مقالات

انجازات “ثورة تشرين” (العراقية) وصفحاتها القادمة..

   د. محمد القيسي*/ العراق
“ثورة تشرين”، انجزت الصفحة الاولى من مسيرتها، بملحمة عظيمة سطرها شباب العراق، بتضحيات كبيرة بارواحهم ودمائهم وصبرهم العنيد.
كانت صفحة تعرية النظام السياسي الفاسد، وعزله وانهاء الوجود السياسي الذي يستند عليه في تسويق نفسه امام الشعب العراقي، وامام العالم بكل الادوات المخزية التي استخدمها من قبل، كالتخندق الطائفي والمذهبي والمناطقي، والمتاجرة باسم الدين والديموقراطية المزيفة وادوات التزوير، فاصبح نظاما خاويا فاقدا لاي مرتكز، ولم يبق لديه سوى مرتكز قوة السلاح، واستخدام مفاصل الدولة في الهيمنة على الحكم في العراق.
“ثورة تشرين”، جعلت المجتمع الدولي، يلمس بقوة ان الشعب العراقي رافض لهذا النظام ويعرف انه اصبح خاويا لا ارضية له في العراق، وليس له انتماء في المجتمع العراقي، ولا يستند في وجوده الاّ الى عامل القوة والبطش والاغراء بالمال، وهذا الاخير بدءا يفقد قيمته نتيجة ما حققته الثورة من وعي جمعي.
وبات المرتكز الاساسي لاستمرار هذا النظام، هو عامل القوة والبطش والتبعية لايران، وتلك حالة طبيعية لاي نظام فاسد ومستبد وليس له ولاء للعراق ولا يمثل ارادة الشعب، فمن البديهي ان يدافع عن وجوده بقوة السلاح، مهما بلغ الثمن لادراك زعمائه ان مصيرهم الهلاك، فاصبحوا يستهدفون الثوار وكل فرد وطني وكل صوت حر وكل فعل، وكل نشاط بشتى انواع القوة، وبكل قسوة متزامنة مع الايغال في الفساد والسرقة بكل وقاحة، وهذا الاستهداف امر طبيعي يواجهه الثوار كما واجهته الثورات الشعبية في كل البلدان.
وقد يظهر للعيان ان الثورة ليس بذلك الحراك الواسع كما كانت في الاشهر الاولى من عمرها، لكن الاكيد انها اقوى في الوعي الجمعي الذي انتشر واستقر في عقول وقلوب الناس، واصبح مفهوم تغيير هذا النظام والخلاص منه حالة ايمانية اجتمع عليها غالبية العراقيين في داخل وخارج العراق، ان كانوا من الثوار والوطنيين وحتى افراد الشعب البسطاء، كلهم يؤمنون بالخلاص، من هذا النظام برمته، رغم الاستهداف القاسي والدموي الذي تواجهه الثورة، لكن الاكيد انها مستمرة وجذوتها متقدة ، والثورات الشعبية صفحات متعددة وقد تهدأ بسبب ظروف المواجهة مع هذا النظام وعوامل اخرى مؤثرة كما الحال مع ازمة فيروس كورونا، ولكنها لن تتوقف وتنتقل من صفحة الى اخرى.
والثورة الان في الصفحة الثانية من مسيرتها و تتمثل واجباتها بشقين اولهما التحرك على المجتمع الدولي بكل العناوين والفرص المتاحة، لاجل تحركه باتجاه الضغط على النظام السياسي في العراق حيث يمتلك المجتمع القدرة على استخدام الضغط على دول الجوار لكفهم عن التدخل في شؤون العراق بالوسائل المتعارف عليها في السياسات الدولية، والشق الثاني هو الميداني، اذ لم يبق لهذا النظام الاّ الاعتماد على السلاح وقوة الميليشيات وتسخير وجوده في مفاصل الدولة لخدمة ديمومته واي نظام يعتمد على القوة في وجوده سيزول حتما مهما حاول المطاولة في البقاء.
وهذا الشق، قد اثرت عليه ظروف انتشار وباء كورونا في التصدي له من قبل الثوار في تظاهراتهم واعتصاماتهم السلمية، ولكن الى حين، و على الرغم من الاثار السلبية لهذا الوباء على استمرار زخم الثورة، الاّ انه يفترض قد وسع دائرة الحاضنة الشعبية للثورة والثوار، بعد أن رأى الناس باعينهم الدولة الفاشلة والحكومة الفاسدة، التي لم تبالي بالشعب وهو يعاني من الوباء والفقر والموت.
ومن ادوات الثورات الشعبية، هو العصيان المدني، وهذا يجب ان تتوفر له ظروف ومستلزمات انضاج قبل اطلاقه، وفي مقدمتها الوعي (التثقيف على معنى ومفهوم العصيان المدني وتأثيراته)، ودوره في احداث التغيير المنشود، ودور جميع الثوار والوطنيين الان، هو العمل على التوعية والتحفيز، ومساندة جميع الفعاليات والتظاهرات الفئوية والمناطقية، مهما كانت صغيرة او مطلبية، لانها جزء مهم في نشر وعي التحدي للنظام، فوعي التحدي عندما يترسخ في عقول الناس، يكون هو الاساس في مساهمتهم في العصيان المدني الكبير، وكذلك، التخطيط بهدوء وبحكمة حتى لا يقع في الخطأ، ويفترض ايضا ان تتوسع دائرة التفكير والتدبير في النفوس، والذات على حساب مساحة العاطفة، والحماس التي قد تعرض المسيرة للفشل والاحباط.
* أكاديمي عراقي ومستشار صحيفة “يورو تايمز”..
اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى