انعكاسات العجز الأمني على تماسك رأس الهيمنة في طهران!

خاص “المدارنت”
سقوط هيبة الردع المسبق
لا يقاس الانهيار في المنظومات التسلطية بمقدار الخسائر المادية فحسب، بل بحجم التآكل في هيبة الردع الاستراتيجي وقدرة السلطة على فرض سيطرتها المطلقة على المجال العام. إن اتساع نطاق العمليات الميدانية وتعدد بؤرها ليشمل عشرات المدن الإيرانية المعقدة أمنياً، يوجه ضربة قاصمة لأسطورة “السيطرة الشاملة”؛ التي طالما تسلحت بها الأجهزة الاستخباراتية وقوات الحرس.
عندما تعجز المنظومة الأمنية عن منع سلسلة عمليات واسعة ومتزامنة تستهدف مراكزها الحساسة، فإنها لا تفقد فقط السيطرة الجغرافية، بل تفقد ما هو أهم: الشرعية الرمزية كقوة لا تُقهر. هذا التصدع في هيبة الردع يحول الخوف الفردي والمجتمعي إلى جرأة جمعية متصاعدة، ويزيل حاجز الرهبة من مواجهة آليات القمع، مما ينعكس بشكل مباشر على شعور النخب الحاكمة بأن مظلتهم الأمنية باتت خرقاء ومخترقة في قلب معاقل نفوذهم.

صراع الخيارات بين القبضة الحديدية وشبح الانهيار
يضع العجز الميداني المتصاعد رأس الهرم السياسي في طهران أمام معضلة استراتيجية بالغة التعقيد، تتجاوز حدود إدارة الأزمات التقليدية إلى صميم البقاء السياسي. فمن جهة، يدفع الجناح الأكثر تشدداً داخل مركز القرار نحو مزيد من التوحش الأمني وقمع الاحتجاجات بوحشية مفرطة كحل وحيد لا بديل عنه، معتبرين أن أي تراجع سيشكل اعترافاً بالهزيمة.
ومن جهة أخرى، يدرك الجناح البراغماتي أو العارف بـمآلات الأمور أن اللجوء المفرط للقبضة الحديدية في ظل اقتصاد منهار وغضب شعبي متأجج يشبه صب الزيت على النار، وربما يتعطل تنفيذه لتعذر ضبط الأجهزة التنفيذية المنهكة أصلًا في تأمين مقراتها. هذا التخبط في اتخاذ القرار يعكس حالة من الشلل البنيوي داخل مراكز صنع القرار العليا، حيث تتضارب الرؤى حول كيفية تطويق الأزمة، مما يفتح باباً واسعاً للتشكيك في كفاءة القيادة وقدرتها على إدارة الدولة في لحظات المنعطفات التاريخية.
تبخر الضمانات ورياح الانشقاق الصامت
تعتمد استمرارية أي نظام تسلطي على شبكة صلبة من المصالح المشتركة والولاءات المتبادلة بين رأس السلطة وقواعدها العسكرية والأمنية. غير أن عجز القيادة عن حماية مواقعها وقواعدها الحيوية من الاستهداف المتكرر يبعث بإشارات سلبية خطيرة لشبكات المرتزقة والمنتسبين إلى قوات الحرس وميليشيا الباسيج. عندما يشعر العنصر الأمني أو القيادي المتوسط أن المنظومة عاجزة عن توفير الحماية لنفسها فضلاً عن حمايته، تبدأ “عقيدة الولاء المطلق” في التآكل لصالح “غريزة البقاء الفردي”.
هذا التحول السيكولوجي والمؤسسي يؤدي إلى تفشي حالة من التململ والانشقاق الصامت، حيث تبدأ الأطراف المختلفة داخل هرم السلطة في حساب التكلفة المستقبلية للاستمرار في قمع الشعب، مما يهدد بتفكيك عرى التحالف الحاكم من الداخل، وتحويل النظام إلى كيان هش يترنح مع أول هزة كبرى منتظرة.

من فراغ السلطة إلى حتمية التحول الجذري
تؤكد هذه المؤشرات أن التآكل في تماسك السلطة العليا بطهران لم يعد مجرد احتمال نظري، بل أصبح مساراً هيكلياً تتغذى عليه ديناميكيات الصراع الداخلي. إن عجز النظام الأمني عن وأد هذه التحركات في مهدها يعني أن أي أزمة معيشية قادمة، كتلك المتعلقة برفع أسعار الوقود، لن تكون سوى صاعق تفجير لموجة أوسع وأعمق قد لا تملك الأجهزة القدرة على ترميم آثارها.
وإذا كانت السلطة قد نجحت سابقاً في امتصاص الصدمات عبر الحلول الأمنية المؤقتة، فإن تراكم الضربات الميدانية واقتراب الشارع من كسر الخطوط الحمراء السياسية يشير بوضوح إلى أن مركز القرار يفقد تدريجياً أدوات السيطرة، مما يجعل مرحلة الانتقال السياسي وفراغ السلطة محطة أقرب للتحقق مما تتخيله دوائر صنع القرار المغلقة في طهران.



