تحرير المواطن العربي.. من العدالة الاجتماعية إلى الديموقراطية الفعلية

خاص “المدارنت”
قراءة في شروط الحرية والمواطنة في العالم العربي.
تحرير المواطن العربي، لا يبدأ بمجرد الحديث عن الحقوق السياسية أو الديموقراطية بوصفها مبدأً شكلياً، بل من القاعدة الأساسية للحرية: التحرر من الفقر والجوع وانعدام السكن اللائق وغياب الرعاية الصحية والتعليم الجيد.
الحرية الحقيقية لا تتحقق في ظل الحاجة المستمرة، إذ إن المواطن الذي يقوده السؤال عن البقاء والعيش الكريم لا يكون قادراً على اتخاذ قراراته بحرية، ولا يمكنه ممارسة حقوقه السياسية بوعي ومسؤولية.
من هذا المنطلق، يتضح أن الاستقلالية المادية والاجتماعية للمواطن شرط أساسي لممارسة المواطنة الفعلية، وأن أي حديث عن الديموقراطية من دون ضمان هذا الاستقلال يبقى شعاراً نظرياً بلا مضمون.
عندما تتوفر للمواطن احتياجاته الأساسية؛ وتتحقق له الكرامة الإنسانية، يصبح قادراً على ممارسة حقه في التعبير واختيار ممثليه بحرية، وحينها تأخذ الديموقراطية معناها العميق، وتصبح الانتخابات التعبير الحقيقي عن رأيه واختياره. في هذه المرحلة، يتحقق التلازم بين الحرية الفردية والمسؤولية الاجتماعية، ويصبح الحديث عن دولة تقوم على العدالة وتكافؤ الفرص أمراً ملموساً، لا مجرد شعارات، إذ يتمكن المواطن من الوصول العادل والمتوازن إلى الموارد والخدمات، مما يعزز شعوره بالانتماء ويتيح له الإسهام الفعلي في صياغة مستقبله ومستقبل مجتمعه.
إن الديموقراطية الحقة لا تتأسس على مجرد نصوص دستورية أو صناديق اقتراع، بل على تمكين الإنسان اقتصادياً واجتماعياً، وضمان العدالة وتكافؤ الفرص بما يمنحه القدرة على المشاركة الواعية في صنع القرار، بعيداً من القهر والحاجة، وعن تبعية المواطن لمحدودية الخيارات المعيشية.
إن التحرر الاقتصادي والاجتماعي؛ ليس مجرد حق من حقوق الإنسان، بل أداة فعالة لتفعيل الديموقراطية وممارسة المواطنة الواعية، وهو ما يجعل الدولة قوية ومستقرة، إذ تُبنى العلاقة بين المواطن والدولة على الثقة والمساءلة المتبادلة، لا على الخوف أو التبعية.
وبناءً على ذلك، يتضح أن تحقيق المواطنة الكاملة لا يمكن فصله عن العدالة الاجتماعية، تكافؤ الفرص، والتمكين الاقتصادي والمعرفي للمواطن. فالمجتمعات التي تُغفل هذا البعد، مهما حاولت تطوير مؤسساتها السياسية، ستظل تعاني من أزمة تمثيل وفقدان المصداقية الديموقراطية، لأن المواطن في ظل الحرمان المستمر يبقى أسير الحاجة، عاجزاً عن التعبير الحر عن إرادته أو الإسهام الفعلي في بناء المجتمع، ومن ثم تصبح الديموقراطية مجرد غطاء شكلي، لا واقعاً ملموساً ينعكس على حياة الناس.
وهذا بالضبط ما سعى إليه جمال عبد الناصر في مشروعه القومي، إذ أدرك منذ البدايات أن الحرية السياسية لا معنى لها؛ إذا لم تُدعَم بالعدالة الاجتماعية، وأن الكرامة الوطنية لا تنفصل عن الكرامة الإنسانية للمواطن. لذلك جعل من تحرير الإنسان من الفقر والجهل والمرض والاستغلال هدفاً مركزياً في مشروعه.
لقد رأى أن الديموقراطية لا تُختزل في الاقتراع أو التعددية الشكلية، بل في تمكين المواطن من امتلاك أدوات قراره؛ أي حين يمتلك قوت يومه، وسكنه، وتعليمه، واستقلاله الاقتصادي، عندها فقط يصبح مواطناً حرّاً لا تابعاً، وقادراً على ممارسة حريته عن وعي لا عن حاجة.
لهذا، كانت مفاهيم مثل العدالة الاجتماعية، وتأميم الثروات الوطنية، والإصلاح الزراعي، ومجانية التعليم والصحة ليست مجرد سياسات اقتصادية، بل رؤية لتحرير الإنسان العربي من التبعية الداخلية والخارجية.
لقد كان عبد الناصر، يرى أن الحرية الوطنية لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية، وأن الديموقراطية الحقيقية لا تُبنى فوق الفقر، لأن الجائع لا يمكن أن يكون حرًّا، والمحروم لا يستطيع أن يختار بحرية.
ومن هنا، فإن أي مشروع نهضوي عربي معاصر؛ لا يمكن أن يتجاوز شرط العدالة الاجتماعية؛ باعتباره البوابة الحقيقية للديموقراطية والمواطنة، لا مجرد مكمل لهما. فبقدر ما يُحرَّر المواطن من الفقر والتهميش، يتحرر الوطن من الاستبداد والفساد، وتُفتح أمام الأمة أبواب النهضة على أسس من الكرامة والعدالة والحريـة.




