتى توقفت أنفاسه. حينها سارعوا الى ربطه على ظهر الدابة، وتوجيهها شطر الضيعة، ودفعها الى المسير والقطيع خلفها؛ فيما اقتادوا بعض رؤوس الماعز ومضوا بها.
في دار “طنّوس”، احتشد جمع كبير من اهالي الضيعة، للتعزية والمشاركة في المصاب. لقد ادرك الجميع حجم الجريمة، كما ادركوا ان ما حصل لـ”طنّوس”، كان قد حصل لغيره من ابناء “الخريبة”؛ فمسلسل هذه التعديات على الاهالي، مسلسل قديم ما كان لينتهي فصولا.
والضيعة عموماً، وأهالي الضحايا بخاصة، يعرفون جيداً هويّة المجرم والضحيّة.
جاء عناصر الأمن للتحقيق:
_ بتعرفوا مين اللي قتل المغدور؟
_ ما شفنا حدا. ما فينا نحطّ حدا بدمّتنا.
وختمت القضية بالادعاء ضد مجهول. وما يزال المجهول المعلوم مجهولًا حنى اليوم!
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى