مقالات

بين “لوكربي” و”الأوكرانية”

محمد خليفة/ أوروبا

خاص “المدارنت”..
بعد اعتراف ايران بمسؤوليتها عن اسقاط الطائرة الاوكرانية , نحن بانتظار أن تحدد الدول المتضررة , كيف ستتعاطى مع حادث الاسقاط . باعتباره خطأ غير مقصود ؟ أم باعتباره فعلا جرميا مقصودا ؟

ذلك أنه على هذا التمييز تترتب وتتوقف أمور كثيرة , أهمها : هل مسؤولية ايران مدنية أم جنائية ؟ وهل يحاسب العمال والموظفون الذين سيضحى بهم قرابين فداء للدولة ؟ أم تكون الدولة كلها مسؤولة مسؤولية جزائية ومدنية ؟ وكم هو حجم التعويضات ؟ وكيف ستقدر ؟ ومن سيقدرها؟

والسؤال الأخير في هذا السياق من يحسم هذه المسائل السياسيون أم الحقوقيون والفنيون؟

في تقديري الأولي أن الحادثة ستصنف كجريمة مقصودة مدفوعة بعوامل سياسية وعسكرية , وتأخذا منحى سياسيا خطيرا , تترتب عليه آثار خطيرة , أما إذا تمكنت ايران من النجاة من هذا التصنيف فستكون محظوظة جدا . وهو أمر مستبعد , في تقديري الشخصي . وإذا حصل فاعلموا أن مغزاه هو أن الدول الغربية , وعلى رأسها أميركا لا تريد إسقاط نظام الملالي!

ولقد لاحظت أن بعض المحللين والمستشارين الحقوقيين أخذوا منذ اللحظة الأولى يقارنون ويقيسون على سابقة (لوكربي) أي الطائرة البريطانية التي أسقطتها الاستخبارات الليبية فوق اسكتلندا عام 1989 بعمل ارهابي مكتمل الأركان , واستمر التحقيق فيها سنوات , وتعرضت ليبيا لإدانة دولية بسببها, ولعقوبات قاسية , وتعويضات لا يمكن وصفها بغير أسطورية وغير مسبوقة ولا ملحوقة في تاريخ شركات التأمين العالمية.

وبهذه المناسبة أستعيد ذكرى تلك الحادثة وأتذكر أنني كنت أول صحافي في العالم كشف حجم التعويضات التي قررت الولايات المتحدة وبريطانيا تحصيلها من نظام القذافي بعد أن حسمتا مسؤوليته , واستكملتا التحقيقات.

في ذلك الزمن كنت أعيش في العاصمة اليونانية أثينا , وأعمل مراسلا لصحيفة الحياة اللندنية . وكان لي بحكم مهنتي علاقات قوية مع عدد كبير من السفراء والديبلوماسيين العرب , وغير العرب , ومسؤولي الحكومة ووزارة الخارجية اليونانية . وفي إحدى المناسبات التقيت بسفير غربي فسألته عن نتائج التحقيق في لوكربي , فأجابني إجابة مسهبة تضمنت معلومات فائقة الأهمية . قال لي إن الولايات المتحدة التي كان لها عدد كبير من مواطنيها على متن الطائرة المستهدفة , حددت تقديرا اوليا للتعويضات التي يتعين على ليبيا تعويض ذوي الضحايا بها لا تقل عن عشرين مليون دولار لكل راكب قتل في الحادث .

صعقني الرقم وقفزت من مكاني بحركة لا إرادية: هل انت جاد أم تمزح ..؟! قال بهدوء وثقة : أنا متأكد كل التأكد , هذا ما وصلني من بلدي ! سألته : هل تسمح لي بنشر هذه المعلومات القيمة ..؟ قال : .. شرط ألا تكشف اسمي أو صفتي.

ودعت الديبلوماسي على عجل وطرت الى بيتي كتبت الخبر بسرعة وأرسلته الى مكاتب الصحيفة في لندن . بعد خمس دقائق فقط , وعلى غير العادة اتصل بي مدير تحرير الحياة الزميل جورج سمعان , وسألني ما هذا التقرير يا استاذ ..؟ من مصدرك الذي زودك بالمعلومات ؟ هذا يمزح أو يهزأ بك!

قلت له : آسف لن اكشف المصدر لأنني وعدته , ولكن لماذا التشكيك ..؟ قال جورج: يا محمد إن شركات التأمين الانجليزية لا تدفع عن أكبر رأس في أي حادث أكثر من مائة الف باوند . قلت له يا أستاذ هذا إذا كان الضحية قد قضى في حادث سير أو ما شابه . أما لوكربي فحادث إرهابي كبير , والتعويض عليه جزء من عقوبة دولية سياسية مشددة . حسمنا الجدال بقولي للزميل العزيز: القرار لكم إن أردتم نشره فانشروه , وإن رفضتم فأنتم أحرار , أما أنا فواثق من مصدري كل الثقة , وسأنشره في صحيفة أخرى.

في اليوم التالي نشرت الحياة التقرير كاملا على صدر الصفحة الاولى , بعد المانشيت مباشرة , وعلمت أن التقرير أثار جدلا بين هيئة التحرير , حسمه رئيس التحرير الزميل جهاد الخازن مؤيدا نشره.

بعد مرور سنوات قليلة توصلت المفاوضات والوساطات السرية بين ليبيا والولايات المتحدة الى صيغة حل , تتضمن الاتفاق على محاكمة العميلين الليبيين اللذين وضعا الحقيبة التي تحمل المتفجرات في سكوتلندا , ودفع تعويضات خيالية بلغ المليارات لأسر الضحايا . أي بمستوى التعويضات التي وردت في تقريري الذي أرسلته للحياة عام 1990.

واليوم أعتقد جازما أن التعويضات التي سيفرض على ايران تسديدها بسبب اسقاط الطائرة الاوكرانية ستكون قريبة من مستوى تعويضات لوكربي قبل ثلاثين عاما!

=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

اظهر المزيد

المدارنت / almadarnet.com

موقع إعلامي إلكتروني مستقل / مدير التحرير محمد حمّود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى