تأجيج عصبياتنا الفتنوية!

“المدارنت”
إستطاعت القوى الإقليمية والمحلية والدولية، صاحبة مشروع تفكيك المجتمعات العربية؛ إنتزاع غلاف الهوية الوطنية/ العروبية الموحدة، وقذف الجميع، نعم الجميع، في فضاء العصبيات المذهبية والطائفية والعرقية، فراحوا يتقاذفون التهم ويؤججون العصبيات الفتنوية/ التقسيمية..
وقع الجميع في الكمين المحكم: إعتماد منطق الإنتماءات التقسيمية التعصبية المغلقة، منطلقا لتقييم الأمور والحوادث والأمور والأشخاص أيضا، ثم لإتخاذ المواقف التعصبية التحريضية على أساسها..
بات كل حديث يتمحور حول الهويات التقسيمية وما يتبعها، ويلتحق بها من عصبيات قاتلة مدمرة، في السياسة كما في الإجتماع، حتى التاريخ صار يحلل ويشرح ويفسر إنطلاقا من تلك الهويات، فصار الحديث الشائع عن فلان السني وفلان الشيعي، فلان المسلم وفلان المسيحي، ماذا فعل الشيعة قبل خمسة قرون، وماذا فعل السنة والموارنة والدروز وو.. وكأنه لم يكن هناك شعب ولا وطن ولا هوية ولا إنتماء، حتى الفكر والفلسفة والحضارة والثقافة: فصارت فلسفة شيعية وفلسفة سنية، عقيدة كذا وعقيدة فلان..
الجميع يُسقط من التاريخ حضارة عربية عظيمة جامعة، ويسقط نضالات وثورات شعبية ضد الظلم والقهر والإحتلال، أسقطوا التاريخ ذاته ليحولوه إلى شذرات فتنوية ليس لها أساس إلا الحقد والعداء، أسقطوا فيما أسقطوا آخر قرنين من عمر التاريخ، حيث الحركات الشعبية التحررية، كانت مثالا في الإلتزام بالهوية الجامعة والإنتماء الشامل، من أول ثورات الجزائر ضد إستعمار فرنسا، حتى قيامة الشعب العربي التحررية الوحدوية التقدمية في خمسينات وستينات القرن العشرين، يوم كان للأمة رؤية ومشروع وبرنامج وقيادة تاريخية عظيمة، مرورا بكل المواجهات الشعبية مع مشاريع التقسيم الطائفية والعرقية الإستعمارية، فرنسية كانت أو بريطانية إنجليزية وأميركية..
تمكنت تلك القوى، المحلية والإقليمية والعالمية، مِنّا، وعيًا وفكرًا وممارسةً، فبتنا لا نعرف حقيقة من نحن؟ وماذا نريد؟ ولماذا وصلنا إلى هذا؟ ومن أوصلنا إليه؟ وكيف تم له ذلك؟!
اليوم، سقطت عقولنا في قمامة العصبيات الفتنوية، تمزق غلاف إنتمائنا وتناثرت هويتنا، تحت طعنات الإعلام والغزو الفكري والثقافي وإغراءات المصالح والمنافع والمكاسب، وتحدي الأدوات وإبتزاز الأجهزة وقهر ذوي السلطة والسلطان.
في هذه الأجواء المشحونة بالبغضاء والتفاضل الكاذب الموهوم بين أبناء المجتمع الواحد، تباعدت نفوس كثيرة وراكمت كمّا من البغضاء والتوتر والقلق، ما يكفي لتقبل أي صدامات حتى ولو كانت عسكرية دموية قاتلة.
وكما برع نظام سايكس/ بيكو الإستعماري في تحويل الحدود الوهمية إلى فواصل جغرافية وحتميات محلية حياتية، وحساسيات متبادلة ومصالح متناقضة وولاءات موزعة على كل أنواع النفوذ الأجنبي؛ ها هي تبرع أدوات العصبيات الفتنوية جميعا، في ترجمة الإنقسام إلى وقائع وبلورة المشاعر الدينية في تكاره نفسي وتباغض معيشي، ثم ماذا بعد؟
في هكذا أجواء تبدو بلادنا على أبواب مرحلة إنتقالية، تدخل فيها منهج التدمير الذاتي بما تملك من: مشاعر متناقضة وهويات ناقصة وأدوات محرضة وقوة غامضة جاهلة غاشمة، نعم نهج لن يؤدي إلا إلى التدمير الذاتي؛ والذي إن حصل فإن آثاره التخريبية لن تستمر أقل من قرن كامل، تولد فيه أجيال وتموت أجيال، وتموت معها أفكار وآمال وأحلام..
هنا ونحن في بدايات هذه المرحلة الإنتقالية؛ يمكننا الفعل والمجابهة والإنجاز، إذا ما أردنا فقررنا فتوحدنا، فواجهنا الوقائع المخربة والقوى القاصدة والمشاريع النقيضة، وإذا قطعت مشاريع العصبيات الفتنوية شوطًا آخرًا؛ تمكنت منا ومن واقعنا، فلا يعود بالمقدور إزالة مفاعيلها ومحاصرة آثارها..
وحدة القوة العربية، أو تكاملها ولو حتى مرحليا؛ أصبح مهمة الحفاظ على الوجود العربي، ولم تعد خيارا فكريا أو نهجا ثقافيا أو دعوة مثالية..
من بديهيات الحياة الإنسانية أن يلتقي المُهَدَّدون بوجودهم أصحاب المصلحة الواحدة في حماية أنفسهم؛ أن يتعاونوا فيتكاتفوا فيواجهوا فينتصروا، وإلا فإنهم جميعا مهزومون بعد أن أصبحوا منهزمين في مواجهة الواقع، وتحمل مسؤولياتها معه ومع من يعمل لتكريسه، مستفيدا منه مستثمرا نتائجه في مزيد من القهر والظلم والإحتلال ونهب المقدرات، وسلب الإرادة والمزيد من الضعف والهوان..
اليوم، مطلوب من النخب الواعية تحمل مسؤولياتها، في الشرح والتحليل والتحذير والتنبيه من الأخطار، والحضّ على التعاون والتكاتف ونشر وعي جديد توحيدي بديل.



