بين حصرم حلب وثعالب دمشق!

خاص “المدارنت”..
إن إشكالية التعليم والثقافة، ومحاولات الفصل بينهما، لجعل العلم في مواجهة الثقافة، لم تأتِ من فراغ ولا عن براءة.
بل هي نتاج محاولات ليست بحسن نية بتاتاً، لانها تساوي بين أرض الثعالب البور، والأرض المستثمرة بدالية العنب وعرق العمل والجهد والمثابرة.
ولطالما سمعنا عبارات انتقاصية من أولئك الذين أداروا ظهورهم وبإرادتهم لقاعات الدراسة غير آبهين، ثم عادوا ليرددوا: “مش كل متعلم مثقف”.. و”الشهادة مش كل شي”.
وعند تأملنا هاتين العبارتين عميقاً، ندرك أن دلالاتها غير المرئية تهدف إلى تحقير المتعلم وشهادته وإرجاعه إلى الصفوف الخلفية خاصة في ميادين المال والشأن العام.
علماً أن أبواب المدارس كانت مشرّعة أمام الجميع وعلى حدّ سواء، غير أن البعض ترك أرضه بوراً، ليطلق لاحقاً ثعالبه على حصرم حلب، لقلب معايير الجهد الحقيقية والنجاح الفعلي من التحصيل العلمي إلى التحصيل المالي وبغض النظر عن وسائله.
الدافع الذي حرضنا على كتابة هذه المقالة، بغية تصويب الأمور، إذ لا بدّ أن نؤمن أن التعلم والعلم هما المنصة الأساسية للتثقيف والتغيير والتطوير، من أجل بلوغ نموذج إنساني فعال، وبغير هذه المنصة، يكون الأمر صعبا ومعقدا وجدا.
ومع الإقرار بأن الثقافة هي نتاج مجالات متعددة في الحياة، من الأسرة إلى المأكل والمشرب والملبس والدراسة والعمل والشارع و غيرها.
غير ان المخوّل الوحيد الذي يمتلك أدوات تغييرها وتطويرها وانتاج ثقافة البناء في المجتمعات هو العلم، لأنه عمارة عامودية، تقوم على أسس دقيقة مدروسة، لتصدر نتائج واضحة سليمة إلى حد ما.
وعلينا ألّا نحمل العلم وزر المتعلم الفاشل. لأن كل ما بلغته البشرية من تقدم عبر التاريخ الى ما قبل سنة 1920 في كفة وما بلغته بعد تلك السنة في كفة.
ويعود الفضل إلى ارتفاع معدلات التنمية وجودة التعليم التي أدت إلى مخرجات نستثمرها اليوم من تكنولوجيا وعمارة حديثة، وكتاب منتشر ورقياً وألكترونيا وتواصل غير محدود وأجهزة ذكية و جمال وتصميم وهندسة مختلفة.
وما الثقافة كفكر وسلوك وممارسة في حياة البشرية اليوم إلا بفضل التقدم العلمي الذي حققته الجامعات ومراكز البحوث وشبيهاتها على مستوى العالم.
فما ثقافة حزام الأمان، والنظافة واللباس والكلام والتواصل وغيرها، وما ثقافة الكتابة واللوحة والقطعة الموسيقة وغيرها إلا نتيجة تحسس تلك الفئة من المتعلمين المثقفين عامودياً الذين أخذوا على عاتقهم خدمة الحياة والإنسان.
ولعل البعض يطرح أمثلة عن شخصيات شكلت استثناء في نيل فرصتها في الحياة، أمثال محمود عباس العقاد، الذي لم ينهِ دراسته الابتدائية، ولكنه ألّف الكتب وحقّق له مكانة بين الأسماء المعروفة.
لكن هذا الاستثناء مرده إلى ارادة التعويض، التي تحلّى بها العقاد، وهي ليست متاحة لكل الذين تسرّبوا من المدارس. لنرى في المقابل أن النسبة الساحقة من الذين حققوا تقدما ونجاحاً وفي كافة ميادين الحياة، هم نتاج تعليم ممتاز وفي جامعات معروفة عالمياً، والأسماء بالملايين من نعوم تشومسكي ونزولاً.
فثقافة الحياة اليومية لا تنتج أكثر من متحدث كيس، وجليس مقبول، لكنها تعجز عن قراءة متطلبات الغد، والعمل على سدّ الفراغات، وابداع المراد والتكفل بحلّ مشكلات الحياة المتجددة.
وبسطة الخضار قد تظل الف سنة على حالها دون أي تغيير، حتى يتدخل مهندس ديكور، ترك نموذجا ما في مكان ما من العالم رأته عين ما فطبقته وانتشر. والأمر نفسه على مستوى كل المصالح التي تنتج ثقافة سلوكية يستهلكها الجميع، لنستنتج ان هناك وجهين للثقافة:
1 – وجه انتاجي يتولى مهامه متعلمون اختصاصيون، يتميزون بحساسية عالية تجاه احتياجات الناس والحياة ولسنوات قادمة. وهذا النوع من الثقافة يتسم بالعامودية التي تغوص في أبعاد كل التفاصيل.
2 – ووجه استهلاكي يستفيد منه الجميع دون تمييز. وهذا الوجه يقوم على التقليد وتبني سلوكيات من دون مناقشتها أو تحليها، وهو ما يُسمّى بالثقافة الأفقية التي تمكّن الفرد من معرفة القليل من كلذ الكثير الذي قابله، من دون تطوير أو إضافة تذكر.
ولأن تعميم فكرة الفصل بين العلم والثقافة يُسيىء الى تربية النشء، ويؤثر سلبا على عقليات الأطفال في دراستهم وجب التوقف عند الاسئلة التالية:
1 – هل توجد أسرة تفضل عدم تعليم أبنائها؟
2 – هل يمكن تحقيق الترقي الوظيفي بلا شهادة وعلم؟
3 – هل تفضل/ تفضلين الزواج بغير متعلم تم بمتعلم ؟! ولم ؟!
4 – هل التدريب والتمرين لا ينتميان إلى منصة التعليم والتعلم ؟
وغيرها من الأسئلة التي ينبغي التوقف عندها.
فالواقع التقدمي والتقني الذي يفرض وطأته على الحياة، يخبرنا: أن هذا التقدم السريع والمتواتر، يجعل مواجهة تحدياته من دون تعلم وشهادة أمراً قاسياً ومعقداً جداً. ولأن منصّة التعليم أكبر منصة لاطلاق الافكار والابداعات والحداثة، علينا تعزيز أهمية التعلم والشهادة في حياتنا وحياة صغارنا.
كما علينا التوقف عن محاولات النيل من عِنب حلب، فمصير كل حصرم أن يحلو.. ولن يكون بمقدور ثعالب دمشق أن تبلغه بالقفز. وعليها أن تدرك أن الطريقة الوحيدة لبلوغه، لا تكون إلا بنظرية بناء السلالم، وتعلّم صعودها وتعميم ثقافة أن لكل جهد مكافأة.
ومن غير الجائز تحقير جهود كل الذين بذلوا حياتهم التعليم والتعلم، وإن خانت الظروف البعض منهم.



