مقالات
جــريــمــــة اغــتــيـــــال..!

خاص “المدارنت”..
الزمان: آب 1989، المكان: بوغوتا – كولومبيا
وصل إلى بوغوتا قادما من مدينة بارانكيا الساحلية الاستاذ الجامعي والمهندس الزراعي ونائب قنصل هايتي، (ألبرتو خبّيز حزبون)، بتاريخ 17 آب عام 1989 ميلادي، للإشراف على بعض الزراعات الحديثة ووسائل تطويرها؛ و رغم بلوغه الثالثة والخمسين من عمره فلم يتوقف أبدا عن الدراسة والبحث العلمي، و كان ينتظر زيارة بوغوتا للقاء مع أصدقائه القدامى لقضاء بعض الوقت في تناول الشراب والحديث في شؤون زراعية ورياضية.

وفي ليلة 18 آب دعاه أحد معارفه القدامى ” ادغار بارّييا” لمشاهدة مباراة كرة القدم بين فريق العاصمة الكولومبية ” ميليوناريو” و فريقه المفضل “جونيور” القادم من مدينته ومسقط رأسه بارانكيا .
عند خروج المشاهدين من الملعب تناهى إلى اسماعهم الخبر العاجل المدوّي: محاولة اغتيال لويس كارلوس غالان المرشح الأقوى لرئاسة دولة كولومبيا،في ساحة “سواتشا” إحدى ساحات ضواحي العاصمة الكولومبية .
كانت المعلومات متضاربة في نقل الخبر حيث توزعت وسائل الإعلام بين قائل بإصابة (غالان) اصابات قاتلة، وقائل بأنه مصاب في ذراعه وغير فاقد للوعي، إلى أن تأكد خبر الوفاة قبل وصول “ألفريدو” إلى الفندق حيث يقيم .
كان من عادته أثناء وجوده في العاصمة أن يجتمع بين الحين والآخر بأصدقاء له يعودون بجذورهم الى المنطقة الساحلية، وقبل عودته إلى “برانكيا” على وجه الخصوص ،وذلك ما حصل يوم الاثنين في 22 آب حيث كان اجتماع الأصدقاء عنده في الفندق.

ما حصل ذلك اليوم قلب حياة المهندس “الفريدو” راسا على عقب بعد أن دخلت مجموعة من رجال شرطة مسلحين إلى شقته وقاموا بتفتيشها، فاعتقد في البداية و للوهلة الأولى انه ضحية مزحة من أصدقائه، او أحد برامج الكاميرا الخفية في وقت إعتاد معهم على الاحتفالات المرحة وسماع النكتة المفرطة ،ليتغير وجهه فجأة حين عرض عليه رجال الشرطة أسلحة زعموا أنه كان يحتفظ بها ومن ضمنها رشاش” ميني عوزي (Mini Uzi)”، يضاف إلى مسدسات من عيار تسعة ملم زعموا أنهم عثروا عليها في للشقة؛ ليجيبهم “البرتو” أنه لم يكن يحب الاسلحة ولا يعرف استعمالاتها.
خلافا لكل الأعراف والقوانين ألقت الشرطة القبض عليه بتهمة اغتيال “غالان” فانقطع حبل تفكيره بعدما اقتادوه في سيارة عسكرية إلى السجن، بعد أن فكر لوهلة أن يتصل بعائلة الشعار ذات النفوذ الواسع في كولومبيا، لأنه سبق له العمل في مؤسسات العائلة في مجال الإشراف الزراعي فترة غير قصيرة من الزمن.
عند توقف سيارة الشرطة أمام مدخل السجن خاطب افراد الشرطة قائلا: انظروا في وجهي جيدا فهل يوحي منظري بشخص قاتل؟ فتنهد أفراد الشرطة طويلا ثم ادخلوه إلى السجن و أقفلوا الباب بالمفتاح.
هناك تم انتهاك سير التحقيق بعد الإتيان بشهود زور أكدوا رؤيته يطلق النار على “غالان” وتم رفض شهادات أشخاص مؤثرين مثل “فؤاد الشعار ” و “إدغار بيريا” والوزير السابق “كارلوس أوبانرو فيلاسكو” الذين دعموا براءته، علما أن مهزلة حصلت بعد اعتقاله حيث نشرت الصحف الكولومبية آنذاك خبر اعتقال أشخاص من أصول عربية شاركوا في اغتيال (غالان) وصوّرت وقوع جريدة الأهرام المصرية من يد أحدهم!

لم يفقد (آل خبّيز حزبون) الأمل أبدا بالرغم أن اكثر الناس نسيت أمر ابنهم المعتقل، إلى أن قام شقيقه المحامي “ولسون حزبون” بجهود جبارة قائلا انه سيحرّك السماء والأرض ليثبت براءته ويخرجه من السجن؛ حيث كانت الجلسات تؤجل بذرائع شتى ويعاد استجواب الشهود مرة تلو أخرى دون ضرورة لذلك بل كان ذلك جزءاً من مخطط تمويهي لإثبات التهمة على شقيقه، ولم يطل أمر على تلك الحال حتى اعلن القضاء براءة المجموعة المتهمه بالاغتيال وهم ” الفريدو ” وبعض معارفه وأشخاص آخرين ، لكنّ زيارة مفاجئة للسجن غيّرت حياة “الفريدو” مرة أخرى وكان الزائر هو الجنرال (أوسكار بلاييس كرمونا) رئيس جهاز مكافحة الجريمة في كولومبيا الذي توعده بعدم الخروج من السجن مطلقا، قائلا له بالحرف: “أنت أيها العربي الارهابي لن تخرج مع الباقين؛ ستبقى في هذا السجن للأبد يا عربي”، وكان خلف الجنرال جنرال آخر هو رئيس جهاز الأمن العام في كولومبيا “ميغيل ماسا ماركيز” ويدعمهما وزير عدل سابق هو “البرتو سانتو فيمو بوتارو”، وجميع أولئك الأشخاص بما يمثلون من نفوذ وسلطان كانوا مصرين على إدانته رغم صدور قرار البراءة فمن الذي يستطيع إثبات براءته؟.

كان على هذا الرجل الصالح أن ينتظر أربع سنوات حتى يتنفس الحرية مرة أخرى في أيار 1993 بعد حسم موضوع براءته بعد ثبوت تورط الجنرالات و مجموعة من الوزراء في الجريمة و ثبوت تبعيتهم لكارتيل مخدرات ” مديين ” التابع ” لباولو اسكوبار ” و حينها عاد “الفريدو خبيز حزبون” الكولومبي ذي الأصل الفلسطيني إلى بيت أهله في مدينة بارانكيا الساحلية وسط أجواء البهجة والفرح.
بعد استراحة قصيرة بين أهله ومحبيه تقدّم “الفريدو” بدعوى ضد الدولة الكولومبية طالبها بتعويض قدره خمسة آلاف مليون باسوس (اكثر من مليوني دولار انذاك)، بدل تعويضات وأتعاب محامين؛ وفي ما كان يجهز نفسه للسفر الى (بوغوتا) للسير في إجراءات الدعوة، أصابتة سكتة دماغية فارق الحياة على أثرها في حين يشير أقاربه إلى تدهور صحته اثناء مكوثه في السجن مظلوما يقاسي أهوال التعذيب الجسدي والنفسي.
في جمهورية الموز، تابع القضاء قضية اغتيال(غالان)، ووقف سياسيون وقضاة ومحامون صفا واحدا في مواجهة مافيا الجنرلات والوزراء والقضاة المباعين للمافيا، وتمت إدانة المتورطين، وما يزال بعضهم قابعا في السجن حتى أيامنا هذه؛ فهل سيحصل في بلادنا ما يشبه ذلك؟ ربّما!
=======================



