الوسطية في الإسلام

خاص “المدارنت”
يظُنّ الكثير من المسلمين، وغيرهم، أنّ الوسطيّة هي الحياد أو الوقوف على مسافة واحدة من الجماعات أو الأفراد أو القضايا المطروحة في مجالات الشأن العامّ والحراك في مختلف نواحي الحياة.
في الحقيقة، يكتسِب مفهوم الوسطيّة في الإسلام؛ أبعادًا تُسبِغ على مسار الحياة الإنسانيّة، ما هو أفعل وأرقى من كلّ ما يراه البشر في هذه المسألة. ففي القرآن الكريم يتركّز معنى الوسطيّة حول الاعتدال والعدل في كلّ الأمور الحياتيّة؛ في النوم والمأكَل والمشرَب والعمل والكلام، وكلّ ما يتعلّق بحركة الإنسان اليوميّة، وكذلك في العبادات كلِّها وفي مقاربة كلّ قضايا الشؤون الخاصّة والعامّة. فأنت، كمسلم، مثلًا، لا يجوز لك الإفراط أو التفريط ولا لا يجوز لك الغلُوّ – حتّى في الدين.
يقول الله في كتابه العزيز، في الآية 143 من سورة البقرة: “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا”.
هذه الآية تعني أن يكون المسلمون أمّةً عادلة؛ تعرف الحقّ وتعمل بموجب هذه المعرفة، وتأخذ الخيارات الوسطيّة، باستمرار، بين الغلُوّ (التطرُّف) والتقصير (الميوعة)، وتشهد على الأمم الأخرى يوم القيامة؛ بأنّ الرسُل قد بلّغوا رسالات ربِّهِم، ثمّ أنّ الرسول، عليه الصلاة والسلام، سيشهد على هذه الأمّة بالحقّ والتبليغ.
لذلك، على المجتمع المسلم، والفرد المسلم، أن يُعمِل العقل في مقاربة كلّ ما يواجهُهُ من أمور وقضايا الحياة من دون تهوُّر أو لا مبالاة.
في الآية 89 من سورة المائدة، يقول الله حول فِدية اليمين: “فَفِدْيَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ”، أي من الطعام غير البخس وغير المبالغ في كلفته؛ من متوسّط ما تأكلون.
أمّا في الآية 28 من سورة القلم: “قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُون”. أي قال أعدَلُهُم وخيارُهُم رأيًا. وفي الاعتدال في الإنفاق (سورة الفرقان/ آية 67): “وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا”. وفي التوازن بين الدين والدنيا (سورة القصص/ آية 77): “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْك”. وفي التواضع وخفض الجناح (سورة لقمان/ آية 19): “وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير”.
إذن، الوسطيّة لا تقتصر على ناحية معيّنة أو أمر معيّن من أمور الحياة، وإنّما على كلّ تفاصيل حياة الانسان؛ ، كبيرها وصغيرها وعظيمها وبسيطها. هي مقياس التوازن في مقاربة الإنسان لكلّ ما يواجهه في حركة الحياة، لكي تستقيم الأمور لما يُرضي الله ويحفظ استقرار دورة الحياة..
هذا في القرآن الكريم، أمّا السنة النبوية المُطَهّرَة، فتزخَر بالأحاديث الشريفة التي تؤصِّل للوسطية والاعتدال في شتّى جوانب العقيدة والعبادة والسلوك، محذِّرة من الغلوّ والتنَطُّع، ومن أبرز هذه الأحاديث:
1- حديث “إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَة”، (رواه البخاري).
2- حديث القصد والاعتدال: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُون..”، “وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا”، (رواه البخاري)؛ والقصد هو التوَسُّط والاعتدال.
3- حديث الرهط الثلاثة: عندما جاء ثلاثة رهط يسألون عن عبادة النبي، عليه الصلاة والسلام، وكأنّهم تقالوها (رأوها قليلة)، فقال أحدهم: أصَلّي الليل أبدًا، وقال الآخر: أصوم الدهر ولا أفطِر، وقال الثالث: أعتزل النساء فلا أتزوّج. فجاء الرسول وقال: “أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي” (متّفَق عليه).

أمّا الأحاديث المحذرة من الغلُوّ والتشَدُّد فمنها قوله، عليه الصلاة والسلام: “هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُون” قالها ثلاثاً (رواه مسلم)، والمتنطِّعون هم المُتَعمِّقون المُشَدِّدون في غير موضع التشديد. وفي التحذير من الغلو، قال: “إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّين، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ” (رواه ابن ماجه).
إنّ تطبيق الوسطيّة والاعتدال في الحياة اليوميّة؛ ليس مجرّد شعار، بل هو منهج فكريّ وسلوكيّ شامل، كامل ومتكامل، يُوازِن فيه المسلم بين متطلّبات الروح والجسد، وبين الدين والدنيا من دون إفراط أو تفريط..
يتَجلّى هذا التطبيق العمليّ في خمسة مجالات رئيسية من المعاملات اليومية، هي: التوازن بين واجبات الدين ومتطلبات الدنيا؛ وفي الاعتدال المالي والاقتصادي (الإنفاق)؛ وفي إعطاء الحقوق وأداء المسؤوليّات (التوازن الاجتماعيّ)، وفي التيسير والسماحة في التعامل مع المخالفين وغير المسلمين.
نرى في كلّ هذا العرض المختَصَر؛ الأهمِّيّة القصوى لمبدأ الوسطيّة والاعتدال في الخطاب الإسلاميّ الذي يهدف بالأساس إلى الحفاظ على النوع البشريّ الإنسانيّ، واستمراريّة الحياة ضمن الأطر المستقيمة التي أرادها الله لخلقه؛ رأفةً بهم ورحمة..



