مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”29″..

خاص “المدارنت”..
يتابع موقع “المدارنت” نشر فصول المحور الثاني من كتاب: “صرخة الإسلام” غير المنشور للمربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود.
2-2- ب – الابتلاء التحذيري: العامّ والخاص: إن الابتلاء الذي رأينا فيه تحذيرًا بحسب فهمنا له، يمكننا وصفه في الوقت نفسه بأنّه تعليمي وإرشادي ووعظيّ؛ ومنه ما هو عام ومنه ما هو خاص:
2-2-ب-(1) – الابتلاء التحذيري العام: ففي الابتلاء الذي يذهب فيه ربّ العالمين إلى اختبار الإنسان بإكرامه وتنعيمه، يريد منه الحمد والشكر، ويحذّره من المباهاة والمفاخرة؛ وفي الابتلاء الذي يمتحنه بالعسر وضيق الرزق، يريد منه أن يتعلّم الصبر والتحمّل كارهًا منه التشكّي والظنّ بالقدر واتّهامه بالإهانة. هذا ما فهمناه في سياق “سورة الفجر”، الذي لا يخلو من الوعيد، وفي الآيتين التاليتين: ﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ (الفجر: 15و16). ويأمر الله الناس بأن يتجنّبوا ويخافوا محنة أو مصيبة يصيب أذاها وضررها الظالمين منهم وغير الظالمين، ويحذّرهم من شدّة عقابه، إذ يقول في الآية ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال:25). وفي سياق هذه الآية، يندرج حديث الرسول “إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمّهم الله بعذاب من عنده“(14).
ويخبر الله الناس بأن أموالهم وأولادهم هم موضوع امتحان واختبار لهم؛ فنجاحهم في الابتلاء هذا هو في أن يحسنوا التصرّف بالأموال في سدّ حاجاتهم، وفعل الخير مع الشكر والحمد لله، فلا يستعلوا بها على الفقراء والمساكين، وفي أن يجيدوا في تربية الأولاد على الدّين القويم، وعلى طاعة الله ورسوله في أمرهما ونهيهما، فلا يستقووا بهم على من دونهم، ولا تغرّنّهم القوة بهم بحيث يبقى لهم الأجر العظيم عند الله، وفقًا لقوله تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال:28). ويحذّر الله المؤمنين من مغبّة أن يتولّى أمورهم كفّار فيسود الكفر، ويتهدّد إيمانهم، وينتشر الفساد والإفساد، الأمر الذي ينهى عنه الله حيث يقول في الآية ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾(الأنفال: 73). وفي الآيتين الآتي الكلام عليهما، نرى الابتلاء فيهما عامًّا أكثر مما هو خاصّ: ففي الآية﴿-وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ [الكفّار]وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ-﴾ (محمد:4)،
قضت مشيئة الله ألاّ يقضي على الكفّار وأن يترك مجاهدتهم للمؤمنين مبتليًا هؤلاء وأولئك بعضهم ببعض، اختبارًا لصحة الإيمان وثباته والعمل به، وفي الآية ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ (الأنعام:53)، ابتلى الأغنياء وذوي النفوذ والمكانة المرموقة في المجتمع بالفقراء المساكين، والله يعرف مِنْ هؤلاء وأولئك مَنْ يحسن التصرّف والعمل في طاعة الله ورسوله، فيهديه ويرضى عنه، ومن يسيء ويعصى الله ورسوله فيضلّه ويغضب عليه.
2-2-ب-(2)- الابتلاء التحذيري الخاصّ: لقد جعل الله “شجرة الزقوم” محنة وبلاء وعقابًا للظالمين، مختصًا إياهم بها في الآخرة، وهذا إنذار وتحذير يقرأ فيهما الظالمون آخرتهم، الأمر الذي قد يجعل بعضهم يتراجع عن جوره، تائبًا منيبًا، وقد اهتدى إلى الصراط المستقيم وسواء السبيل حيث حذّرتهم الآية:
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا [الزقوم] فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾(الصافات:63). كما جعل الله عددًا من الملائكة خزنة للنار، وجعل عددهم تكذيبًا وتضليلاً للذين كفروا بالدعوة إلى الإسلام من طريق صاحبها النبيّ المصطفى، واختص بعض الكفّار واختبرهم في نعيم الدنيا وزينتها ليقيم الحجّة عليهم وقد تمادوا في غيّهم وكفرهم، ناهيًا رسوله عن التطلّع إلى هؤلاء، مخبرًا إياه بأن نعيم الله وأجره في الآخرة هو خير وأدوَم. لنتأمل كل ذلك في الآيتين التاليتين:
﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ (المدثر:31) و﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾(طه:131).
2-2-جـ-الابتلاء ذو الهدف المعيّن: بعد تفريق اليهود، اختبرهم الله بالخير واليسر والنعيم، وبالشر والعسر والشّقاء من أجل أن يرجعوا عن الكفر، ويعودوا إلى الصواب والإيمان، إذ يقول في كتابه المبين ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾(الأعراف:168). وها هو يمتحن الناس بما يستدعي الجهاد والصّبر ليعلم المجاهدين منهم في سبيل الله الذين يعرضون أموالهم للضرر والخسارة، وأنفسهم للإصابة والتضحية، وليعلّم الصابرين منهم على تحمّل المشاق والأعباء والمكاره، ويختبر أعمال وأفعال هؤلاء وأولئك في صالحها وطالحها، وحسنها وسيئها، وفقًا للآية ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾(محمد:31).
وفي الآية التالي نصّها، يعيّن الله للناس المبتلى به مما يخيفهم ويجوّعهم وينقص من أموالهم، ويصيبهم بأنفسهم واقتصادهم، ليثيب ويكرم ويؤجر الصابرين منهم، المسلّمين بقضاء الله وقدره، إذ يقول في الآية المعنية﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ (البقرة:155). وما كان الله ليترك الناس الذين آمنوا دون اختبارهم وقد سبق واختبر الناس الذين كانوا قبلهم بما يفضي إلى تمييز الصادقين المخلصين في إيمانهم وعملهم من الكاذبين المنافقين، وفقًا للآية ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت:3).
2-2-د- الابتلاء ذو الهدف المحدّد في سياقه: لقد ابتلى الله المؤمنين بمواقف صعبة وحرجة كيوم “غزوة الخندق” حيث هزّهم اشتداد صعوبة الموقف وخطورته هزًّا. وهل في مثل هذا الموقف من هدف غير الاختبار لتبيان وتمييز ثبات الإيمان ورسوخه بوجه جبروت الشّرك أو الكفر وطغيانه، مصداقًا للآية ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (الأحزاب:11)؟! وقد أخبرهم بقسم عظيم أنهم ملاقون امتحانًا صعبًا في ما ينقص من أموالهم ويذهب بها من المصائب والشرور، وفي ما يصيب أنفسهم من الشدائد والمكاره، ومن إزهاق لها، وأنهم متلقّون الأذى والضرر والمساوئ من المشركين؛ وفي هذا السياق، يتّضح الهدف من كل ذلك أن يصمدوا ويثبتوا ويفوزوا بالصبر على المكاره، وعظم الأجر عليه، وأن يخافوا الله في ما يعملون ويفعلون باعتبار التقى والصبر مما يعزم عليهما من الأمور، كما جاء في الآية:
﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ (آل عمران:186). ولقد قضت حكمة الله أن لا يجعل الناس أمّة واحدة، ذلك ليختبرهم في ما آتاهم من كتب، آمرًا إياهم بالتنافس بفعل الخير بحيث يكون الهدف في هذا السياق معرفة وتمييز المستجيبين لأوامره ونواهيه، من الرافضين، والمطيعين من العاصين، بحسب ما جاء في الآية:
﴿-وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ-﴾ (المائدة:48). ويمتحن الله الناس بالعهد حيث يكون النجاح في الامتحان التزامًا بالعهود ووفاءً بها، لما لها من أهميّة ومكانة في استقرار العلاقات وترسيخ الوئام والوفاق، ويبين لهؤلاء الناس ما كانوا فيه يختلفون يوم القيامة وفقًا لمضمون الآية ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾(النحل:92). وفي غزوة أُحد، فصل الله وأبعد المسلمين المهزومين عن المشركين ليختبرهم في إيمانهم وثباتهم عليه، وقد عفا عنهم، وهو المفضل على المؤمنين جميعًا كما جاء في الآية:
﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (آل عمران:152). وننهي هذه الفقرة باختبار الله كلّ ما تخفي الصدور والنفوس والقلوب من أسرار، لمعرفة ما فيها من إيمان وخير وإخلاص وصدق، وتطهيرها ممّا فيها من كفر وشر وكذب وبهتان، وهو العليم بكل شيء فلا تخفى عليه خافية، ولا يُحجب أو يغيب عنه سرّ أو مضمور، وفقًا للآية:
﴿-وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل عمران: 154).
2-2-ه-الابتلاء التوصيفي للمتحقق من الأعمال: لقد اختبر الله النبيّ إبراهيم بأوامر، فكان بلاؤه فيها حسنًا حيث جاء تنفيذها بالكمال والتمام، تبعًا للآية ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾(البقرة:124). وابتلي بنو إسرائيل بطغيان آل فرعون الذين عذّبوهم شرّ عذاب، وقتّلوا أبناءهم واستبقوا بناتهم ونساءهم على قيد الحياة لاستخدامهن، فكان بلاؤهم سيّئًا وكبيرًا بالمعنى السلبي، ثم نجّاهم الله من محنتهم والظلم الواقع عليهم، وكانت تنجيتهم بلاء حسنًا وكبيرًا وجميلاً من ربّ العالمين، وفقًا لما تقوله الآية:
﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ (الأعراف:141). هذا، وقد ابتلى الله نبيّه سليمان بصحته لهفوة أو لشيء لم يرده الله له، فأبلى النبي سليمان بلاءً حسنًا إذ تاب وأناب، مصداقًا للآية:
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (ص:34). ولقد اختبر الله أيضًا نبيّه موسى وامتحنه امتحانًا كبيرًا وكثيرًا، ثم نجاه من كل المحن التي تعرّض لها مما فيها من الغمّ الذي كان فيه جرّاء قتله المصري؛ وكان موسى في بلاء سيّئ، وكانت تنجيته من رب العالمين بلاء حسنًا وعظيمًا حيث جاء في القرآن ﴿-وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا-﴾ (طه:40). وننهي بأسمى بلاء وأعظمه على الصعيد البشري، ذلك البلاء الذي وصفه ربّ العالمين بالمبين، والذي أبلاه النبي إبراهيم في مستوى إيمانه الثابت الصادق في استجابته لأمره تعالى بذبح ولده إسماعيل، والذي أبلاه النبي إسماعيل بنفسه الذي صبر مسلّمًا راضيًا بقضاء الله وقدره. وهل من إيمان أصلب من إيمان النبيّ إبراهيم؟! وهل من صبر أكبر من صبر النبيّ إسماعيل؟! وكان بلاؤهما المبين في ما ابتلاهما وامتحنهما ربّ العالمين، وفقًا للآية﴿إِنَّ هَذَا[ابتلاء رب العالمين وبلاء النبييّن إبراهيم وإسماعيل] لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾(الصافات:106).
وها قد أصبح لدينا صورة واضحة إلى حد كبير أيضًا عن الابتلاء في القرآن دون الادعاء بأن هذه الصورة القرآنية عنه، وتلك الصورة عنه أيضًا في الثقافة الإسلامية السائدة والشائعة، قد غطّتاه في كل جوانبه وأبعاده ومراميه على نحو كافٍ وافٍ؛ بيد أنّهما تكفيان وتفيان بما نريد الكلام عليه منه كمحكّ أو مقياس لسيادة الإنسان في الأرض؛ علمًا بأن العناوين المعبّرة عن الابتلاء في الثقافة السائدة والشائعة قد اختبرناها بالنظر إلى الحضور الفاعل في النفوس، نفوس أهل الإيمان، وإلى انشغالهم بمشيئة الله فيه، بينما اخترناها في القرآن بالنظر إلى شمولية الابتلاء وتوازنه في إطار الاستجابة للقيام بمهام وأعباء الخلافة التي كلّف الله بها الإنسان. ولكن، وقبل المضي إلى ذلك، نرى من المفيد أن نوجز الكلام في ما تكوّن لدينا من ملاحظات معتبرة من خلال صورتي الابتلاء هاتين.
2-3- ملاحظات معتبرة في الابتلاء واقعًا وقرآنًا: إن الملاحظ الذي يهتم بالجو القرآني للابتلاء ثم بجوّه الثقافي السائد والشائع، لا بدّ له من أن يقع على ملاحظات ذات شأن واعتبار بين هذين الجوّين، من قبيل ما يلي:
2-3-أ-الابتلاء: غايةً وقدَرًا: إن الابتلاء في غايته، مثل كل تكليف ديني، ينتهي في الآخرة. وهذا ظاهر في كل من الثقافة السائدة والقرآن. أضف إلى ذلك أنه كما هو قدر في واقع الحال، هو قدر أيضًا في القرآن بالنظر إلى فاعليّته وعلّته الواضحتين ومصداقًا لما جاء عن الله على لسان النبي موسى من أن الابتلاء أو الامتحان هو امتحانه تعالى حصرًا، يبعد به من الصراط المستقيم وسواء السبيل من يريد، ويجعل من يريد عليهما، في الآية:
﴿-إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ (الأعراف:55). وفي السياق نفسه يندرج معنى الآية ﴿-وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا-﴾ (المائدة:41)… بيد أن القدر، في الابتلاء في الثقافة، يبدو أظهر وأحضر في حياة أهل الإيمان إلى درجة لا يملكون إزاءه سوى التلطّف فيه.
2-3-ب-الابتلاء: أثرًا ووظيفةً: تذهب الثقافة السائدة والشائعة إلى أن الابتلاء يربّي النفوس على الكثير من الفضائل والقيم العليا من قبيل الثبات والصبر والتوكّل والتسليم وما إلى ذلك، كما يطهّر القلوب من الذنوب والخطايا، ويقرّب المبتلى المؤمن من الله، ويرفع درجته عنده، ويعجّل عقوبته، آخذًا طابعًا جزائيًا في الحياة الدنيا؛ بينما يبدو الابتلاء في القرآن تعليميًا حاضًّا على الفعل الحسن، ما يجعله في إطار تربية النفوس المشار إليها؛ بيد أن الابتلاء في القرآن ليس محاسبة ولا مقاضاة ولا جزاء في الحياة الدنيا لأن كل ذلك مرجأ إلى يوم القيامة، يوم الحساب حيث ستختبر كل نفس ما كانت قد كسبته أو قامت به من عمل صالح أو طالح، وفقًا لما جاء في الآية:
﴿هُنالِكَ تَبلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ-﴾ (يونس:30). أضف إلى ذلك أن الذين جاروا على أهل الإيمان فأحرقوا كثيرًا منهم ولم يرجعوا إلى الرشد والصواب والإيمان، سيكون عقابهم في الآخرة عذاب النار، ويذوقوا عذاب الحريق الذي كانوا قد أوقعوا فيه هؤلاء المؤمنين والمؤمنات ظلمًا وعدوانًا، مصداقًا لما في الآية:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ﴾ (البروج:10)… بيد أنه ينبغي لنا أن نشير إلى أن التعليم والتربية لا يبلغان شيئًا من مداهما، أثرًا ووظيفةً، إلاّ إذا كان الابتلاء في نطاق وسع المبتلى وطاقته، وأتيح له التعلّم وتربية النفس؛ أما إذا جاوز الابتلاء طاقة المبتلى فأعجزه وكسره، فلا تربية ولا تعلّم؛ اللهم إلاّ إذا أبقى له العجز والكسر تماسكه وتوازنه الشخصي، ما يتيح له التعلّم والتربية في ابتلاء آخر يتمكّن من الإفلاح فيه.
2-3-جـ-الابتلاء: مدًى وشموليةً: إن المستقرئ الذي يصغي إلى حديث الابتلاء أو البلاء على ألسنة السواد الأعظم من المؤمنين والمؤمنات في الثقافة الإسلامية السائدة والشائعة بينهم، والذي يتفهّم كلام فقهاء كبار فيه، ويتمعّن في كتابات ذوي أقلام سيّالة في طغيان القضاء والقدر في تلك الثقافة، إنه يظنّ، للوهلة الأولى، أن الإسلام قد جاء خصيصًا لهؤلاء دون العالمين؛ ذلك لكثرة وخطورة ما ضيّقوا من مدى الابتلاء، وما اجتزأوا من شموليّته. لقد جعلوه طاغيًا في السوء والشرّ والمكاره والشدائد والنوائب والكوارث دون معناه الإيجابي؛ كما جعلوه مختصًا بأهل الإيمان وبمن يحبّه الله؛ وهل يحبّه الله لغير إيمانه؟! كما جعلوه أيضًا متناسيًا مع الإيمان حيث يكبر ويعظم مع رسوخ الإيمان وصدقه وصلابته، تمشّيًا مع الحديث المنسوب إلى الرسول والذي ورد فيه:
“… يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلبًا، اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، على حسب دينه…”. ففي سياق ما ذكرناه، للمرء أن يفهم أن يكون الأجر كبيرًا على الإيمان الراسخ الصادق، وعلى الصبر على المكاره والشدائد والرضا بقضاء الله وقدره. ولكن ما يثير التساؤل هو ما ذهب إليه الفهم البشري للابتلاء فابتعد به عن مداه وشموليته. فالابتلاء لم يكن حكرًا على المعنى السلبي، وفي الشر والسوء والضرر والمكروه، بل جاء أيضًا في المعنى الإيجابي، في الخير والإحسان والنفع والمرغوب فيه؛ إنه اختبار للإنسان في الحياة كلها، في خيرها وشرّها، وحلوها ومرّها، وجمالها وقبحها؛ ولم يقتصر على المؤمن دون المنافق أو المشرك أو الكافر، ولا على من أحبّه الله دون من لم يحبّه لضلاله وظلمه وطغيانه وسوء عمله، ولا على صاحب الإيمان لجهة رسوخه وصلابته أو لهشاشته ورقّته. ان مدى الابتلاء يشمل حياة الإنسان كلّها ويشمل الناس جميعًا. لنتأمل في الآية :
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان:2). إنه في الخير والشر، وفي السرّاء والضرّاء، وفي الإيجابي والسلبي، إنه يصيب الإنسان، كل إنسان، في أي مستوى من الإيمان أو الكفر كان؛ ولكن الجزاء المترتب على الإفلاح في الابتلاء أو الإخفاق فيه فمختلف، ويصنّف دينيًّا وفقًا لمعايير ربّ العالمين التي لا تظلم النفس أشياءها، وتعطي كل ذي حقّ حقّه ونرى فيها ذروة الدّقة في العدل تبعًا للآيتين ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ (الزلزلة 7 و8).
2-3-د- الابتلاء من حيث الاستجابة له: إن الاستجابة السائدة والشائعة في ثقافة المؤمنين والمؤمنات، للابتلاء هي التسليم بمشيئة الله، والصبر على المكاره والشدائد، والرضا بقضائه، والسكينة والرضوخ لقدره، مع الإيمان الثابت بالله، وبحكمته ورحمته وعدله، ومع تعليل النفس بالأجر العظيم، والفوز بنعيم الآخرة. أما الشعار السائد والشائع في جو هذه الاستجابة فهو “اللهم، لا نسألك ردّ القضاء، بل التلّطف فيه”. ولعلّنا في هذه الاستجابة نجد أنفسنا مرارًا وتكرارًا، محاصرين بثقافة القضاء والقدر وقد أصابت منّا الفاعليّة لصالح المفعوليّة(15).
بينما لو رجعنا إلى جوهر تكليف الإنسان بخلافة الأرض وابتلائه بالقيام بمهامّها وأعبائها، لوجدنا في “الابتلاء القرآني” مما يتوافر فيه من دروس وعبر وعظات، ومن قيم عليا، ما به ننصف أنفسنا، ونرحمها، ونطلق فاعليّتها، ونفعّل وسعها، بدلاً من جلدها بسياط فهمنا البشري المؤلّه الذي يفضي إلى رمي العوائق والعثرات والمثبّطات في وجهها، ما يقعدها عن الفعل، ويضللّها عن المواجهة الفاعلة المسؤولة، ويعميها عن الأخذ بأسباب النهوض والتغيّر والتطوّر والتقدّم، كنتيجة منطقية لما نحن فيه من إخفاق في ابتلائنا بالخلافة، علمًا بأنه بوسعنا الإفلاح فيه، لأن التكليف والابتلاء لا يكونان بغير الوسع والأهليّة، ولا يكونان بغياب الحريّة والمسؤولية. ومن القيم المشار إليها، يمكننا أن نذكر الإيمان بوسعنا وأهليّتنا، وتحمّل المكاره والصبر على الشدائد، والجهاد والصدق والاخلاق والمواجهة والتنافس على العمل الصالح والسيادة والحريّة والمسؤولية…
كل هذه القيم تسهم في ضبط سلوكيّتنا، وتحصين فاعليتنا، وتمكيننا من خير الاستجابة للابتلاء، ألا وهي الإفلاح فيه، ما يليق وحده بخليفة الله في الأرض، سيد عالم الشهادة، الإنسان. وفي سياق هذه الاستجابة، لعلّنا نستفيد من ابتلاء ربّ العالمين نبيّه إبراهيم “بكلمات أتمهن” في نموذج للاستجابة بحيث نحسن ونتقن ونتمّم ما نكلّف به. كما ينبغي لنا أن نكرّس في سلوكنا مضمون الحكمة القائلة “إن الرجوع عن الخطأ فضيلة”، من خلال “إنابة النبيّ سليمان بحيث نجعل من الخطأ معلّمًا جيّدًا نتعلّم ونتربّى ونترقّى على يديه أنفسنا. وهل من أمثولة أجلّ من “وجوب ردّ الصنع الجميل على البلاء الحسن”، التي نستخلصها من تنجية ربّ العالمين بني إسرائيل من طغيان آل فرعون إذ كانوا في ابتلاء سيّئ، وكانت تنجيتهم بلاء حسنًا بل عظيمًا من ربّ العالمين؟! ويؤكّد لنا استخلاصنا هذه الأمثولة، ما جاء في الآية ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ (الرحمن:60).
ان انحيازنا لاستجابة للابتلاء أفعل وأعدل وأفضل مما هي عليه في واقع الثقافة السائدة والشائعة يجد الكثير الكثير مما يدعّمه ويرفده القرآن الكريم وليس ما ذكرناه بشأنها من استشهادات إلاّ غيضًا من فيض. فماذا بعد مما نفهمه من الابتلاء في حياتنا؟
- الابتلاء هو تجربة الإنسان الكبرى:
إنّ ابتلاء الإنسان (اختباره) بالحياة يختزل فيه بما يستلزمه من بلاء هذا الإنسان فيه (استجابته وأدائه وعمله)، نشاطه كلّه في حياته كلّها، وسيلة وغاية وأهميّة وقيمة، وفي إيجابه وسلبه… إن الخوض فيه يرتّب علينا تحديد بعض المفاهيم ذات العلاقة، وتعيين مرجعيّته، ورسم صورة عنه كمدرسة فريدة للبشر جميعًا، وصورة أخرى عنه أيضًا كمعلّم جيّد في خيره وشرّه إذا استقامت سوية المتعلّم (الإنسان)، والاستجابة لدعوته إلى العلم وإعمال العقل في ما يصنعه ويحدثه من ثقافة متجدّدة للإنسان. والآن، لنتبلِ بلاءنا في ما أوجزنا وقدّمنا لهذه الفقرة التي تكاد تهيمن على الفصل كلّه.
3-1- تبيان مفاهيم ذات علاقة: من المفاهيم ذات العلاقة بالابتلاء والتي تدور في فلك معانيه ودلالاته يقع اختيارنا على ما يلي:
3-1-أ- تجربة الإنسان الكبرى: إنها وصف للابتلاء الأكبر والأعظم والأشمل المترتّب على التكليف الأكبر والأعظم والأشمل، اللذين قضت بهما مشيئة ربّ العالمين؛ إنها تعبير عن المبتلى به الأكبر الذي هو الحياة كلّها، وعن المبتلى الأكبر الذي هو الإنسان، فردًا وجماعة، أو البشرية جمعاء، فضلاً عن صاحب العظمة جمعيها، المبتلي الأعظم، بما لا يقاس، الله، خالق الخلق.,
3-1-ب- الابتلاء دائم دوام الإنسان: إنه حال دائمة للإنسان دوام حياته على الرغم من كل ما يطرأ عليه، ويتعرّض له من تغيّر وتحوّل وتطوّر في ظروف حياته هذه وملابستها وتعقيداتها كلّها.
3-1-جـ- الابتلاء تاريخي: إنه محدود بزمان الإنسان ومكانه حيث يتواجد، منذ أن وطأ آدم وحواء الأرض بأقدامهما وإلى أن تنتهي أسباب الحياة بذرّيتهما، أو منذ أن خلق الله الإنسان من “نطفة أمشاج” وإلى أن يطيح به ابتلاؤه بالموت.
3-1-د- الابتلاء دينيًّا ووضعيًّا: في الإطار الديني، يتمّ الابتلاء على أيدي البشر، ولكن بقضاء وقدر؛ ويرجع إلى الله في عليّته في الفهم البشري السائد والشائع؛ ويجزي به الله عباده على الرغم من التباس نسبته إليهم؛ وتنتهي غايته الأساس في الآخرة. أما في الإطار الوضعي، فينسب الابتلاء، في كل ما يستلزمه، إلى الإنسان، ويتأتّى من فاعليّته وعليّته؛ وتركّز غايته على سدّ حاجات الإنسان وتحقيق طموحاته في الحياة الدنيا، وفيها أيضًا يتم جزاؤه عليه، ماديًا ومعنويًا، أمام السلطات المحاسبة والجازية.
3-1-ه- الابتلاء المجزيّ يتمّ للإنسان المبتلى بحرّيّته: حتى يكون الجزاء عادلًا على ابتلاء الإنسان بما يستلزمه من بلائه فيه، يجب أن يكون بقبوله واختياره وحرّيته، ووفقًا لوسعه وأهليّته وسويّته الراشدة، يبلِي فيه بكل ما أوتي ليصحّ تحمّله تبعات بلائه ونتائجه، ثوابًا وعقابًا، بين يدي الله، في الآخرة، وأمام السلطات المحاسبة الجازية في الدنيا. أما ما يكون بغير إرادة الإنسان وعليّته ووسعه، فلا نصيب له فيه، لا في خيره ولا في شرّه من حيث الحق والواجب.
3-1-و- المعوّل عليه في الابتلاء المجزي هو بلاء الإنسان المبتلى: إن ما يقوم به الإنسان من بلاء أو أداء أو فعل أو صنع في ما قبل الاختبار فيه ورضيه، يأتي بدرجات ومستويات مختلفة ومتفاوتة تمتدّ من منتهى السوء في العمل إلى منتهى الإحسان فيه، أو من الإخفاق الذريع فيه إلى الإفلاح المبدع حيث يظهر في البلاء كيفية استجابة المبتلى وأدائه، واستعمال معرفته وخبرته ومهاراته وكفايته، كما يظهر فيه مدى الإتقان وتحقيق الأهداف؛ أضف إلى ذلك أن البلاء يرتّب المسؤولية عنه على فاعله أمام السلطات المحاسبة الجازية كلها في الدنيا والآخرة…
بعد هذه الإيضاحات بشأن الابتلاء، ماذا عن إطاره المرجعي؟
3-2- الإطار المرجعيّ الحاكم للابتلاء: يمكننا الحديث في الإطار المرجعي الحاكم للابتلاء عن خمسة أمور هي:
3-2-أ- أمر التكليف: لقد جعل الله الإنسان خليفة في الأرض عبر آدم. ولقد شمل هذا التكليف عبادة الله وما يمتّ إليها بصلة، واستعمار الأرض، وسياسة الناس في أمورهم وشؤونهم في الحياة الدنيا.
3-2-ب- أمر الخلق من أجل الابتلاء: لقد جاء في الخبر الإلهي أن الله خلق الإنسان من “نطفة أمشاج” وجعله حاسًّا واسعًا عاقلاً ليبتليه بالحياة. كما أعلم أنه خلق “السماوات والأرض”، و”الموت والحياة”، و”زينة الأرض” ليبلو الناس أيّهم أحسن عملاً، واستتباعًا، أيّهم أسوأ عملاً.
3-2-جـ-الإنسان المبتلى: إنه خليفة الله في الأرض، في الحياة الدنيا، حاكمًا ومحكومًا؛ إنه في القيام بمهام خلافته، في ما لها من سلطة وإمرة وحكم وسيادة، سيّد وحرّ ومستقل ومسؤول في ما يبليه في هذه الخلافة التي لا تخرج عن دائرة وسعه وأهليّته باعتبار أن ربّ العالمين، خالق الخلق، لا يكلّف نفسًا إلاّ وسعها.
3-2-د- مادّة الابتلاء: هي مادة التكليف؛ هي الخلافة بما لها وما عليها؛ هي الحياة البشرية كلّها، يإيجابها وسلبها، بكل ما فيها وما تقتضيه، وما يمتّ إليها بصلة؛ وهي موضوع بلاء الإنسان المجزيّ.
3-2-ه-السّلطات المحاسبة الجازية: في الآخر، سيكون الإنسان المبتلى، بما يكون قد قام به في الحياة الدنيا، أو أبلاه استجابة لابتلائه بها، بين يدي ربّ العالمين حيث الجزاء كلّه، والعدل كلّه، والرحمة كلّها من لدن الرحمن الرحيم الذي لا يظلم نفسًا أشياءها ولا يظلم عنده أحد. أما في الدنيا، فأول ما يسارع إلى جزاء الإنسان على بلائه (عمله)، معنويًا، ومن حيث الخير والشرّ، هو الضمير؛ ثم يأتي الرأي العام بكل مستوياته حيث يبقى الجزاء معنويًّا، مدحًا واستحسانًا في حال جاء ما فعله الإنسان في الصالح العام، وذمًّا واستنكارًا في حال ما قام به، أساء إلى الصالح العام. أما السلطة المعوّل عليها في الدنيا فهي السلطة القانونية سواء أكان قضاؤها بأحكام الشريعة الدينية أم بأحكام وضعيّة من صنع إعمال العقل بعيدًا عن النقل… فالإنسان، بكل الأحوال، يتحمّل تبعات بلائه في ما يبلى به أمام سلطة تحاسب وتقاضي وتجزي.
لعلّ ما تكلّمنا عليه في الإطار المرجعي للابتلاء يجيز لنا تقديم الابتلاء المجزي، أي المترتّب عليه جزاء لما يقتضيه من بلاء الإنسان فيه، من خلال البطاقة التالية:
بطاقة الابتلاء المجزيّ –
المبتلي: هو الله إسلاميًّا، والإنسان وضعيًا. يعيّن طبيعة الابتلاء ومادّته والغاية منه.
المبتلى: هو الإنسان المنخرط والخائض والمبلي فيه استجابة للمبتلي.
المبتلى به: هو الخلافة؛ هو الحياة في خيرها وشرها. هو ما كان بحرية المبتلى.
السلطات المحاسبة الجازية: ابتلاء الإنسان بما يستلزمه من بلائه يحاسبه ويجزيه قضاء الله في السماء، وقضاء الإنسان على الأرض.



