مقالات

المعيـار الـذي لا يخطـىء

 كتب د. مخلص الصيادي

1 ـ حينما تتداخل القوى وتختلط الأمور، وتزيغ الأبصار والبصائر بشأن ما يجري في وطننا العربي بمختلف أقاليمه. وما يجري حوله. يبحث المخلصون عن راية يهتدون بها في تحديد مواقفهم. وتبين مواضع أقدامهم.

ولما كانت شؤون وطننا في كل إقليم من أقاليمه ذات ارتباط وثيق بالشأن القومي العام الذي يلقي بظلاله على الجميع، فإن البحث عن تلك الراية يصبح ضرورة لا غنى عنها ، حتى لا نجد أنفسنا في لحظة ما، وبسبب عدم وضوح الرؤيا ، أو عدم ترتيب الأولويات، أو بسبب تغليب الوطني الخاص على القومي العام ، أو العكس، نقف مع عدونا. أو في الأماكن التي يريدها ذلك العدو.

2 ـ على المستوى الوطني ، مستوى الإقليم فإن الراية الفارقة التي نستطيع أن نتسلح بها في تحديد الموقف داخل أقطارنا هي راية “الوحدة الوطنية ، والدم الوطني”، وأمام هذه الراية يصبح الناس وتصبح القوى على فسطاطين مختلفين لا يلتقيان. والترجمة العملية لهذه الراية هي صون الوحدة الوطنية فلا طائفية، ولا عنصرية ، ولافكر أقليات. وصون الدم الوطني فلا استهتار بهذا الدم ولا استبداد دام ، لا يقيم حسابا لأي شيء، مقابل تمكنه من السيطرة، واستمراره في سدة الحكم.

وهذه الراية الجامعة من شأنها أن تضم تحت ظلالها طيفا واسعا من القوى والأفراد، ممن برأت أفكارهم، وخلت سيرتهم، وتطهرت خططهم من أي شائبة طائفة، أو عنصرية، وممن أعطوا القدسية اللازمة للدم الوطني ، في كل مكان ، وفي أي ممارسة.

وإذا كانت بضدها تعرف الأشياء ، فإن النظام السوري ، يقدم أبلغ مثال على النظام الذي أوغل في الدم الوطني بدون حدود، في مواجهة الاحتجاجات، وفي السجون والمعتقلات، وفي إدارة الصراع بمختلف أوجهه ومراحله، وهو يقدم أكثر النماذج وضوحا على الاستهتار بالوحدة الوطنية من خلال سياساته الطائفية المدمرة، والمستمرة في وتائر متصاعدة منذ نحو خمسة عقود.

هذه الراية الوطنية الفارقة التي تجتمع تحت ظلالها قوى الشعب السوري، يمكن أن يقال بشأنها الكثير، وقد قيل ، وكتب العديد من المفكرين والباحثين في الشأن السوري الكثير على امتداد السنوات الثماني منذ انطلاق الحراك الثوري السوري في مارس/ آذار 2011 ، ومنذ أن كشف النظام السوري عن استهتاره غير المحدود بالدم الوطني وبالوحدة الوطنية لهذا الشعب. وما يزال المجال مفتوحا لكتابة المزيد،كشفا وتبيانا للجريمة التي يرتكبها الطائفيون المستبدون القتلة بحق هذا الشعب، وبحق وحدته الوطنية، وتاريخه وثقافته.

3 ـ هذا على المستوى الوطني، أما على المستوى القومي، فإن مختلف غايات الأمة، وتطلعاتها، ومختلف تجليات أهدافها باتت تتجسد ، وتختزل، وتتجلى في قضية واحدة هي “قضية فلسطين”، وليس ذلك من منظور أن ليس للأمة من شاغل إلا قضية فلسطين، وإنما لأن هذه القضية تجسد في تجلياتها الوطنية والقومية والانسانية، مشروع النهوض لهذه الأمة: مشروع التنمية، والتحرر والوحدة، والأمن، والاستقرار، والثقافة، والدين.

والذين لا يرون ذلك عليهم أن ينظروا إلى نقيض فلسطين أي إلى اسرائيل، ماذا تمثل وإلى ماذا تتطلع؟. عليهم أن ينظروا إلى القوة أو القوى والدول الموجدة لهذا الكيان والحامية له، وكيف تراه، وما الدور الذي تسنده إليه؟ عليهم أن ينظروا إلى الإدارة الراهنة للولايات المتحدة، إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو يعلن ترشحه لولاية جديدة ، ما الانجازات التي حققها فيما مضى من ولايته الأولى ، والتي يحرص على إبرازها وتسليط الضوء ؟.

هل يكفي أن نقول إنه اعتبر في مقدمة هذه الانجازات على المستوى الدولي :
** الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الاسرائيلي
** نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة.
** الاعتراف بضم حكومة الكيان للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية
** الإعتراف بضم هذا الكيان للجولان السورية المحتلة.
** ونضيف على ما سبقى قرار ترامب بوقف تمويل منظمة الأنروا الخاصة باللاجئين الفلسطينيين مدخلا لحل هذه المؤسسة الأممية ، وذلك في إطار سعيه لشطب ملف اللاجئين الفلسطينيين.

** وكل ماسبق يخالف القرارات الدولية والأممية. وبكل المواقف المستقرة لمنظمة الأمم المتحدة، ومؤسساتها المختلفة. الإدارة الأمريكية تعتبر هذا من أبرز انجازاتها في سنوات ولايتها الأولى.

وتضيف لها الأن مشروع ترامب للسلام في الشرق الأوسط، وما أطلق عليه اسم “صفقة العصر”. وجاءت “ورشة السلام من أجل الازدهار” أو مؤتمر المنامة، واحدة من طلائعها.

ما يقوم به ترامب إزاء القضية الفلسطينية وإزاء الكيان الصهيوني يمثل خلاصة نظر الغرب الى إلى الطرفين: دعم لا حدود له لكل ما يريده هذا الكيان، دون أي رادع من قانون أو قرارات دولية. واستهتار لا حدود له بالحقوق الفلسطينية دون أي رادع أخلاقي أو إنساني.

ففلسطين والشعب الفلسطيني ليس لهما لدى الغرب: نظامه وقيادته وضميره، أي وجود أو قيمة أو اعتبار، والتعامل معه يتجسد بالقضم المستمر للأرض والحقوق ، والتزوير، والتغيير الدائم للحقائق والوقائع المستقرة والتاريخية، والقتل والارهاب والعدوانية المتصاعدة تجاه الانسان الفلسطيني ، في كل فلسطين، في أراضي 48 ، وفي القدس المحتلة، وفي الضفة المحتلة، وفي القطاع وفي المنافي، وديار اللجوء.

والعربي الذي يراجع ملف فلسطين يدرك دون كثير عناء أن “فلسطين”، كانت هي الراية الجامعة للأمة، من وقف تحت ظلالها، وعمل من أجلها، فقد حمى نفسه قبل أن يحمي فلسطين، وقد استقام وضعه، وأخذ الحماية من شعبه وأمته، قبل أن يبحث عنها في مكان آخر.

في التاريخ الحديث، وعبر التاريخ كله، فلسطين هي حامية كل نظام عربي ارتبط بها وأخلص. وكل زعيم عربي اتجه إليها وعمل من أجلها. وفلسطين ليست طلسم. والوقوف معها لا يتطلب بحثا في المعاجم ، وكتب التاريخ، وتوازنات القوى الراهنة، فلسطين هي الأرض المقدسة، وهي الجغرافيا السياسية وهي الشعب. وحقوقه في وطنه ودولته. وفي انتمائه لأمته. فلسطين هي التاريخ، وهي الدين، وهي قيم التسامح بين مختلف العقائد السماوية التي بان جوهرها تحت مظلة العروبة والاسلام. فلسطين هي الشعب ومقاومته ، المعاصرة ، والحديثة ، وعبر التاريخ، فهي تلك التي احتضنت السيد المسيح. وأسرى إليها محمد صلى الله عليه وسلم ، وتسلم مفتاحها عمر بن الخطاب ، وقاومت الصليبيين عبر قرنين من الزمن و سطع على أرضها المقدسة نجم صلاح الدين ، وكانت هي قلب مشروع جمال عبد الناصر في النهوض.

فلسطين هي التي احتضنت ثوراتها الشعبية المقاومة للمشروع الصهيوني. وأمدتها بكل عوامل الصمود والتضحية والقوة من ثورة البراق، إلى ثورة القسام. إلى منظمة التحرير الفلسطينية إلى فصائل المقاومة الوطنية والاسلامية الراهنة. إلى الانتفاضات المباركة ، إلى مسيرات العودة المستمرة.

فلسطين هذه، ليست قطعة من الضفة الغربية ، وأخرى في غزة، تبحث عمن يربط بينهما، وليست فرص عمل ، وتنمية حقيقية أو مزعومة، كما يحاول الأمريكي الصهيوني أن يصورها في “صفقة القرن. أو صفعته”، وكما يحاولون أن يشكلوا معالمها في إجتماع البحرين. وما سيليه من اجتماعات.

فلسطين شيء آخر مختلف جدا. ولو كان العاملون على صفقة القرن، والمنساقون إليها علموا شيئا من التاريخ لأدركوا أن ما يقومون به لا يمكن أن ينتج شيئا ذا قيمة ، لا سلام. ولا تنمية. ولا أمن.وإذا كنا على يقين بأن الجانب الأمريكي الصهيوني ، يعرف من التاريخ ما يكفيه لإدارك عقم هذه الاستهدافات، ويعرف من خططه وبرامجه ما يسوغ له أن يمضي قدما في هذه الخطط ، فإن الخيبة والخسران إنما تقع على ذلك الجانب من النظام العربي الذي أوهم نفسه ويريد أن يوهمنا بمثل هذا السبيل .

راية فلسطين هي الراية التي تجمعنا قوميا، والحقيقة التي لا يجوز أن يغفل عنها أحد في كل وطننا العربي. وفي كل اقليم من أقاليمه، أن مقاومة هذا الشعب الفلسطيني. بكل أشكال هذه المقاومة المسلحة والشعبية إنما “وجدت لتبقى، ولسوف تبقى حتى تعيد تأسيس وطنها الفلسطيني، وحتى يمارس هذا الوطن دوره في النضال الشامل لأمته العربية”.

وهذه الحقيقة ليست خيارا، وليست وجهة نظر. وإنما هي صوغ مكثف لأهم وأول درس نستخلصه. من تاريخ هذا الشعب. ويجب أن تمثل هذه الرؤية التزامنا الحقيقي على المستوى القومي، باعتباره الالتزام الذي يحقق ويعزز كل التزام آخر. اسرائيل هي العدو، هذا هو الموقف المبدئي والاستراتيجي بآن. وهذا هو الموقف الذي يحمي كل وطن عربي، وكل مواطن عربي، وكل حق عربي، وكل ثروة عربية، والمقاومة الفلسطينية واجب وحق مشروع يجب دعمه والوقوف إلى جانبه، في كل وقت، وفي كل ظرف. وبكل إمكانية تتوفر.

والعداء لإسرائيل هو عداء وجود، وليس عكارض أو مؤقت، أي ليس عداء ناجما عن خلافات حدودية، أو خلافات في السياسات، أو خلافات بين أنظمة . وعدو الوجود ، وتناقض الوجود لا يدانيه عداء أو ينافسه أو يزاحمه عداء آخر. نشير إلى ذلك ونشدد عليه حتى لا يختلط هذا العدو وهذا العداء بأي عدو ، وبأي عداء آخر.

في هذه المرحلة ينتهج نظام ولاية الفقيه في إيران سياسات معادية للشعوب العربية، ويدعم نظم القتل والفساد في بلدان عربية عديدة، ويشارك في إراقة الدم العربي. وتهدد ممارساته الطائفية بشكل حقيقي وفعال اللحمة الوطنية في أكثر من بلد عربي. بل لنقل في كل بلد عربي استطاع أن يتغلغل إليها، وهو فيما يقوم فيه من جرائم يعمل على أن يتلطى بالقضية الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية . ولقد بات التصدي لهذا النظام ضرورة أمنية، وطنية وإقليمية. وقومية.

كل ما سبق من ممارسات النظام الايراني دقيق وصحيح، لكن العداء مع إيران ليس عداء وجود، وإنما هو عداء ناجم عن سياسات نظام ولاية الفقيه، وخططه . أبدا لا يمكن لعاقل أن يطرح شعار “نحن أو إيران”. لكن مع العدو الصهيوني فإن هذا الشعار المبدئي والاستراتيجي هو الشعار الوحيد الصحيح والواقعي، والأقل تكلفة في الدم والمال والوقت. وكذلك الأقل تكلفة في معيار الأمن الوطني والقومي.

4 ـ راية الوحدة الوطنية وحرمة الدم الوطني، تجمعنا على المستوى الوطني، وراية فلسطين تجمعنا على المستوى القومي.

والصلة بين الراية الوطنية الداخلية، والراية القومية الكلية صلة عضوية، بل هما في الجوهر تجليات لقضية واحدة، قضية تتصل بالانسان العربي ومستقبله وحقه في أن يقف في مكانه الحقيقي في هذا العالم، وأن يقوم برسالته الحقيقة التي يجب ان يقوم بها بكل ما فيها من قيم، ومعايير، وصون للحياة الانسانية المستقرة والآمنة على هذا الكوكب.

لكن هناك من يريد منا أن نتنازل ونتهاون إزاء الهدف الوطني في مقابل الضرورات التي يفرضها الهدف القومي. بدعوى أن الوطني الخاص يتراجع أمام احتياجات القومي العام . وهناك من يريد منا أن نتناسى ونتراجع عن الهدف القومي العام، أمام ما يواجه الهدف الوطنى من عدوانية وما يحتاجه من ضرورات وتحالفات.

يريدون منا أن نغمض العين عن فلسطين وما يحاك لها، بدعوى توفير الظروف لمواجهة النظم الطائفية المستبدة والقاتلة، فلا بأس أن نقف مع أمريكا، وإسرائيل، لمواجهة طائفية وعدوانية النظام السوري ، وكذلك نظام ولاية الفقيه الايراني، وخطره على الأمة . أو أن نغمض العين عن النظام السوري، القاتل والطائفي، وعن نظام ولاية الفقيه وامتداداته في الكثير من الدول العربية، بدعوى توفير الدعم للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في هذه المرحلة. يريدون لنا أن نصطف هنا أو هناك، ما من خيار آخر.

يريدون لنا أن ندخل أحلافا ، تضيع فيها حقوقنا وتتيه بها رؤانا، بزعم أن من شأن هذا أن يوفر لنا ما تسمح به الظروف ، وتوازنات القوى، ومنطق الاصطفاف ودعوته ليست بالجديدة، كانت دعوة الاصطفاف والانحياز إلى جانب لمواجهة جانب آخر، مطروحة أمام العرب جميعا منذ مطلع القرن العشرين، وأخذت زخما خاصا عقب الحرب العالمية الثانية ، وانقسام العالم إلى أحلاف وإيديولوجيات متناحرة. مطروحة في سياسات التنمية والعمل الاجتماعي والسياسي داخل كل اقليم عربي، ومطروحة على مستوى السياسة الخارجية والدولية، ومطروحة على مستوى القيم الدينية والأخلاقية. وكان خيار الأمة الذي عرفت به وثبتته بمعاركها ودماء أبنائها، أن هذا الاصطفاف والانحياز، مانع لها من التحرر والتقدم، ولا يحقق لمشروعها الحضاري الذي تسعى إليه أي فرصة حقيقية. وسريعا ظهر لها طريقها الخاص، في التنمية الداخلية، وفي السياسة الدولية، وفي منظومة القيم الكلية، بمختلف تجلياتها الدينية والانسانية.

ونحن الآن مدعوون إلى التمسك بهذا الطريق: مدعوون إلى مواجهة النظم الطائفية ونظم القتل والارهاب، ونظم ولاية الفقيه وما فيها من تدمير لوحدتنا الوطنية، في سوريا. والعراق، واليمن، والجزيرة العربية، وفي كل مكان تظهر فيه هذه السياسات.

ونحن الآن مدعوون لأن نكون ، وبشكل حاسم لا يقبل المساومة، وبكل ما نملك من قدرات مع فلسطين، وضد السياسات الأمريكية الصهيونية تجاه هذه القضية، نحن مع المقاومة الفلسطينية بكل أشكالها، وتجلياتها.

نحن مع الشعب الفلسطيني، ومع حقه في استعادة وطنه كل وطنه، ومع قيام هذا الوطن بدوره في النضال الشامل لأمته العربية. نحن هنا على الساحة الوطنية ، وهنا على الساحة القومية، في الموقع نفسه، وفي الموقف نفسه، مع قيم الحق والخير والحرية والكرامة والجهاد. تحت هذه الرايات نعمل ونحيا، حتى لا نذل ولا نخزى.

                                                         

 

 

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى