مقالات

المقلب الآخر.. “مثلث الموت”.. السلفادور وهندوراس وغواتيمالا.. “الجزء 11”

عبـد النـاصـر طـه

عصابات الموت

//خاص المدارنت//… منذ أكثر من ثلاثين عاما، أبعدت سلطات الولايات المتحدة الأمريكية، مواطنين من أميركا الوسطى إلى بلادهم، معظمهم كان من فئة الشباب، الذين استطاعوا تشكيل عصابات منظمة في مدينة “لوس انجلوس”، قتل وسرقة ومخدرات. ومعظم جاليات اميركا الوسطى في الولايات المتحدة الأمريكية، هاربون من جحيم العنف والفقر والكوارث الطبيعية، حيث يبلغ العنف في أميركا الوسطى اعلى الدرجات العالمية، وتتجاوز نسبته الـ50 من كل 100 الف مواطن، وتصل في هندوراس إلى أعلى مستوى بنسبة 82 من كل 100 الف.

ويلخص رئيس غواتيمالا السابق “الفارو كولوم” حقيقة الوضع بقوله: “إن بلاده لم تعد قادرة على مواجهة العصابات، لأنهم مجهزون بأسلحة ثقيلة ومتطورة، تؤهلهم للقيام بالمزيد من العمليات الاجرامية، وإني أعتقد أن عصابات المخدرات أكثر قدرة من القوات المسلحة وقوات الشرطة”.

ذلك هو حال دول أميركا الوسطى عموما، وبالأخص، دول مثلت الموت، حيث تلعب الجغرافيا دورها في الربط بين أكبر مصدر للمخدرات (دول أميركا الوسطى)، وأكبر مستهلك للمخدرات (الولايات المتحدة الأميركية)، واستغلال المافيا المكسيكية شباب أميركا الوسطى، وتقديم الدعم اللازم لهم من أموال وأسلحة وتجهيزات، ودعم العصابات المسلحة، لما يقدمه هؤلاء من دور عالمي في تجارة المخدرات العالمية.

ومنذ العام 2016، تحاول السلطات في الدول الثلاث، إنشاء قوة عسكرية مشتركة لمواجهة العصابات المسلحة، وأخطرها: مارا 18؛ وماراتروتشا؛ حيث يزيد عدد أفرادها عن 100 الف مسلح، يسيطرون بالقوة على مساحات واسعة من الأراضي، ويسيطرون أيضا على أحياء كاملة في كبريات المدن.

حرب الفوتبول ١٩٦٩

مئة ساعة من الحرب التي استعرت بين الدولتين الجارتين: هندوراس والسلفادور، حصدت ثلاثة آلاف قتيل، معظمهم من المدنيين في هندوراس، والسبب الظاهر هو فوز فريق كرة القدم السلفادوري على نظيره الهندوراسي ٣-٢، في المباراة الثالثة الحاسمة بين الفريقين في تصفيات كأس العالم ( المكسيك 1970).

أما الأسباب الحقيقية، حسب السلفادور، فهي قرارات حكومة هندوراس بوقف تمدد السلفادوريين داخل اراضيها، الذين بلغ عددهم حوالي 300 ألف، ثم بداية طردهم بشكل تعسّفي، أثار حفيظة سكان السلفادور وحكومتهم، إذ بلغ عدد المطرودين قبل أيام من المباراة الفاصلة 12 ألف سلفادوري؛ استغلها الإعلام الحكومي على تعبئة الرأي العام ضد هندوراس، حتى كانت جماهير السلفادور تهتف اثناء مباراة كرة القدم ضد جمهور هندوراس: مجرمون، قتلة، وحوش؛ الى هتافهم بعد فوزهم بالمباراة: ها نحن نربح الحرب ضد هندوراس. علما ان رئيس السلفادور كان أعلن قطع العلاقات الديبلوماسية مع هندوراس يوم 27 حزيران 1969، قبل موعد المباراة الفاصلة بأيام قليلة، ولم يلبث أن أعلن الحرب يوم 14 تموز، في غزو مفاجئ لأراضي هندوراس.

وعلى اثر تلك الحرب نشبت الحرب الأهلية في السلفادور، بين الاوليغاركية الحاكمة مدعومة من الجيش، والفلاحين الذين كانوا يشكلون أغلبية السلفادوريين؛ إضافة إلى خسائر مادية ضخمة في كلا البلدين، تمثلت في دمار تجاوزت خسائره قيمة 8 مليارات دولار، ناهيك عن توقف الحركة التجارية بين البلدين بسبب إغلاق حدودهما.

عاملان اثنان، كان لهما الأثر الكبير على الجالية الفلسطينية: الاضطرابات الداخلية المتمثلة بالعصابات المسلحة، وحرب الفوتبول؛ فقد اكتوى المتحدّرون من اصل فلسطيني بنار الأحداث الدموية في أميركا الوسطى، وبشكل خاص في دول مثلث الموت؛ قتل بعضهم وأصيب آخرون بجروح متفاوتة، في عمليات إرهابية لم تتوقف حتى اليوم، ما دفع بالكثيرين الى المغادرة باتجاه دول أكثر أمانا، فغادروا الى تشيلي وكوستاريكا والولايات المتحدة الأميركية، ثم عاد بعضهم بعد توقيع اتفاقات بين الحكومات ومناوئيها من عصابات مسلحة او تنظيمات وحركات معارضة.

هؤلاء المتحدرين، عادوا بالذاكرة إلى معاناة أهلهم من الجيلين الأول والثاني من المهاجرين،الذين ذاقوا مرّ العيش في التجارة الجوالة، والتنقل من بلد إلى آخر، سيرا على الاقدام، او على ظهور الدواب، وما تعرضوا له من اعتداءات ونهب وقتل، من قبل اللصوص والمجرمين وقطاع الطرق .

في أجواء اضطرابات عامة سيطرت على عموم دول أميركا اللاتينية، ابتدأت مع مرحلة الخمسينيات من القرن العشرين، ظهر فيها العنف والعنف المضاد، وتفاقم الفساد في أوساط الطبقات الحاكمة بعد إكتشاف ثروات القارة الطبيعية، بدءا بالملح والفحم والموز والبنّ، مرورا بالذهب والألماس والأحجار الكريمة والمعادن النفيسة، وليس انتهاء بالبترول؛ كل ذلك دفع الجيوش الى الواجهة في دعم الحكام الفاسدين، ثم إلى الانقلاب عليهم واستلام السلطة فيما بعد، ما استدعى نشوء حركات تمرّد غلب عليها الطابع اليساري في عموم القارّة، وكان للجاليات العربية مساهمات واضحة وحضور واسع في كلتا الجبهتين: جبهة الحكام وجبهة الثوار؛ رؤساء دول ووزراء ونواب من جهة، وثائرون كانت لهم بصمات واضحة في أميركا اللاتينية؛ لعلّ أبرزهم الثائر الأممي السلفادوري الفلسطيني الأصل: “شفيق حنظل”.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى