اليسار في أميركا اللاتينية.. فوضى فكرية وتناقضات سياسية ونهاية ايديولوجيا (2)

خاص “المدارنت”..
آنذاك كانت الاشتراكية تعني التأميم الكامل لوسائل الإنتاج، وتوسيع قطاع الملكية الإجتماعية بدلا من القطاع الخاص، ما أنتج فوضى عارمة في الاستيلاء على الاراضي والمصانع والشركات المنتجة وتحويلها إلى إدارة عامة لعمّالها؛ ثم خروج كثير من تلك المحاولات عن سيطرة الحكومات الاشتراكية.
تلك التجارب الناجحة، آنفة الذكر، ألهمت قوى المعارضة من شيوعيين واشتراكيين في أميركا اللاتينية، ودفعتهم لاعتماد الكفاح المسلح ضد الانظمة الحاكمة، ما جرّ على تلك البلدان حروبا أهلية دموية فتكت بالبشر وبالحجر، وخلفت مئات آلاف القتلى والجرحى والمفقودين والمشردين ، ثم انتقال عدوى الحروب الاهلية إلى دول اميركا الوسطى؛ ولعلّ أعنف التجارب دموية ما حصل في دول كولومبيا والأرجنتين وبوليفيا.

في تلك الأثناء، لم تقف الولايات المتحدة الأمريكية مكتوفة الأيدي أمام تحديات الاشتراكيين في اميركا اللاتينية عموما، فكانت توجهات وزير خارجيتها (هنري كيسنجر) منذ حكومة الرئيس نيكسون ١٩٦٩-١٩٧٤، للقيام بأعمال مزعزعة للاستقرار، بواسطة وكالة المخابرات المركزية الاميركية ، التي وطنت نفسها على عدم السماح بقيام ” كوبا” ثانية.
وظهر ذلك جليا في اعتمادهم على الجيشين الأرجنتيني والبرازيلي في قمع المعارضة والتنكيل بأفرادها في أشكال وصور دموية وارعابية فاقت كل التوقعات. ورافق ذلك اعتماد الاميركيين على رجال الأعمال المحليين الذين يقاطعون ويحاربون الاقتصاد الوطني بالوسائل التي تملى عليهم، بما في ذلك الاغلاق، مدعومين بالطبقات الوسطى التي أخافوها من مخاطر الشيوعية على الاقتصاد الحر، مع مواكبة وسائل اعلام عالمية ولاتينية مؤيدة للخط السياسي الغربي؛ كل ما سبق كان يمهد للقوات المسلحة في قطف ثمار تلك الجهود، في انقلابات دموية جرت الويلات ووسعت دائرة الإرهاب، في حين كانت ردات الفعل عنيفة ودموية في معظمها مدعومة من دول خارجية كان على رأسها الاتحاد السوفياتي السابق، وجمهورية الصين الشعبية.
شكلت النتائج الكارثية لتلك المرحلة دافعا كبيرا للنقيضين: الانظمة الحاكمة من جهة والحركات الثورية من جهة أخرى، إلى اعادة النظر في احداث المرحلة الدموية وتبعاتها على شعوب المنطقة، فكانت دعوات جريئة من قيادات الثوار في أكثر من دولة إلى التحرر من قيود الماركسية- اللينينية، والانعتاق من افكارها، ثم إجراء تعديلات فكرية وسياسية وتنظيمية في أحزاب ومنظمات وتشكيلات اليسار اللاتيني؛ إلى أن تحقق المراد بعد سقوط دولة الاتحاد السوفياتي.
ولعل أهم مفكري اليسار الذين دعوا إلى عالم اشتراكي جديد، كان الثائر الكولومبي (ألفارو فياض)، معلّم ورفيق الرئيس الكولومبي الحالي “غوستافو بترو”، في دعوته إلى فكر اشتراكي يراعي الخصوصية الاجتماعية لكل دولة، وكان يردد أن تثقيف الشباب بكتابات “غابرييل غارسيا ماركيز” الكاتب الكولومبي الحائز على جائزة (نوبل) للآداب، ستكون اقوى تأثيرا من كتابات “ماركس ولينين”.
عندها انتشرت مقولات: القبول بالديموقراطية التمثيلية بما يعتريها من عيوب، ورفض فكرة التأميم الكامل لوسائل الانتاج، إلى تبني فكرة تبني القطاع الخاص الذي يعد محورا في جوهر الفكر الرأسمالي تمهيدا للقبول باشتراكية السوق.
ثم انتقل المتنورون من اليساريين إلى اعلان اشتراكيتهم الجديدة القائمة على مجتمع الكفاية والعدل، والتوزيع العادل للثروة، مع مراعاة خصوصية كل بلد، بحيث لا يمكن تعميم أو إعادة إنتاج المسارات والنماذج التي اعتمدتها مجتمعات أخرى.هنا، انحسر اليسار الثوري القديم، في حين ما يزال يحكم قبضته على دولتي “كوبا” و”نيكاراغوا” في اميركا الوسطى؛ أما اليسار الجديد فهو ديموقراطي يؤمن بالتنوع ويقيم التحالفات السياسية بعيدا عن الايديولوجيا، ويواكب حركة الاقتصاد العالمي ويتأثر بها، ويحتكم في تداول السلطة إلى صناديق الاقتراع، ويجمع بين صفوفه أطيافا مختلفة من مكونات المجتمع المدني، وفي طليعتهم الشعوب الاصلية وبقايا الهنود الحمر، حيث باتت مكونا أساسيا من مكونات اليسار والمعارضة، في بلاد يشكلون فيها اغلبية مثل: بوليفيا والبيرو وغواتيمالا، أو يشكلون أقلية في دول مثل: الأرجنتين وتشيلي والاوراغواي والباراغواي وكولومبيا.
هذا اليسار اللاتيني الحديث، كان وما يزال بحاجة إلى قيادة تاريخية، لرص صفوفه وحماية نفسه من التشرذم والسقوط، ولمواجهة قوى اليمين من العودة إلى السلطة؛ في ظل وجود رئيسين من رموز اليسار العالمي، هما: الرئيس البرازيلي “لولا دي سيلفا”، والرئيس المكسيكي “أندريس مانويل لوبيز اوبرادور” المعروف بلقبه (أملو)، بالرغم أن دولة المكسيك ليست من دول اميركا اللاتينية، ولكنها دولة مركزية في عالم اليسار اللاتيني.




