مقالات

المواطنة المستلبة

د. صابر جيدوري/ باريس

خاص “المدارنت”..

قرأت منذ أيام مقالاً مترجماً عن الفرنسية يتناول موضوع التربية على المواطنة، حيث يطرح المقال فكرة أساسية مؤداها: إن ما تطمح إليه المدرسة في فرنسا، وتحاول أن تحققه هو تزويد روادها (التلاميذ) بثقافة متعالية وشاملة، متعالية على جميع الاختلافات الجزئية للثقافات الفرعية، وشاملة لمختلف المتمدرسين الفرنسيين تجاوزاً للانتماءات الثقافية والاجتماعية الخاصة.
تذكرت حينها ما أطلقت عليه يوماً “المواطنة المستلبة”، بعد أن بات واضحاً أن سيطرة السُلط الحاكمة على التعليم ليس لمعالجة المشكلات، وإيجاد الحلول لها، وليس لتزويد التلاميذ بثقافة متعالية على اختلاف الثقافات الفرعية في المجتمع كما هو حال التعليم الفرنسي، وإنما تأتي هذه السيطرة لكي يُشكل التعليم أفراداً يألفون الخنوع والذل والاستكانة، ويتعايشون مع الخوف والرعب، ويتعودون السلبية والانهزامية، ومن ثم فإن أفراداً هذه حالهم لن يعرفوا طريقاً للإبداع والابتكار، بل أكثر من ذلك يصبحون أداة للسُلط الحاكمة من أجل ترسيخ واقع القهر والحرمان.. كيف لا ودافع التربية يكاد يكون كله سياسياً من أجل دعم النسق السياسي الحاكم، وإن هذا الدافع هو العنصر الأساسي في توجيه السياسات التربوية، وتحديد المهارات العقلية، واختيار المعلومات التي تُعطى، وإقصاء المعلومات التي تُشكل وعياً ناقداً.
والمتتبع لما يحصل على صعيد التعليم العربي عموماً يدرك بسهولة كيف يتم تحويل التلاميذ من مواطنين إلى رعايا. يحصل هذا في مناسبات كثيرة يُطلب فيها من التلاميذ تمجيد القائد وتقديسه والولاء له، لأن المواطنة من منظور السلطة هي الولاء للحاكم وليس للوطن، وهذا يعني أن التعليم يعمل من أجل تدعيم النسق السياسي السائد والمحافظة عليه، لأن الاستقرار بالنسبة للسلطة الحاكمة خاصية مرغوبة وإيجابية، والتربية هي الوسيلة التي يصبح الإنسان العربي من خلالها واعياً بالنسق السياسي والثقافي ومدركاً لهما.
من هنا، يمكن تقرير أن أنظمة التعليم المختطفة بأدواتها ومؤسساتها وطاقاتها البشرية، تُعدّ وسيلة توظفها السُلط الحاكمة لإنجاح تربية المواطن، واحتواء وعيه لصالحها، دون أن تُراعي هذه السُلط أن هناك فرقاً بين المواطن الصالح كما يراه المجتمع، والمواطن الصالح كما تراه السُلط الحاكمة، فالمواطن الصالح من وجهة نظر المجتمع هو الذي تُشكل إرادته نوعاً من التناغم الاجتماعي مع غيرها من الإرادات، بينما المواطن الصالح من منظور السلطة الحاكمة هو الشخص الذي يؤيد الأوضاع القائمة، وينصهر فيها باسم الرعية. رعية لا تشارك في الحكم، ولا ضمان دستوري لها في الحقوق والواجبات، ولا اعتبار لرأيها أو توجهها، وإن مثل هذه الرعية هو ما تسعى إلى تكوينه السُلط عبر بوابة أنظمة التعليم، التي تستهدف سياساتها طبع نفوس الرعية بقيم الطاعة والخضوع، وليس تلك القيم التي تدفع باتجاه مستقبل مشرق واعد. وهذا ما وضحه الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد بقوله:
“إن المستبد يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحكم بهواه لا بشريعتهم، فلا يريد المستبد أن يتصرف فرد بوحي خالص من فكره المجرد، ولا أن يقتنع أحد بفكرة انشرح لها صدره، بل يريد أن يفعل الفعل أو يترك لوجهه لا لوجه الحق، كذلك يطلب السادة، وكذلك يصنع العبيد” (الكواكبي، 2006)
والملاحظ مما قاله الكواكبي إن الاستبداد يتلخص في تغليب إرادة واحدة لا تسمح بإرادات أخرى تعمل إلى جانبها على خلاف هواها، مما يعني أن المستبد يختطف المبدأ الأساسي الذي يجب أن تقوم عليه فكرة المواطنة ألا وهو مبدأ حرية الإرادة. ولأن المواطنة لا تستقيم مع مصادرة حرية الإرادة، فلا بد من إعادة النظر في وضعية التربية على المواطنة، وتحريرها ممن يستلبها، ويوظفها لصالح سلطته، وذلك من خلال تعزيز ثقافة المواطنة الصحيحة التي يجب أن تعمل على ثلاثة محاور هي:
– المحور المعرفي: الذي تُقدم فيه للمتعلم حقائق ومفاهيم ومعلومات، غرضها توسيع مدارك المتعلم حول ثقافة المواطنة، وأخطار الانتماءات الضيقة على حساب الانتماء للوطن.
– المحور الوجداني: الذي يتجه نحو تشكيل مواقف المتعلم واتجاهاته ومشاعره نحو تفضيل سلوك المواطنة الصحيحة، وما يرتبط بها من مفاهيم الانتماء والحرية والديمقراطية.
– المحور السلوكي: الذي يركز على تنمية قدرات ومهارات المتعلم على استخدام وتطبيق الاستراتيجيات والأساليب التي تساعد المتعلمين على السلوك بمقتضى أدبيات المواطنة.
إن تعزيز المحاور الثلاثة في سلوك الطلبة يتطلب من أنظمة التعليم استثمار القيم والمثل الدينية والثقافية والاجتماعية والإنسانية المؤيدة للمواطنة الصالحة، والنابذة للانتماءات الضيقة. ولهذا حدد الكواكبي خلاص الأمم من فساد الأخلاق بقوله: “يجب ابتداءً فك العقول من تعظيم غير الله والإذعان لسواه، وذلك بتقوية حسن الإيمان المفطور عليه وجدان كل إنسان، ثم تنوير العقول بمبادئ الحكمة، وتعريف الإنسان كيف يملك إرادته، أي حريته في أفكاره واختياره في أعماله، وبهذا تُهدم حصون الاستبداد، وتُسد منابع الفساد” (الكواكبي، 2006)
ومن أجل أن يتحقق ذلك، يجب تأسيس الثقافة المدرسية الرسمية على الانتماء للوطن الواحد، وتجاوز الولاء للثقافات المتعددة، والانتماءات المختلفة، ومن ثم فإن ما هو مطلوب لتحرير المواطنة من الاستلاب هو العمل على تأسيس الاعتقاد بمواطنة مجردة متساوية تمرر معايير وقيم وسلوكات مقبولة اجتماعياً أمام خليط هوياتي لم يجد بعد طريقه إلى الوجود في التشريعات والنشرات الرسمية، وفي مقدمات الكتب المدرسية، وفي اللقاءات التربوية، والدورات التعليمية.
ومن ثم، فإن المدرسة من خلال رفعها لشعار المواطنة، يجب أن تقدم نفسها كمكان محايد يدين بالولاء إلى وطن واحد غير قابل للتجزئة، له ثقافة واحدة، وإيديولوجية واحدة، وطن يتعالى على الاختلافات الثقافية والاجتماعية والسياسية، وذلك بغية إدماج المواطن في النسيج الاجتماعي، وعلى هذا المستوى من التوظيف يصبح المواطن في خدمة الوطن وتابعاً له، حيث الولاء للدولة، مقابل إحساس المواطن بالانتماء، والاعتراف بحقوقه السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية داخل وطن واحد ينتمي له الجميع.
ولهذا، فقد أكدت فلسفة الأنوار على أن وظيفة المدرسة، بالمعنى العصري، لا تكمن في مَذهبة العقليات من أجل الدمج أو إعادة الدمج في النسق السياسي السائد. وإن التصور الذي يرى في المدرسة مؤسسة لغسل الأدمغة، وتدجين الأجسام لجرها إلى مواطنة ضيقة تصور عتيق، ولا محالة أن تجاوزه لن يتم إلا إذا أدركنا أن مدرسة العصرَ الذي نحياه – أي عصر الحداثة – هي مدرسة عمومية يجب أن تشتغل في ظل دولة تؤمن بالقانون والمساواة وتكافؤ الفرص، حتى تُصبح المدرسة بمثابة الفضاء الروحي الذي يُمكّن الفرد من الانتماء إلى وطنه أيا كانت أصول هذا الفرد وانتماءاته.

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

تعليق واحد

  1. مقال مهم و رائع يا دكتور لكن للأسف نحن بعيدون عن تحقيقه أو تحقيق جزء منه طالما الدكتاتوريات تحكم بلادنا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى