مقتطفات من كتاب “صرخة الإسلام”.. للمربّي الراحل مصطفى حمّود.. الحلقة الـ”1″..

خاص “المدارنت”..
في الذكرى السنوية الأولى لرحيل المربّي الكبير الراحل مصطفى حمّود (في 7 حزيران 2019)، والذي أمضى حياته في تعليم مادتيّ الفلسفة العربية وعلم النفس، في المرحلة الثانوية في أكثر من ثانوية باللغتين العربية والفرنسية، إضافة الى تولّيه عدة مناصب إدارية في التعليم الرسمي والخاص في أكثر من منطقة بقاعية، منها إدارة “مركز عمر المختار التربوي” في مرحلة التأسيس الأولى في نهاية عقد السبعينات وبداية عقد الثمانينات في البقاع. ينشر موقع “المدارنت” مقتطفات من كتاب: “صرخة الإسلام”، الذي عمل على إنتاجه الراحل مصطفى حمّود خلال السنوات الخمس الأخيرة من عمره، وقد أنجز الكتاب قبل رحيله بأسبوعين، إضافة الى سلسلة من القصص القصيرة، وبعض الكتابات العلمية الفلسفية، التي كتبها خلال مواجهته مع المرض العضال. ولم تسعفة صحته على الاستمرار في مواجهة المرض، ليكحّل عينيه في رؤية الكتاب مطبوعاً، ويوزعه على أصدقائه وأقربائه ومحبيه وتلامذته، خلال حفل توقيع حافل، كما كان يتمنى ويأمل، وكما درجت العادة في نشر الكتب في بلادنا.
وينشر “المدارنت” اليوم، مقدمة الكتاب، على أن يتابع نشر بعض الأجزاء من الكتاب في حلقات لاحقة.
مقدمة كتاب “صرخة الإسلام”
نظرة استقرائية في حال الإسلام وفي وضع أهله الراهنين في العالم سرعان ما تقع على شيوع الإزراء والسوء والإحباط فيهما. وفي التحليل والتشخيص، يأخذهما الاستلاب كل مأخذ، وتتجلّى عليهما لا سويّة قوامها شرذمة أصابت الإسلام المحمّدي في هويته ووحدته، وظلمات ظالمة أحاطت بحياة أهله أين منها “ظلمات الجاهلية”؟!: أميّة وفقر وقهر وفساد وتعثّر وتعسّر واستبداد، حتى لا نقول “تأخّرًا أو تخلّفًا” عن أبناء وبنات آدم وحوّاء من غيرهم من ذوي حال النهوض والتقدّم والازدهار(1)..
أهو “القدر” يؤطّر مسار الحياة في ربوع أهل الإسلام، ويتحكّم بنشاطهم، ويضبط إيقاع مصيرهم، ويعطّل أهليّتهم، ويشلّ فاعليتهم، ويلحق عالمهم الدنيوي بعالم الغيب أم هو فهمهم الملتبس له؟ أهو إخفاق السماء في قيادة الأرض ورعايتها أم هي الأرض المحال عليها أن تصير سماء، تخرج من ترابيّتها وتتألّه وتتعالى لتجد نفسها في وضع لا سويّ يتفاقم فيه الظلم والفساد والطغيان، وينحسر فيه العدل والاستقامة والحق، لتنقص الحاجات، وتعطّل المصالح، وتُنتهك الحقوق، وتعزّ الحريات؟… إنّه الشّاذ الذي يخرج عن القاعدة بل عليها، أو يؤكّدها إذ يرخي بشذوذه على الإسلام وأهله، فيوقف فيهما التغيّر والتطوّر، ويكرِه التاريخ على أن يعيد نفسه فيهما وقد سئم الزمن ادّعاء هذه الهويّة التي يحول دونها بحركته…
إنّه بدعة، تضع الإسلام وأهَله على سكّة التأمّع والجمود والتخبّط والتأخّر، وليس الإبداع الذي يشقّ لهما درب التحرّر والنهوض والتبصّر والتقدّم… أين العلة في هذا وذاك؟ أهي في الدّين والتديّن أم في فهمهما أم في غيرهما؟ ها هو الفعل السياسي لا يزال، هنا وهناك، رهن اتّباع الهوى يظلم ويفسد ويطغى ويتغطّى بــــــ”قضاء الله وقدره”؛ وها هو الدّين يستمرّ في تحمّل أوزار ذاك الفعل، زورًا وبهتانًا، ومباشرة أو مواربة، وفي الانشغال عن رسالته العظمى تتأذّى وتنحسر وتتشوّه، ويتضاءل أثرها الطيّب في ساحة الفعل للحياة الكريمة الحرّة؛ وها هو العقل، له أن يصول ويجول في المدح والتبرير والتغطية، وأن يُسكت عنه معتزلاً أو منكفئًا أو معتكفًا بعيدًا عن فعله الأصيل في النقد الحرّ، وفي الإبداع حتى يتجنّب القمع والتسفيه من الاستبداد المزدوج: السياسي في الحكم المتغلّب، والتنظيري في الدين… وبعد أوَنعجبُ من شيوع الاستلاب في واقع حال الإسلام وأهله؟!
أما وقد طال الزمن، وملّ هذه الحال الرديئة الظالمة، فلا بدّ من إعادة نظر تشمل كل مواطن الضعف والهوان والعلّة بحيث تصير الأمور إلى وضع يستعيد فيه الإسلام وأهله سويّتهما. فليس من شك في أنّ السيادة تعزّ على آدم هؤلاء وقد أنعم الله عليه بخلافة الأرض بتكليف منه، دينيًا، أو قد حصّنها ولا يزال يحصّنها بأهليّته المتميّزة والمتفرّدة والمتقدّمة، وضعيًّا. إنّ مكانته السويّة هي أن يكون السيّد في عالم الشهادة يتمتّع بحرّيّته المسؤولة، خليفة حاكمًا ومحكومًا، ويحرص عليها ويوسّعها بعيدة في آن واحد، من إرذالها في الإفراط أو التفريط فيها، في اتّباع الهوى والاستبداد أو في الاستتباع والتأمّع…
كيف لا يفيد من “قدره أن يكون علّة أفعاله وسيّدها والمسؤول عنها في الأرض والسماء”؟! لقد كلّف الله الإنسان بخلافة الأرض لما يتمتّع به من أهليّة ووسع ما كانا ولا جعلهما لغيره في الكون، وابتلاه بها وحضّه على البلاء الحسن والعظيم والمبدع فيها… أيرفض التحدّي متخاذلاً ليخفق في التكليف والابتلاء كليهما كما هو واقع حاله، فيمنح إبليس حجّة لعصيانه بين يدي رب العالمين، والملائكة مبرّرًا لتساؤلهم أو عتبهم أو امتعاضهم بشأن تكليفه بخلافة الأرض، وليعتاد الانتقاص من سيادته وحريّته وحياته الكريمة، وهذا أهم وأخطر ما في الأمر؟!.. ألا، فلينقضّ على العقل المستبد في شؤون الدنيا والآخرة، وليطلق العنان لإعمال العقل الحرّ، وقد أخبر ميزان الإنسان أنّ العقل هو من طبيعة الكائن البشري المتميّزة من طبائع الكائنات الأخرى في كوكبه، وأنّ “النقل” (أي الدّين) هو على عظم قيمته وأهميّته لا يعدو كونه مما يكتسبه الإنسان بالعقل. أضف إلى ذلك أنّ التغيّر والتطوّر في الزمن هما سنّة كبرى في عالم الإنسان، وبمقتضاها، لكل منهما بداية ونهاية في زمان ومكان معيّنين، وبموجبها أيضًا كل من وما عليها تاريخيّ…
أجل، إنّها السويّة التي ينبغي للإسلام وأهله، بل عليهما، أن يكونا فيها وعليها… ليستوي لهما الأمر… ليستجاب للإسلام صارخًا: “أطلقوا يديّ”!.. لينتفض أهل الإسلام ولينهضوا… إن نهوضهم قيامة يصنعها لهم آدم فيهم وقد أثبتوا جدارتهم به، وكان خليفة حقًّا…
والآن وقد اعتمدنا المرجعية الأساس القرآن الكريم، واستتباعًا السّنة النبوية، إلى ابتلاء أنفسنا في معالجة ما تطرحه هذه المقدّمة المقتضبة… لعلّنا واجدون فيها ما يلّبي “صرخة الإسلام”
المؤلف مصطفى حمّود
الحواشي:
لأخذ صورة عن الحال المزرية المشار إليها، نذكر ما يلي:
– من مظاهر التخلّف في العالم الإسلامي أن ثلث فقراء العالم منه، وأّنّ الأميّة بلغت فيه 37% باعتبار نسبة التعليم فيه وصلت إلى 63% (“مأزق العالم العربي” لمهدي النجار، المنشور في موقع مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي” في 16/2/2008 http: //ssrcaw.org ):؛ – في دعوة “المنظمة الإسلامية للتربية والتعليم والثقافة (إسيسكو) العالم الإسلامي لمحاربة الأمية فيه أن نسبتها بلغت نحو 40% في صفوف الذكور و65% في صفوف الإناث (“المؤتمر العاشر للمنظمة في 5/9/2014)،؛ – أما عن الاستبداد في الحكم والسياسة، وفي التنظير للإسلام فحدّث ولا حرج…
ينشر “المدارنت” غداً جزءًا من المحور الاول:
استلاب الإسلام وأهله: لا سويّة حالهما



